60 سنة على طرد آخر جندي فرنسي من تونس.. إنّه الجلاء

تحيي تونس، اليوم الأحد 15 أكتوبر 2023، الذكرى الـ60 لعيد الجلاء؛ تاريخ دحر الآلة الاستعمارية الفرنسية وطرد آخر جندي من جنودها الاستعماريين عن الأراضي التونسية من ولاية بنزرت في 15 أكتوبر 1963.

وتأتي ذكرى طرد آخر جندي فرنسي مستعمر، في ظلّ ما تسطّره المقاومة الفلسطينية من بطولات أمام الآلة الاستعمارية الصهيونية.

يُعتبر موعد 15 أكتوبر 1963، في كامل مناطق البلاد التونسية وجهاتها وبالأخصّ ولاية بنزرت، من المواعيد الوطنية الكبرى التي يعتزُّ بها التونسيون.

وبعد أكثر من 60 سنة عن الوقائع حان الوقت لكشف حقيقة ما جرى وخلفياته، وتخليص الأحداث ممّا شابها بسبب فرض رواية رسمية ما فتئ المؤرّخون يشكّكون في كثير من تفاصيلها، على غرار الدوافع وأسباب خوض الحرب في حدّ ذاتها والاستعدادات والتسليح، إضافة إلى الأعداد الحقيقية للشهداء.

كان المستعمر الفرنسي، بترسانته العسكرية المتطوّرة وأسلحته المدمّرة، فى معركة الجلاء، يعتقد أنّه منتصر وباق في بنزرت، قبل أن يخيب مسعاه ويغادر الأدميرال الفرنسي فيفاي ميناد المدينة، وتسترجع تونس سيادتها على أراضيها، بعد فترة استعمارية امتدّت من 1881 إلى 1963.

من معارك 61 إلى جلاء 63

وقد كانت مسيرة تحرّر البلاد التونسية، وطرد آخر جندي من الآلة الاستعمارية الفرنسية من التراب الوطني التونسي، وتحديدا من ولاية الجلاء بنزرت يوم 15 أكتوبر 1963، مسيرة نضال بطولي، ولاسيما معركة بنزرت أيام 19و20و21 و22 جويلية 1961، رواها كل من عاشها من مناضلين ومقاومين في أكثر من مناسبة ومجال، وأكّدها المؤرّخون، سواء سياسيّا أو دبلوماسيّا أو بالاخصّ عسكريّا ومدنيّا، حيث دفعت تونس مقابلها شهداء بررة من مناطق البلاد وجهاتها كافّة قدّرتها المصالح الرسمية التونسية بحوالي 640 شهيدا بين عسكريين وحرس وطني ومدنيين، دون اعتبار آلاف المصابين وما لحق بالبنية الأساسية من دمار شامل.

لم تكن أهمية عاصمة الشمال التونسي تنحصر بفائدتها العسكرية وموقعها الجغرافي على المتوسّط، بقدر ما كانت مجال مصالح اقتصادية واجتماعية وعسكرية شاملة لفرنسا، وهو ما جعل إمكانية التخلّي عن المدينة خسارة موجعة لم يكن يقدر ديغول ولا آلاف الفرنسيين المستقرّين بها على تحمّل تبعاتها.

يؤكّد مسار الأحداث التي أحاطت بمعركة بنزرت إلى جانب ما ينقله بعض المؤرّخين الفرنسيين المعاصرين، رواية مماطلة القيادة الفرنسية في تسليم السيادة على بنزرت إلى التونسيين، ومباشرة عمليات توسيعهم لنطاق مشاريعهم العسكرية والمدنية لقضم أجزاء إضافية من المدينة.

مع نهاية سنة 1960 التي يفترض أن يقع خلالها استكمال الانسحاب العسكري من بنزرت، بدا واضحا أنّ فرنسا تخطّط لأمر مغاير ولن تلتزم بالجدول الزمني للجلاء، خاصة مع المشاريع التوسّعية الخدماتية والترفيهية التي قامت بإنشائها لخدمة جاليتها، وهو ما يكشف بوضوح أنّ بقاء الفرنسيين في المدينة سيطول لسنوات عديدة.

كانت الساحة التونسية منذ جريمة قرية ساقية سيدي يوسف على الحدود الجزائرية التونسية سنة 1958، تفور مطالبة بإنهاء الوجود الفرنسي في بنزرت، الذي كشّر عن أنيابه للانتقام من المدنيين التونسيين نتيجة دعمهم للثوار في الجزائر.

شرارة المواجهة

يوم الثلاثين من جوان 1961 تصدّت عناصر الحرس الوطني التونسي لأشغال توسعة قاعدة “سيدي أحمد”، بما يشكّل اعتداء صارخا على حدود السيادة التونسية لمدّ النفوذ الفرنسي بالقوة، ما دفع الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة بالتوجّه نحو تعبئة الشارع استعدادا لخوض معركة شعبية ووطنية واسعة لاستعادة المدينة.

وفي الرابع من جويلية، دعا الديوان السياسي إلى إعلان الحرب لاستعادة المدينة والدفاع عن السيادة الوطنية وبدأ معها تدفّق آلاف المتطوّعين الذين طوّقوا الثكنات الفرنسية.

ام تكن كرامة شارل ديغول لتتحمّل التصعيد التونسي خاصة مع اندلاع المواجهات صبيحة يوم 19 جويلية التي أسفرت عن تدمير سبع طائرات فرنسية واقتحام إحدى المواقع، ما دفعه إلى توجيه أوامر صارمة للقائد العسكري موريس أميان بالقول: “اضربوا بسرعة وبعنف”، وهو قرار كلّفه ثمنا باهظا في ما بعد.

جحافل الشهداء

ذهب بعض المؤرّخين -على غرار صوفي بسيس- إلى تقدير عدد الشهداء التونسيين بأكثر من ألفي شهيد، وذلك وفق

التقديرات التي اعتبروها الأكثر اتّزانا، في حين تذكر وزارة الدفاع التونسية في موقعها الخاص بالتراث والتاريخ العسكري، أنّه من الجانب التونسي استشهد 639 شخصا يتوزّعون كالآتي:
364 من أفراد الجيش

45 عنصرا من الحرس الوطني (الشرطة)

230 مدنيا

في حين بلغ عدد الجرحى التونسيين نحو ألف.

ومن الجانب الفرنسي قُتل 27 عسكريّا.
وقد كان لأصداء المواجهات في شوارع بنزرت بين سكانها والفرنسيين المدعومين بالطيران الحربي، ولمشاهد الدمار والدم، وقع كبير على صعيد الوطن العربي والعالم، تكلّل بتدخّل سريع لمجلس الأمن الذي أقرّ وقف إطلاق النار، قبل أن يصدر قرارات حاسمة لصالح الحكومة التونسية في أوت من السنة نفسها، أجبرت بمقتضاها باريس على التفاوض مع تونس بشأن إعادة جدولة انسحابها من بنزرت. قرار بدأ تنفيذه في سبتمبر 1963.
لقد دفعت عروس الشمال مهر حريتها وسيادة تونس ثمنا عزيزا غاليا محفورا بالدم والتضحيات، لكنها سجّلت يوما في سجلّ البطولات يوم أجلت آخر الغزاة عن أرضها معلنة استكمال السيادة الوطنية.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *