تونس رأي سياسة

17 ديسمبر.. تأريخ سعيّد الذي حيّد المضامين السياسية للثورة وتحاشى المطالب الاجتماعية

أنيس العرقوبي

معتقلو 25 جويلية

وسط أزمة سياسية واقتصادية خانقة، يحيي التونسيون الذكرى الـ13 للثورة التونسية، وذلك بعد أن أحدثت السلطة بقيادة الرئيس قيس سعيّد تغييرات على تاريخها من 14 جانفي إلى 17 ديسمبر.

وفي أجواء باهتة غاب عنها الحضور الرسمي، أرجع مراقبون أسبابها إلى الأزمة الاقتصادية المتفاقمة والسجال السياسي المتأتي من استمرار سجن شخصيات سياسية، أحيت سيدي بوزيد مهد الشرارة الأولى للثورة الذكرى وسط غياب الزخم الإعلامي والشعبي.

وتغيب عن الاحتفال بعيد الثورة الـ13 الأحزاب السياسية الوازنة والمنظمات الوطنية والمكونات الجمعياتية المدنية منها والحقوقية المختلفة فيما بينها على تأريخ الثورة والمسار السياسي الحالي الذي يقوده سعيّد، إضافة إلى انشغالها بالقضية الفلسطينية والصراع الدائر في قطاع غزة.

تأريخ بدوافع سياسية

يتّفق التونسيون على أنّ 17 سبتمبر كان الشرارة التي حرّكت القدر الساخن في تونس وأفاضت ما بداخله وهو حراك كان من أجل الكرامة والحرية والعيش الكريم، لكنهم يختلفون في تقييم المسار الثوري خلال 13 عاما الماضية وحتى اليوم بمختلف مراحله وأطواره.

وفي 17 ديسمبر 2010، أحرق الشاب محمد البوعزيزي نفسه أمام مقر ولاية سيدي بوزيد، احتجاجا على أوضاعه الاجتماعية وتضييقات السلطة، ما جرّ البلاد إلى ثورة عارمة انتهت بفرار الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي من تونس، متخلّيا عن حكم امتد لـ23 عاما.

ويتّفق التونسيون أيضا على أنّ التأريخ “يحرّف” من قبل الساسة الساعين إلى تطويع قيمه وأبعاده وفق أجنداتهم وطموحاتهم، لذلك فهو يفقد قيمته وزخمه وصورته لدى العامة.

ويؤكّد المتابعون للشأن السياسي أنّ الرئيس سعيّد أحدث شرخا جديدا بإقراره تاريخا بصفة أحادية، مشيرين إلى أنّه كان بالإمكان إجراء حوار يفضي إلى اتّفاق بشأن تاريخ له رمزية بالغة في حياة الشعوب على اعتبار أنّه تاريخ مشترك بين مختلف مكوّنات المجتمع.

ويرفض السواد الأعظم من التونسيين محاولة السلطة حصر السجال حول تاريخ الثورة التونسية وأبعادها ما بين السياسي والاجتماعي، مشيرين إلى أنّها حلقة مفرغة هدفها تحييد المواطن عن مشاغله وأولوياته المتمثّلة في تحسين المقدرة المعيشية وتعزيز مكاسب الحرية.

وأبانت عملية تعديل تاريخ الثورة، على نيّة سعيّد الساعي إلى محو أيّ أثر للحكومات السابقة التي تعاقبت على السلطة منذ عام 2011، وهي جزء من مشروعه القائم على تجريف العمل السياسي في تونس (إقصاء الأحزاب)، والذي ظهر جليّا في تجميد البرلمان وحلّه في مناسبة لاحقة وتعويضه بآخر يحظى بتمثيلية حزبية ضئيلة.

وبرّر سعيّد قراره (تغيير تاريخ الثورة)، أمام اجتماع للحكومة، بالقول: “الانفجار الثوري انطلق من سيدي بوزيد ولكن للأسف احتُويت الثورة حتّى يتمّ إقصاء الشعب عن التعبير عن إرادته وعن الشعارات التي رفعها”.

ويؤشّر اعتماد سعيّد لـ17 ديسمبر -الذي ارتبط أساسا بالمناطق الداخلية المهمّشة والخروج العفوي لمواطنين لا ينتمون بالضرورة إلى أحزاب أو نقابات، على عكس 14 جانفي، الذي شهد، قبيل ساعات من رحيل بن علي، انضمام معظم القوى السياسية والنقابية والحقوقية إلى الجماهير في مظاهرات جابت معظم أرجاء البلاد، وبلغت ذروتها في شارع الحبيب بورقيبة، وسط تونس العاصمة- على حرص الرئيس على تفكيك هذا المكوّن لعدم إيمانه بالتنظيم الحزبي.

وبدأ سعيّد 25 جويلية 2021، باتّخاذ “سلسلة إجراءات” شملت حلّ مجلس القضاء والبرلمان وإصدار تشريعات بمراسيم رئاسية وإقرار دستور جديد في 25 جويلية 2022.

وإضافة إلى تغيير تاريخ الثورة، ألبس سعيّد سلطته الجديدة نوعا من المشروعية التاريخية وأقرّ جميع إجراءاته الاستثنائية والاستحقاقات التي تبعتها في 25 جويلية وهو عيد الجمهورية، في إشارة إلى التأسيس الجديد وهو مسار غير توافقي ولا يستوعب القوى السياسية والاجتماعية الأخرى التي تمّ إقصاؤها.

ويردّد موالون لسعيّد مقولته بأنّ إجراءات 25 جويلية 2021 التي أنهى بها نظام ما بعد 14 جانفي 2011 هي تصحيح لمسار الثورة، فيما يؤكّد المعارضون أنّ تلك الإجراءات أعادت عجلة البلاد إلى الوراء باعتبارها منظومة قديمة أعادت إنتاج نفسها مستغلّة تعثّر الانتقال السياسي الذي أعقب الثورة.

وتندّد منظمات حقوقية بسياسة الرئيس قيس سعيّد القائمة على الحكم الفردي وإقصاء الخصوم السياسيين واستمراره في استخدام المراسيم (54) لضرب الحريات وتطويع مؤسسات الدولة (القضاء) خدمةً لمشروعه السياسي، مشيرين إلى أنّ مواصلة اعتقال الشخصيات السياسية في ما يعرف بقضية “التآمر” على أمن الدولة يندرج ضمن مساعي إحكام قبضته على السلطة.

تحاشي المطالب الاجتماعية ومُراكمة الأزمات

يركّز الرئيس سعيّد في خطاباته على أنّ 17 ديسمبر هي ثورة الجياع والمحرومين والمسحوقين وأنّه تاريخ لاستعادة حقوق المضطهدين التي ضيّعها نظام ما بعد 14 جانفي، مشيرا إلى أنّ الأحزاب حادت عن مطالب الشعب وشكّلت خيبة أمل كبيرة.

ويعاود سعيّد في أغلب تصريحاته الاتّهامات التي يكيلها إلى الطبقة السياسية (وهي تتحمّل جزءا من المسؤولية) بأنّها وراء الأزمات الخانقة التي تعيشها البلاد، مؤكّدا أنّ الحرية والكرامة لا تنفصلان عن التشغيل وتحسّن الأداء الاقتصادي، في إشارة إلى ربط مشروعه السياسي بالأبعاد الاجتماعية عبر خطابات شعبوية تهدف إلى هزّ وجدان الطبقة الهشّة.

وبعد 4 سنوات من تولّيه السلطة، اصطدم سعيّد بمشاكل اقتصادية واجتماعية مركّبة تواجهها البلاد، ما دفعه إلى إحياء المشاغل الهامشية قصد تحييد الشعب وفصله عن واقعه المأزوم وإلقاء اللوم على الأحزاب وما قال إنّها لوبيات تتحكّم في دواليب الدولة واقتصادها.

ورغم تصريحاته المتواترة المشدّدة على مقاربته القائمة على البعد الاجتماعي، يعاني التونسيون إلى الآن من تفاقم البطالة وغلاء الأسعار وندرة المواد الغذائية في الأسواق والمساحات التجارية الكبرى.

وفشلت الدولة لأول مرة في توفير كثير من المواد الأساسية التي تحتكر توريدها والإشراف على توزيعها مثل المحروقات والمواد الغذائية، بينما سجّلت أسعار الكهرباء والغاز والماء واللحوم والأسماك زيادات غير مسبوقة.

وتجد السلطة في عهد سعيّد صعوبة في توفير العملة الأجنبية لشراء المواد الأساسية، في ظل عجز الحكومة عن إقناع صندوق النقد الدولي على تسيير قرض بقيمة 1.9 مليار دولار.

ويقول منتقدو سياسة سعيّد إنّ الرئيس يكتفي بعرض مشاكل يعرفها القاصي والداني دون أن يطرح حلولا وخططا لحلّها وتجاوزها، وهو ما عمّق الأزمة في تونس وأطال أمدها، مشيرين إلى أنّه لا يملك رؤى اقتصادية أو مبادرات تهدف إلى هيكلة المنوال التنموي.

 وإلى الآن تعجز الدولة عن استعادة الأموال المنهوبة المهرّبة إلى الخارج، كما فشلت في إنجاح مبادرة الصلح الجزائي التي أطلقتها في وقت سابق ومدّدت من أجلها ولاية الهيئة مرتين.

ويردّد سعيّد أنّ حجم الأموال التي يطالب باستعادتها من قائمة تضم 460 من رجال أعمال متورّطين في جرائم مالية، تقدّر بـ13.5 مليار دينار تونسي (حوالي 4.5 مليار دولار أميركي) نُهبت من المال العام.

ورغم تعهّدات الرئيس المتكرّرة بإنقاذ البلاد من أزماتها الاقتصادية، تمضي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في تونس من سيّء إلى أسوإ، فبعد ارتفاع نسبة التضخّم وبلوغها 9.1%، وهو أعلى معدّل منذ ثلاثة عقود، شهدت البلاد نقصا حادا في إمدادات الوقود وفقدان مواد أساسية مثل السكر والأرز والقهوة.

وفي وقت سابق، شهدت تونس نقصا فادحا في توفّر الخبز، وأظهرت مقاطع فيديو نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي طوابير طويلة لمواطنين اصطفوا أمام المخابز فيما أغلقت أخرى بسبب عدم توفر مادة الفارينة (الدقيق).

وأرجعت السلطة الأزمة إلى اللوبيات والمحتكرين، فيما كشفت جمعية “أليرت” التي تعنى بمواجهة اقتصاد الريع، أنّ الأسباب التي تتحدّث عنها الرئاسة التونسية غير صحيحة، وأنّ الأزمة “هيكلية شاملة يشكو منها قطاع الحبوب في تونس”، وأنّ نقص الخبز يمسّ الولايات كافة بنسب متفاوتة.

وذكرت الجمعية أنّ السبب الحقيقي هو “انخفاض حاد في كميات القمح الصلب الموزعة من قبل ديوان الحبوب”، وهو جهة رسمية مكلّفة بتزويد البلاد بالحبوب سواء الاستيراد أو تنظيم توزيع المنتجة محليّا.

تستمر اختلالات المالية في تونس في وقت لا يستمع فيه الرئيس لنداءات مواليه أو معارضيه ولا يرى في الوضع الحالي خطرا لا على البلاد التي دخلت منذ إقراره إجراءات استثنائية أفق مسدودا سياسيا واقتصاديا ناهيك عن الوضع الاجتماعي الذي بات ينذر بسوء، فتوفّر المال في عهد سعيّد قد لا يمكّن المواطن من الحصول على رغيف.