مع بزوغ هلال رمضان يتغير إيقاع الحياة في الجزائر، وتلبس المدن حُلّة من نور وسكينة ويأخذ الحنين الصائمين إلى عادات وتقاليد توارثوها من أجدادهم.
شهر رمضان في الجزائر ليس مجرد صيام عن الطعام والشراب، بل هو موسم روحاني واجتماعي يملأ القلوب بالإيمان ويضفي على المدن أجواءً من المحبة والخشوع.
أهم الأخبار الآن:
ومع أول خيوط الفجر، تعلو التكبيرات معلنة قدوم شهر البركة والخير ويمضي الجزائريون يومهم الرمضاني بين العمل صباحا والتسوق واقتناء ما يلزمهم في الفترة المسائية أين تعج الأسواق بالباعة وتصدح أصواتهم متغزلين ببضاعتهم.
ويهدأ الضجيج شيئا فشيئا قبيل الغروب، وتفوح من البيوت روائح ما لذّ وطاب من الأطباق، بينما تنتظر العائلات لحظة الأذان بشغفٍ ممزوج بالدعاء.
ولا تخل مائدة الجزائريين في شهر رمضان من أطباق تقليدية متوارثة بين الشوربة والفريك والحريرة وهي شوربة غنية بالحمص والعدس وتعدّ من أشهر أطباق الإفطار. والكسكسي والطواجن..
كما لا تكتمل السهرات الرمضانية في الجزائر دون حلويات كقلب اللوز والزلابية والمقروظ.
وفي الأحياء العتيقة، تتلألأ المآذن وتنتشي المساجد بالمصلين، وتتعالى تلاوات القرآن فتنساب في الأزقة كنسيمٍ روحاني وسط شعور بالسكينة والطمأنينة.
ويغدو الليل أكثر حياةً بعد صلاة التراويح فهاهي الأسواقُ تنبض بالحركة مجددا، وأصواتُ الباعة تختلط بضحكات الأطفال، والأضواء والزينة الرمضانيّة المعلّقة تزوّق الشوارع.
التهيؤ للشهر الفضيل
ويفرض شهر رمضان حضوره مبكرا في البيوت الجزائرية كضيف عزيز يتم استقباله بما يليق به إذ تتغير تفاصيل العادات اليومية وتُطوع لتتلاءم معه.
ومع اقتراب الشهر تشرع العائلات في الاستعداد الجيد إذ دأبت ربات البيوت على إخراج الأواني الفاخرة المُخصصة عادة للمناسبات الكبيرة، كما يقمن بحملات نظافة تشمل أدق زوايا المنزل وتهيئته لرمضان فيتم تنظيف الجدران أو طلاؤها من جديد استبشارا بهذا الضيف العزيز.
وتقتني ربات البيوت قبيل حلول الشهر الفضيل كل مستلزمات مؤونة رمضان على لتعد الفريك في المنزل وهو دقيق غليظ من القمح والشعير يتم تنقيته وطحنه للاحتفاظ به في قوارير زجاجية.
كما تقمن أيضا بخلط التوابل ودمجها بما يتناسب مع كل طبق رمضاني، إضافة إلى إعداد شباح السفرة وهو عبارة عن مكسرات مطحونة مخلوطة مع العسل مشهورة بها المناطق الشرقية.
كما يحرص الجزائريون على تنظيف المساجد وتجهيزها لاستقبال الشهر الفضيل وينتظرون ليلة “الشك” وهي الليلة الفاصلة بين الإفطار وأول يوم صيام كتقليد سنوي ثابت
وفي ليلة رمضان يملأ القرآن شوارع الجزائر وأزقتها، وتعلو الأناشيد الدينية الممزوجة بضحكات الأطفال الذين يجتمعون حول أول مائدة للسهر على ترتيل القرآن، إيذانا بحلول شهر رمضان.
وتلتقي العائلة أمام التلفزيون في صمت وسط حالة من الترقب الممزوجة بالفرح لمعرفة أول أيام رمضان.
أنشطة خيرية
وتتكثف في شهر رمضان الأنشطة الخيرية وأعمال التكافل في الجزائر إذ ينضم كثيرون إلى جمعيات تضامنية، تعمل على جمع التبرعات وتنظيم البرامج التكافلية من موائد إفطار تُنصب في الشَوارع والأحياء فضلا عن سلة رمضان التي تجمع المواد الغذائية الأساسية خلال الشهر، إضافة إلى جمع التبرعات المالية لفائدة المرضى أو المحتاجين.
موعدان راسخان
وعلى غرار عديد الدول العربية تعد ليلة النصف من رمضان أو كما يسميها الجزائريون بـ”النصفية” أو “النصاف”، مناسبة اجتماعية وروحية راسخة تحتفِي بلمّ شمل العائلات، وتحضير أطباق تقليدية مميزة مثل الشخشوخة والرشتة، أو الكسكسي.
كما تعمد العائلات في هذا الاحتفال بتصويم الأطفال الصّائمين لأول مرة من خلال إعداد مشروب خاص بهم يتكوّم من ماء وسكر وليمون ويوضع فيه خاتم ذهب أو فضة، ويتم خضاب أيديهم بالحناء، وتلبس البنات أفضل الملابس.
الأمر نفسه بالنّسبة إلى ليلة 27 من رمضان التي يحييها الجزائريون وسط أجواء روحانية وعائلية مميّزة، حيث تكتظ المساجد بالمصلين لإحياء صلاة التراويح والتهجد. وتتميز هذه الليلة بختم القرآن الكريم، وتبادل الزيارات العائلية، وتوزيع الصدقات، وتقديم أطباق تقليدية.
وتغتنم العائلات هاتين المناسبتين لختان أطفالها، حيث يرتدون الزي التقليدي، ويقام لهم موكب خاص وسط زغاريد النسوة والأغاني الشعبية وأجواء من البهجة.
كما يختار عدد مهم من الشباب ليلة النصف أو ليلة 27 لتقديم “المهيبة” وهي الهدية التي تمنح للمخطوبات كنوع من صلة الرحم وتوطيد العلاقات.
ومن عادات الجزائريين في هاتين الليلتين تبخير المنازل والاجتماع على موائد إعداد الحلويات خاصة مع بدء العدّ التنازلي لاستقبال عيد الفطر المبارك أين يتبادل أفراد الأسرة الحديث والمزاح وتتعالى الضحكات مع الاستمتاع بشرب الشاي وتناول الأكلات التقليدية.
ويعتبر الجزائريون هاتين الليلتين “فأل خير” وبداية العد التنازلي لتحضيرات عيد الفطر.
شهر رمضان في الجزائر ليس مجرد مناسبة دينية، بل هو تجربة إنسانية متكاملة تجمع بين العبادة ولقاءات الأسرة، والعمل الخيري والموروث الغذائي..


أضف تعليقا