18 أكتوبر 2005: إضراب الجوع الذي غير مسار النضال ضد الاستبداد في تونس
tunigate post cover
تونس

18 أكتوبر 2005: إضراب الجوع الذي غير مسار النضال ضد الاستبداد في تونس

"الجوع لا الخضوع" شعار وحد قوى المعارضة زمن الديكتاتورية في تونس ... كيف تحول تاريخ 18 أكتوبر إلى حدث فارق في الساحة السياسية وغير مسار المعركة مع النظام السابق
2021-10-18 17:31


قد لا يعني تاريخ الـ 18 من أكتوبر/تشرين الأول شيئا استثنائيا بالنسبة لعموم التونسيين في زمننا الحاضر بتقلباته السياسية، رغم ما مثله من حدث مفصلي في مسار النضالات السياسية قبل 16 عاما في مواجهة الاستبداد وديكتاتورية النظام السابق.

باتت ذكرى إضراب الجوع المنفذ في الـ18 من أكتوبر 2005 منذ الثورة، حدثا خافتا بالكاد تستحضره بعض الوجوه السياسية والحقوقية التي عاصرته وشاركت في مخاضه الذي انتهى بتشكيل أول جبهة معارضة موحدة ضمت مختلف القوى من الإسلاميين واليساريين والقوميين. 

تحول هذا التاريخ إلى حدث فارق في تاريخ قوى المعارضة الوطنية التونسية التي اجتمعت للمرة الأولى بمختلف أطيافها مترفعة عن خلافاتها الماضية والأيديولوجية، لتكرس بادرة نضالية مشتركة عرفت حينها بإضراب جوع الشخصيات الـ8 بهدف الدفاع عن الديمقراطية.

الجوع ولا الخضوع

شارك في الإضراب كل من أحمد نجيب الشابي، الأمين العام للحزب الديمقراطي التقدمي (الحزب الجمهوري حاليا)، وحمة الهمامي، الناطق الرسمي باسم حزب العمال الشيوعي، وعبد الرؤوف العيادي، نائب رئيس المؤتمر من أجل الجمهورية، وسمير ديلو القيادي في حركة النهضة، والقاضي مختار اليحياوي، والناشط الحقوقي محمد النوري، والصحفي لطفي الحاجي، إضافة للمحامي اليساري العياشي الهمامي.

حمل ذلك الإضراب شعار “الجوع لا الخضوع” ليتحول إلى أيقونة شهيرة تختزل وحدة الصف النضالي بين “الرفاق والإخوة”

كان الزخم الإعلامي الخارجي والدولي الذي أحاط بالإضراب أكبر من محاولات النظام السابق الرامية إلى تعتيمه، خاصة وأنه تزامن مع احتضان تونس لقمة مجتمع المعلومات في الفترة نفسها وهو حدث كان يعول عليه بن علي لتلميع صورته خارجيا وتسويقها للشركاء الدوليين وخاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهي صورة تبرز توجهه نحو الاستثمار في مجال تقنية المعلومات والتكنولوجيا الرقمية.

كانت أصداء الإضراب  واسعة بين القوى والتيارات السياسية والحقوقية وداخل الأوساط الطلابية والجامعية، فلا حديث إلا عن الحصار الأمني حول مكتب العياشي الهمامي الذي كان يحتضن الإضراب، وينشر تصريحات مسؤولي منظمات “العفو الدولية” و”صحفيون بلا حدود” وغيرها من الهيئات الدولية التي ساندت التحرك دفاعا عن الحريات والديمقراطية وتعددية الرأي وحق العمل السياسي.

الساحة الجامعية كانت تعيش في تلك الفترة حراكا متنوعا وغير مسبوق على وقع احتجاجات ضد مشاركة وزير الخارجية الصهيوني سيلفان شالوم في أشغال قمة مجتمع المعلومات ، احتجاجات ضاعف إضراب الجوع من زخمها وحيويتها خاصة مع تنظيم عدة تحركات وإضرابات مساندة للمضربين عن الطعام من قبل التنظيمات الطلابية بالاتحاد العام لطلبة تونس حينها.

حصار أمني على الموقف

للمفارقة، تحولت جريدة الموقف في تلك الفترة إلى الصحيفة الأكثر توزيعا في تونس رغم الحصار الأمني المسلط على عملية بيعها من الأكشاك من قبل عناصر وزارة الداخلية. وكانت أعدادها تتناقل مثل “الأسرار المقدسة” بين الطلبة والمناضلين السياسيين وحتى بين العامة الباحثين عن مصادر للمعلومات خارج نطاق الإعلام الرسمي.

ورغم محاولات حصار مقر الإضراب والرقابة الصارمة على وسائل الإعلام منعا لتسرب أخبار هذا الإضراب إلى الرأي العام، إلا أن صرخة الكرامة التي وحدت المناضلين كانت أشد قوة من ممارسات الديكتاتورية.

وفضلا عن أصداء الإضراب في الأوساط الإعلامية الأجنبية والدولية، فقد اعتبر مراقبون للساحة التونسية المبادرة المشتركة بين مختلف أطياف المعارضة الحزبية والناشطين المستقلين مؤشرا إيجابيا يكشف عن تحول في منهجية تحركات المعارضة التونسية، ستصبح لاحقا تجربة ملهمة لقوى المعارضة العربية في السنوات التي سبقت الربيع العربي.

في محاضرة ألقاها الكاتب الصحفي الفلسطيني عبد الباري عطوان في تونس أمام جمهور غفير بالتزامن مع إضراب الجوع أكد أن: ” الساحة العربية منذ الغزو الأمريكي للعراق تشهد تحولات ملحوظة وأن المعارضة تشهد نهضة ونضجا في خطابها وقدرة على إعادة تعبئة الجماهير من حولها وتقديم مشروع وطني حقيقي بديل للأنظمة الحالية المترهلة التي طالما كانت رهينة السياسات الغربية”.

وأضاف عطوان أن “البشائر تنطلق من تونس من خلال إضراب قوى المعارضة التي طوت صفحة خلافتها الإيديولوجية والتاريخية وتؤسس لمشروع جبهة وطنية ستغير التاريخ السياسي للبلد.”

هيئة 18 أكتوبر

جاء كلام عطوان بمثابة نبوءة أو لعلها فطنة الصحفي الذي أجاد قراءة المشهد. وكان إضراب 18 أكتوبر منطلقا لتأسيس الهيئة التي حملت نفس الإسم كإطار سياسي جمع حركة النهضة وحزب العمال الشيوعي والمؤتمر من أجل الجمهورية والحزب الديمقراطي التقدمي والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين، وحركة الوحدويين الناصريين إلى جانب منظمات حقوقية ووطنية أهمها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والمجلس الوطني للحريات، والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين.

أنتج ذلك اللقاء الفريد بين مختلف أطياف القوى السياسية نقاشات عميقة بشأن المسائل الخلافية المتعلقة بالمساواة بين الجنسين والمسألة الدينية ومجلة الأحوال الشخصية وغيرها من القضايا التي وقع إصدار مواقف توافقية بشأنها.

ورغم أهمية المواقف التي تضمنتها الوثائق الصادرة عن هيئة 18 أكتوبر، إلا أن الفرقاء الذين شاركوا في الإمضاء عليها سرعان ما انفضوا من حولها بعيد الثورة، لتعيش الساحة الحزبية على وقع صراعات ارتبطت بالقضايا ذاتها المتعلقة بالحريات والنمط الاجتماعي والمعتقد وهي ما كانت بمثابة مسمار أخير دق في نعش تجربة ستظل حاضرة مؤثرة في في ذاكرة العمل السياسي الوطني.

18 أكتوبر#
إضراب الجوع#
الديكتاتورية#
تونس#
قوى المعارضة الوطنية#

عناوين أخرى