ماذا يفعل مدير المخابرات الأمريكية في ليبيا؟

مختار غميض

زيارة من العيار الثقيل لكنّها لو تحظ باهتمام الإعلام العربي، لما لها من أبعاد تتجاوز البلد المغاربي مترامي الأطراف.

لم ترشح تفاصيل عن أسباب زيارة مدير وكالة المخابرات الأمريكية وليام بيرنز المقتضبة إلى ليبيا ولقائه بـ”زعيمي” الشرق والغرب، لكن إذا كان حجم الزيارة كبيرا، فإنّ حجم الأسئلة أكبر بخصوصها، لماذا جاءت في هذا التوقيت وبعد تعيين المبعوث الأممي الجديد؟ ما هدف التنسيق مع حفتر والدبيبة؟ ما أبعاد ذلك إقليميا ودوليا؟

توقيت مفصلي:

قبل كل شيء لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الدور الأمريكي في ليبيا ليس بالجديد من خلال سفيرها ريتشالد نورلاند، وقبله المبعوثة الأمميّة الأمريكية ستيفاني ويليامز، لكن لا شكّ أنّ زيارة بيرنز محورية، في جانبها المحلّي والدولي، الأمني والاستراتيجي ضمن الرؤية الأمريكية للمنطقة مستقبلا.

فليس الأهم من الزيارة سوى توقيتها، فهي الأولى بعد الثورة، وتأتي في ظلّ الحديث عن إمكانية انبثاق خارطة طريق جديدة مع المبعوث الجديد السنغالي باتيلي قد تفضي إلى إجراء انتخابات وفرز سلطة جديدة.

لكن ذلك أمر بات شبه مستحيل في ظلّ الصفقات السياسية لضمان بقاء الأجسام نفسها في المشهد، أي رئيس البرلمان عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، مع تمّسك حفتر بقيادة الجيش والدبيبة بالسّلطة حتى تسليمها لرئيس منتخب.

لذا تأتي الزيارة وسط انهيار المفاوضات الحثيثة بين مجلسي النواب والدولة لإجراء انتخابات، وبات الحديث عن ذلك من باب الإلهاء والاستهلاك المحلي لا أكثر، حيث ترغب الأجسام القديمة في التجديد لنفسها على قاعدة تفاهم مشترك، تسعى المخابرات الأمريكية فيه إلى ضمان دورها في المنطقة بما يحمي مصالحها.

وعلى رأس التفاهمات هو توحيد المؤسّسة العسكرية بما قد يلبّي طلب حفتر بالبقاء وأبنائه في المشهد، بحكم معرفتها به جيّدا، أفضل ممن لا تعرفه، فهو عميلها الاستخباراتي القديم، والمتكتّمة على سياساته حيث لم تمرر الدعوات لتسليمه بعد طلبه من محكمة فيرجينيا لارتكابه جرائم حرب.

فضلا عن مساعي ملء الفراغ بعد حديث عن انسحاب مرتزقة “فاغنر” الروس إلى أوكرانيا، مما قد يترك مساحات للأتراك للعب دور أكبر يمتدّ حتى الحدود المصرية.

وهذا لن يكون عامل استقرار بحكم رفض حفتر وداعمه المجاور السيسي الذي يعتبر حكم الدبيبة منتهي الصلاحية، وأنّ أيّ حكم مناهض لحفتر هو خطر على حدوده الغربية، يدخل ليبيا في دوامة جديدة من الانقسام بعد أن حدّت تفاهمات جنيف من ذلك.

العداء للروس:

كان توجّه نظام القذافي يميل إلى الروس ويعادي الأمريكان، لذا سيسعى التوجّه الجديد إلى فكّ هذا الارتباط الذي بات يمثّله حفتر.

ويوظّف هذا الجنرال المتمرّد، مرتزقة “فاغنر” الروس بشكل فظيع في ليبيا، وقد ارتكبوا جرائم ولسنا في حاجة إلى تبيان ذلك، يكفي احتلالها لقواعد عسكرية وزرع ألغام في محيط طرابلس أودت بحياة ليبيين ما تزال جراحهم تنزف إلى اليوم، بل شاركوا قوات حفتر في هجمات على ترهونة حيث ما تزال تكتشف المقابر الجماعية الفظيعة.

ما يجب تأكيده، هو أنّ واشنطن لا ترغب بأيّ حال -وهذا ليس بجديد لكن حجم الزائر يكشفه- أنّ أمريكا باتت قلقة للغاية من التواجد الروسي على ثغر إفريقي وعربي في غاية الأهمية.

والجميع يدرك سعي التواجد الروسي إلى التغلغل في الجسد القاري، وصولا إلى مالي وإفريقيا الوسطى وحتى مدغشقر وموزمبيق، وهو ما يزعج الأمريكيين بشكل غير مسموح به، ويكفي التذكير هنا باستهداف الطيران الجوي الأمريكي الأشهر الماضية لبعض المجموعات في مناطق نفوذ حفتر، وهو أمر لم يكن ليحدث دون تنسيق وتفاهم مسبقيين، في تحدّ واضح للروس.

بل تسعى واشنطن إلى مزيد تعميق الشرخ بين روسيا وحفتر، الذي زاره قائد القوات الجوية الأمريكية بإفريقيا (أفريكوم) الجنرال لامونتاني، ساعات فقط بعد زيارة رئيس “السي آي آيه”.

غير أنّ هذا التوجّه كشف عن وجهه أكثر، عقب تصريح الناطق باسم مجلس الأمن القومي بأنّ “فاغنر” مجموعة “إجرامية دولية” وتوعّد باتّخاذ خطوات لمعاقبتها.

ولا شك أنّ هذه الخطوة التي تلت زيارة رئيس المخابرات إلى ليبيا تمّت دراستها بعناية، قد تقود إلى عزل حفتر عن روسيا نهائيا، في إطار ابتزازه بتطمينات عن عدم محاكمته عن جرائمه أولا، ثم لدفع مسار توحيد الجيش قدما، وخلق تقارب أكثر بين المعسكريْن.

الدبيبة وتوحيد الجيش

أدركت الولايات المتّحدة بما لا يدعو مجالا للشك، وهذا تخمين وليس معلومة، الموت الفعلي لحكومة باشاغا، ما يسمّى حكومة الاستقرار أو حكومة برلمان عقيلة الموالية لحفتر، بعد استماتة القوات العسكرية التابعة لرئيس حكومة الوحدة عبدالحميد الدبيبة في الدفاع عن طرابلس في ثلاث مناسبات كادت تتحوّل إلى حرب دامية، لولا الخطوط الحمراء الخارجية في علاقة بتقارب المحاور الإقليمية.

فشل حكومة الاستقرار في توفير الاستقرار بطرابلس، أدّى إلى إعادة بناء مواقف أخرى تسمح للأمريكان بتوفير مساحة مشتركة للمناورة بأريحية، بشكل يضمن احتواء “زعيمي” شرقي ليبيا وغربها.

عبر التخلّي عن باشاغا لصالح احتواء حكومة الدبيبة بإحداث تقارب بينها وحفتر وحلفه، خاصّة الإمارات ومصر، وقد لوحظ ذلك بشكل جيّد إلى درجة الغزل غير المعلن، ورأينا زيارة الدبيبة للإمارات ومنحها أرضا شاسعة في طرابلس لبناء سفارة لها هناك، بعد عداء طويل.

والعنوان الأول لهذا التقارب، هو بداية تشكيل أول نواة موحّدة للمؤسّسة العسكرية، وهو ما تحقّق بعد يوم واحد من زيارة مدير المخابرات الأمريكية، بدمج كتيبتيْن من الشرق والغرب، لتأمين سرت لسحب البساط من مرتزقة “فاغنر” الراعي الرسمي للأمن بها، نحو تعميم الخطوة نفسها بالموانىء النفطية، ومن المرجّح تعميمها جنوب البلاد، حيث ينتشر الروس أيضا في عدة مدن، وبدأوا يزعجون الأهالي ويثيرون مشاكل.

لذا تحاول الولايات المتّحدة ركوب القطار وهو يجري، لقطع الطريق عن غريمها في أوكرانيا، خاصّة مع عودة الحياة نسبيا في ليبيا.

هذا ناهيك عن استعادة نسق إنتاج النفط إلى شبه مستواه ما قبل الثورة بمعدّل مليون ونصف المليون برميل يوميا، وهذا مكسب جديد تراهن عليه الإدارة الأمريكية، في ظل تخبّط الأسعار بفعل الحرب الروسية.

كما تسعى واشنطن إلى ضمان حصّة شركاتها في السوق الليبيّة، المفتوح على أوسع نطاق إذا استمرّ الاستقرار، هذا دون مطامع أمريكا في مشاركة شركاتها في التنقيب عن البترول والغاز بالمنطقة البحرية إلى جانب الأتراك، التي قد تدخل حيّز التنفيذ في أيّ وقت وفق تأكيد الجانب الطرابلسي.

غزل للتطبيع

تعمل الولايات المتّحدة منذ السنة الفارطة على توسيع التعامل الاستخباراتي الاستراتيجي بشكل أكبر بالقارة الإفريقية بتنسيق مع القيادة الأمريكية الجوية “أفريكوم”، التي كانت تنظر بعين الرّيبة لقوات المنطقة الغربية من حيث موقفها من الإرهاب، وهو الموقف الذي لم يتغيّر إلا بعد استرجاع طرابلس لمدينة سرت من يد الإرهابيين الدواعش.

وقد بدأت واشنطن تحسب ألف حساب لكل تحرّكاتها منذ عملية اغتيال سفيرها في بنغازي خلال السنوات الأولى للثورة، وتوسّعت عمليات التجسّس والمتابعة الأمريكية عبر تجنيد قوات خاصّة، وصلت حدّ اختطاف متّهمين ليبيين بأعمال تفجير من طرابلس.

وظلّت العين الأمريكية مسلّطة على كامل المنطقة خاصّة إفريقيا جنوب الصحراء والمناطق الحدودية حيث تنشط شبكات التهريب والإرهاب والاتّجار بالبشر، التي وظّفها حفتر في معاركه من خلال شبكة معقّدة من المرتزقة.

شبكة تبدأ بمساعدته في تمدّده داخل ليبيا وتنتهي بشركات بيع الخردة وتهريب المهاجرين، لكن أمريكا ظلت تنظر إليه باعتباره “رجل ليبيا القوي” ولو لم تساعده عسكريا أو تتّخذ مواقف صريحة منه، إلّا في 2019، عندما وافق ترامب على غزو طرابلس شرط أن يكون بشكل خاطف.

لكن قبيل ديسمبر/كانون الأول 2021، تبيّن حجم الدعم الأمريكي لحفتر، عندما طالب الأخير كيان الاحتلال بدعمه في الانتخابات الليبية لرئاسة ليبيا في الاستحقاق الانتخابي المؤجّل في 24 ديسمبر 2021، وقد سبق لمواقع عبرية عدّة أن تحدّثت عن فضيحة زيارة صدام نجل حفتر إلى تل أبيب لطلب التدخّل لتقديم كلّ أشكال الدعم لوالده مقابل التطبيع.

والمهم هنا أنّ زيارة رئيس المخابرات الأمريكية توظف في هذه الزاوية، ضمن حشد الدعم لمسارات التطبيع في المنطقة، لإتمام الهلال الصهيوني من “مراكش إلى البحرين”.

وقد قامت لوبيات عربية و”إسرائيلية” بأدوار متقدّمة في هذا الجانب في تنسيق لم ينقطع منذ إعلان التطبيع رسميا مع تشاد المجاورة، في مسعى “إسرائيلي” لمزيد التغلغل في الجسم الإفريقي، ومنافسة للصين وروسيا.

بقيت الإشارة إلى أنّ الزيارة ليست بمعزل عن تسليم الدبيبة للصندوق الأسود للكوربي أبو عجيلة المريمي، وهو يبدو محلّ موافقة من حفتر بدليل صمته المطبق مقابل التحرّك الكبير لتيار القذافي.

وهذا عامل آخر يؤكّد الدور الأمريكي الجديد في جهود توحيد المسافات وتقريبها بين الشرق والغرب على مساحة مشتركة، ستكون فيها أمريكا اللّاعب الأبرز.

هذا إذا لم تصطدم بالقوة الإقليمية الناشئة، تركيا، فيبدو أنّ رئيس الاستخبارات التركية تلقّف الرسالة الأمريكية بشكل فوري، فزار طرابلس عقب نظيره الأمريكي لكأنّ الخطوة الأمريكية تمثل ضوءا أحمرَ، “انتبهوا نحن هنا”.

وهذا موضوع آخر يستحقّ مقالا بمفرده، أليس من المبكّر الحديث عن نهاية لعبة الكبار في ليبيا؟

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *