لم يكن الحفل الذي أقامه فنان الراب كريم الغربي المعروف بـ”كادوريم” في دبي، مجرّد تظاهرة ترفيهية كما حاول منظّموه تقديمه،  فالتسويق الإعلامي للحدث، وما تضمنه من “بهرج” تنظيمي وعلى مستوى الحضور، ممثلا في عدد من المؤثرات ومشاهير منصات التواصل الاجتماعي، فضلا عن تزامنه مع ذكرى الثورة، والفيلم الوثائقي الذي عرض أثنائه، يفرض قراءة تتجاوز الترفيه والموسيقى والإبهار البصري.

توقيت الفعالية، التي تزامنت مع ذكرى الثورة التونسية، وتنظيمها  في الإمارات التي باتت الطرف الأكثر تورطا في أجندات “التدخل الفج”، في دول المنطقة، سواء بشكل مباشر أو ما يعرف بأدوات “القوة الناعمة”، يكشف عن معالم “مشروع إماراتي” يتخذ من “كادوريم” واجهة لدس السم في الدسم في المشهد التونسي.

ماذا تريد الإمارات؟

خطورة حفل كادوريم لا تكمن فقط في الفعالية أو الفيلم الوثائقي الذي عرض خلاله، بما حمله من رواية مثيرة للجدل فحسب، فاختيار دبي في هذا التوقيت بالذات، لم يكن مصادفة محضة.

فالنظام الإماراتي أضحى خلال السنوات الأخيرة “مركزا إقليميا” لإنتاج سرديات تسعى لاختراق عدد من الدول العربية، فإلى جانب السياسات العسكرية المباشرة التي ينعكس صداها في السودان وشرق ليبيا والصومال، توظف أبوظبي أدوات القوة الناعمة من إعلام موجّه، ومنصات رقمية، وصنّاع محتوى يُقدَّمون في صورة “أصوات مستقلة”، لتوسيق أجندات سياسية بعينها في بلدان عربية أخرى.

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بوضح من خلال تفكيك أبعاد فعالية “كادوريم” وخلفياتها: ماذا تريد الإمارات من تونس؟

إحياء المشروع السياسي

طموح كادوريم السياسي ليس جديدا، بعد أن كشف عنه بوضوح، بإعلانه نيته الترشح لانتخابات 2024 الرئاسية، بعد أن مهد له  طوال سنوات، عبر عملية ممنهجة لتغيير الصورة النمطية المتداولة عنه في أوساط الرأي العام، تارة بتقديم المساعدات المالية والاجتماعية بسخاء، وحينا آخر، بالتركيز على تلميع صورته وتقديم نفسه في صورة المهتم بالمشهد العام، ووصولا إلى طرح نفسه مرشحا للتونسيين.

ضمن هذا السياق، يبدو أن “فنان الراب الحالم بالرئاسة”، وجد في الإمارات منصة مثالية لإعادة إحياء أحلامه السياسية، بمثل ما وجدت فيه أطراف يعينها في مركز السلطة والقرار في أبوظبي، وسيلة جديدة لصناعة نموذج وتسويقه داخل الساحة التونسية، بهدف استقطاب قطاع من الرأي العام، وخاصة أوساط الشباب، اعتمادا على الإبهار وسردية “الشاب سليل الأحياء الشعبية وأحزمة الفقر والذي تحول إلى قصة نجاح”.

الأخطر من ذلك، أن هذا الخطاب لم يمرر مباشرة، بل مغلفا بحضور مؤثرات من مشاهير السوشيال ميديا والتيك وتوك، وهو تفصيل لم يكن ثانويا، بل هو جزء من التسويق لصورة كادوريم الجديدة ومنحها شرعية “تونسية” مصطنعة.

تشويه الرموز وإرث الثورة

الحفل، الذي قُدّم على أساس “الترويج لتونس”، تضمن استعراضا بالدرون، رسمت صورة “كادوريم” إلى جانب صورة الشهيد فرحات حشاد، أحد أبرز رموز الحركة النقابية والوطنية التونسية، في محاولة لرفع شخصية بلا سيرة سياسية أو نضالية، إلى مصافّ الرموز المؤسسة للدولة الوطنية.

الفقرة الأبرز في مغامرة “كادرويم”، كانت عرض فيلم وثائقي عن “مسيرته النضالية” كما يزعم، تضمن مشاهد من اللحظات الأخيرة في حياة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، في سياق “إنساني عاطفي”، بحكم علاقة المصاهرة السابقة.

الفيلم الوثائقي الذي تضمن شهادات لعائلة بن علي والمقربين منه، على غرار المحامي منير بن صالحة، تجاوز إطار السيرة الذاتية، نحو تبييض صورة الرئيس الأسبق، واستدرار التعاطف، من خلال فصل الشخص عن النظام.

ما يثير الانتباه في كل هذا المشهد ليس الفيلم في حد ذاته، ولا الشخص الذي يقف خلفه، بل الهدف الأعمق الذي تسعى إليه الإمارات، فهي، كما كل ساحة تدخلها، لم تكتفِ بالتأثير السياسي المباشر، بل سعت إلى ضرب الوعي، تشويه إرث الثورة التونسية.

وفي زمن القوة الناعمة، لا تدار الأجندات بالأوامر، بل بالاحتضان والتمويل، وتوفير المنصات، وتوجيه السرديات، والنتيجة واحدة: ضخ السم في الوعي الجمعي.

ليس مزحة!

فعالية “فنان الراب الحالم بالرئاسة”، ومضمون عمله الوثائقي، آثار أصدقاء واسعة من التعليقات من قبل النشطاء والمدونين التونسيين.

وكتبت عفاف العياشي: “ما يثير الانتباه في كل هذا المشهد ليس الفيلم في حد ذاته، ولا الشخص الذي يقف خلفه، بل الهدف الأعمق الذي تسعى إليه الإمارات، فهي، في كل ساحة دخلتها، لم تكتفِ بالتأثير السياسي المباشر، بل سعت إلى إدخال السمّ في نسيج المجتمعات، عبر ضرب الوعي، وتفكيك المعاني، وإعادة تعريف المفاهيم الكبرى: الثورة، الحرية، الكرامة، والاستقرار”.

وعلق معز التواتي ساخرا: “سكريبت الفيلم أنجز بدهاء مع سيناريو مدعوم بصور وموسيقى لإحداث تأثير نفسي مباشر في المتلقي، وفكرته الأساسية أن كريم الغربي هو امتداد لبن علي، وهو مبعوث العناية الالهية لتونس لتواصل رفع التحديات”.

أما محمد أمين فاعتبر أن فعالية كادرويم، تتجاوز حملة انتخابية مبكرة للرئاسة، لتكرس عملية تبييض أموال ضخمة.

وأضاف: “اعتقد البعض أن حفلة كادوريم حملة انتخابية قبل الأوان، لكن الوقائع والمعطيات المتقاطعة تكشف عكس ذلك، فهي لم تكن لا حملة انتخابية ولا عرضا فنيا، بل عملية تبييض أموال مدبرة بعناية رغم العلم المسبق برفضه داخليا وخارجيا كمرشح رئاسي”.

أما الصحفية منية العرفاوي، فحذرت في منشور من الأجندات الخفية وراء هذا الفيلم بالقول: “كادوريم ليس مزحة، هم لا يمزحون، نحن من نمزح ببلاهة!”.

وتابعت: “المطلع على بعض الكواليس يعلم أن نتيجة اليوم والخروج إلى العلن، وفي ديسمبر الماضي كانت تقريبا النتيجة نفسها لكن لعمليات سبر آراء غير معلنة.. أمر كان يُعدّ له منذ سنوات وعلى أكثر من مستوى، وبهدوء وحرص شديد، وفي إطار خطة معينة لا ضجيج فيها، لا تستخفوا بالأمر وتجعلوه نكتة سمجة”.