تونس و”حرب الخليج الشاملة”.. في مزايا “الرجوع إلى الوراء”

عبدالسلام الزبيدي 
في السياسة لا نقرأ ضجيج العبارات فقط وصخب الكلمات سواء كانت ضمن الخطابات أو في البلاغات، بل نتفحّصُ الصمت ونجوس خلال الفراغات، ونتوقّف عند شتّى أشكال الغياب. والصمت في أحيان كثيرة أصدق إِنْباءً من القَوْل ثقيلا كان أو دون ذلك.
بَحَثْنا عن موقف مباشر ممّا أسميه بـ”حرب الخليج الشاملة” من صاحب الصلاحيات الدستورية لضبط السياسات وتحديد الخيارات ورسم التوجهات، فلم أفُز بشيء رغم مرور أكثر من خمسة أيّام عن بدء العدوان. وعلى الدرب ذاته سارت وزارة الخارجية، سواء في بيانها الصادر والمكتفي بتوصيف الحرب والعدوان تصعيدا عسكريا خطيرا مع الإعراض عن ذكر الطرفين المعتديين والطرف المعتدى عليه، أو في غيره من البلاغات.

تونس والموقف من الحرب

يُسند الفصل المئة من دستور 2022 لرئيس الجمهورية قيس سعيّد الصلاحية الحصرية لضبط مختلف السياسات العامة للدولة وتحديد اختياراتها الأساسية. أمّا الحكومة رئيسةً وأعضاء فتقتصر أدوراها على التنفيذ والتنسيق بما ينسجم بل بما يتطابق مع تلك الخيارات. وعلى هذا الأساس، لا معنى من الناحيتين الدستورية والسياسية للحديث عن موقف دبلوماسي للخارجية التونسية، فهي لا تعدو أن تكون وفق النظام الدستوري والسياسي التونسي إلا جهازا تنفيذا لما تراه رئاسة الجمهورية.
ومن هذا المنطلق، فإنّ الفصل بين رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية لا مُسوّغَ له منذ 25 جويلية 2021 بحكم الواقع وكذلك الأمر 117 الذي أعطى لرئيس الجمهورية صلاحيات شبه مطلقة. والأمر نفسه استمر مع الدستور الجديد الذي خطّه سعيّد بيمينه.
 فنحن أمام موقف يعكس توجّها للدولة بكلّ مؤسساتها وأجهزتها. وبذلك تغدو المقولة التي يحلو للكثيرين استخدامها من باب التبرير أو النقد المُقَنَّع لا معنى لها. وتتمثّل هذه المقولة في أنّ الحكومة تقف وراء سوء تطبيق ما حدّده رئيس الدولة من خيارات. ففي هذه المسألة نحن أمام وضعية يتطابق فيها هذا مع تلك.
ويمكن الاستباق والتأكيد أنّه لو صدع رئيس الجمهورية مستقبلا بموقف مغاير نسبيا أو جذريا لما تضمّنه بيان وزارة الخارجية حول العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، فإنّ السؤال لا ينبغي أن يكون حول تمايز موقف الرئاسة عن الخارجية، وإنّما حول أسباب تغيّر الموقف التونسي من العدوان والحرب الشاملة وفق وصفي والتصعيد العسكري والاستهداف حسب الموقف التونسي.
تُغْلِق النقاط الواردة أعلاه كلّ بوّابات ومداخل المغالطات التي غدت مألوفة في الخطابين السياسي والإعلامي السائدين منذ 25 جويلية 2021. فبعد خطاب توزيع المسؤوليات بين مكوّنات السلطة غير المتجانسة إلى درجة العجز عن المحاسبة سياسيا وإعلاميا قبل الإجراءات الاستثانية، أصبحنا أمام خطاب الفصل بين رئاسة الجمهورية والمؤسسات التنفيذية لتحميل الثانية كلّ الأعباء، وإعفاء راسم السياسات على وجه الحقيقة من تحمّل مسؤولية الخيارات.

عدوان أم تصعيد عسكري؟

في الثامن والعشرين من فيفري الفارط أغارت القوات المسلحة للولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها قوات الكيان الصهيوني على عدّة مناطق من إيران أهمها مكان اجتماع قيادات الصف الأوّل على رأسهم مرشد الثورة على خامنئي. بين الولايات المتحدة وطهران 12 ألف كيلومتر، وبين ذات العاصمة المستهدفة وتل أبيب حوالي 2500 كيلومتر.
“علّمنا” الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط أنّه لكي يكون فعلك أخلاقيا عليك بتعميمه. وعلى هذا الأساس فحتى يكون فعلهما أخلاقيا ينبغي أن نُجيز ضرب أيّ دولة لدولة أخرى مهما تباعدت المسافات بينها فقط لأنّ هذه الدولة ترى في تلك الدولة خطرا وجوديا عليها. وبذلك لا نضرب صفحا على المقولة الكانطية فقط بل على القانون الدولي والتعايش السلمي والأعراف والمبادئ الكونية والمقولات الدينية. فكلّ المعايير الممكنة الفلسفية والقانونية والمنظماتية والدينية تجعل من ذلك الفعل عدوانا ونحن نراه رسميّا “تصعيدا عسكريا خطيرا”.
ما الذي جعل السلطات التونسية تنحى نحو هذا التوصيف مُعْرِضةً عن تسمية الأشياء بمسمياتها سواء الحدث أو المعتدي أو المعتدى عليه؟ وتتأكد مشروعية السؤال عندما نستحضر مواقف سابقة لراسم السياسات الخارجية التونسية في علاقة بالكيان الصهيوني بما هو سبب التآمر إلى درجة أنّه “إذا تخاصمت سمكتان في البحر فابحث عن الصهيونية” وصولا إلى طريقة تسمية الأعاصير، دون أن نغفل عن الدعوات إلى الوعي بأنّ الإنسانية في حاجة إلى تجاوز هذا النظام العالمي نحو نظام إنساني وعادل.

فضائل الرجوع إلى الوراء

في أحيان كثيرة يكون السؤال أهم من الجواب، ورغم ذلك يمكننا الاكتفاء بمدخل واحد للإجابة. فقبل العدوان على إيران كانت المواقف الرسمية التونسية منطلقة من التفكير على أرضية المبادئ المطلقة والمجرّدة والآمال في نحت نظام عالمي يتساوى فيه القوي مع الضعيف من حيث الحقوق. لكن ما حدث في الثامن والعشرين من فيفري زلزل تلك الأرضية، فالكلمة الآن للقوة وليس للحق، والخطر لم يعد مفترضا بل هو داهم، وإعادة رسم الخرائط قد يتّسع ويتمدّد ولا يقتصر على المشرق، وقد يكون للمغرب (الإقليم) نصيب.
إنّنا الآن أمام حدث جلل وخطر داهم، من الضروري التعاطي معه وفق منطق الواقعية وحسابات دفع المضار المحتملة حتى وإن كانت بعيدة وليس وفق “ترف” المبادئ والآمال. فالسياسة في جوهرها قراءة للموازين من أجل الحفاظ عليها أو تغييرها. وعند الخطر المحتمل أو الداهم يمكن التراجع خطوة أو خطوات. فالمتغيّرات تجعل من الضروري التخلّي عن الخطاب السيادوي والتحلّي بالواقعية حمايةً للمصالح، وربّما أكثر من ذلك.
لا معنى في مثل هذا الوضع لمقولة لا رجوع إلى الوراء. فعندما يكون المرء على شفا جرف فهو مدعوٌّ للتراجع. وعندما يكون الأمر من مشمولات جهات متداخلة التخصصات زمن الحرب فإنّ الرأي التقني المتخصّص تكون له الغلبة. وفي زمن الحرب فإنّ تقدير الموقف يكون لأهل الاختصاص العالمين بحقيقة الأوضاع، أمّا راسم السياسات فله الحسم بما يخدم الصالح العام. هنا نقطة التحوّل الأساسية التي جعلت من العدوان تصعيدا، وأوْلت الأهمية للدول الخليجية المستهدفة وفق بيان الخارجية التونسية.
ليس المهم في هذا الوضع إطلاق الأحكام المعيارية على مضمون البيان التونسي حول الحرب الخليجية الشاملة أو العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران، وإنّما المهم هو الوعي بأنّ للخطاب السيادوي متطلّبات واستحقاقات نفتقر لها، وأنّ الرجوع إلى الوراء ليس عيبا أو شرّا في عالم السياسة، خاصة إذا كان هذا التراجع من أجل الحفاظ على المصالح فضلا عن الوجود. فهل تكون هذه اللحظة الفارقة فرصة لمراجعة مقولات أخرى ذات علاقة برفض الرجوع إلى الوراء؟ وذلك من أجل تونس لكلّ أبنائها وبكلّ أبنائها.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *