محمد بشير ساسي
للمرة الثانية في أقلّ من عام تشتعلُ الجبهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة ثانية..
لكن يبدو أن التصعيد الأمني الحالي في الشرق الأوسط لا يمكن قراءته مجرّد جولة نزاع عسكري عابرة ضمن سلسلة الاشتباكات التقليدية التي اعتادت عليها المنطقة، بل يتوجّبُ التعامل معها بوصفها ضربة موجعة وغير مسبوقة لمعادلات الأمن والطاقة والتجارة وحركة الملاحة الجوية والشحن البحري والغذاء في منطقة الخليج والعالم بشكل عام.
توسيع المواجهة
فخلال الجولة الأولى من الحرب في جوان 2025، في ما عُرف بــ”حرب الاثني عشر يوما” لم تتوسّع دائرة رد طهران على العدوان الإسرائيلي – الأميركي، مقتصرة على هجوم وحيد على المقر الإقليمي للقيادة المركزية الأميركية بقاعدة “العديد” الجوية في قطر.
وفي الفصل الثاني من المعركة، اختارت إيران وتحديدا إثر تصفية مرشدها الأعلى آية الله علي خامنئي خوضه بشراسة، مطلقةً سلسلة من الاعتداءات استهدفت مواقع ومنشآت عسكرية ومدنية واقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي بالصواريخ والمسّيرات بهدف رفع تكلفة المواجهة على واشنطن وحلفائها وإحداث صدمة للاقتصاد العالمي بما يؤدي إلى وقف الحرب.
وفي الواقع استفزت الضربات الإسرائيلية – الأميركية إيران، في وقت كانت فيه بعض دول الخليج تدفع بقوة نحو احتواء التصعيد بين واشنطن وطهران، بعد أن كثفت جهودها السياسية والدبلوماسية منذ حرب جوان 2025 للحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى مواجهة جديدة، تقوّض أمن الخليج واقتصاداته وأسواق الطاقة العالمية التي تعتمد عليه، حيث بذلت عمان وقطر جهودًا حثيثة ومتواصلة في محاولة لإبعاد شبح الحرب، واقتربت تلك الخطوات من تحقيق اختراق فعلي نحو اتفاق.
إذ أعلن وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي، بعد انتهاء جولة المفاوضات التي عقدت في جنيف في 26 فيفري، أن إيران وافقت على نقل مخزونها من اليورانيوم المخصّب، وعلى رقابة صارمة على منشآتها النووية، بما فيها رقابة أميركية، مؤكدًا أن المفاوضات حققت “تقدمًا مهمًّا وغير مسبوق، يمكن أن يشكّل الركيزة الأساسية للاتفاق المنشود. لكنّ الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين استخدمتا المفاوضات أداةَ خداع وتضليل لاستكمال استعداداتهما لضرب إيران، لم تسمحا لهذا التقدم الذي سُجل في جنيف بعرقلة خططهما للهجوم على إيران.
وبالفعل، بعد ساعات قليلة من أجواء التفاؤل التي أشاعتها تصريحات الوزير العماني باحتمال التوصل إلى اتفاق، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما على إيران، مستغلتين معلومات استخباراتية عن اجتماع يعقده المرشد صباح السبت 28 فيفري 2026 مع مجموعة من كبار مساعديه الأمنيين والعسكريين، لتوجيه ضربة تشل النظام الإيراني وتدفعه إلى التجاوب مع الشروط والمطالب الأميركية أو حتى الانهيار.
وسرعان ما وقع ما كانت دول الخليج تخشاه؛ إذ وجدت نفسها في قلب المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، حينما بدأت هذه الأخيرة بتنفيذ تهديداتها بأن الحرب ستشمل المنطقة كلها، إذا ما هوجمت واستهدفت قيادتها. لقد كان واضحًا لدى الجميع أن شن إسرائيل والولايات المتحدة حربًا على إيران يمكن أن يقود إلى إشعال المنطقة.
رفع التكاليف
الواضح أن الذين وضعوا خطة هذه الحرب، لم يتوقعوا طبيعة الرد الإيراني وحجمه، ولا أخذوا في الاعتبار احتمالات توسع نطاق الحرب عن مسرحها الإيراني، كما أن هناك إجماع بين العديد من المراقبين على أن الإيرانيين ومنذ ما قبل اندلاع النيران، قرّروا مواجهة الحرب بروح “الظهر إلى الحائط”، بمعنى التصرف على أساس أن هذه حرب تتعلق بوجود الأمة الإيرانية، وليس الجمهورية الإسلامية وحسب، وأن سبيلهم الوحيد للنجاة هو رفع تكاليف الحرب على الأميركيين والإسرائيليين، وعلى العالم أجمع.
أعطى هذا الانطباع بأن طهران تعمّدت توسيع نطاق المواجهة وفق مقاربة تقوم على تلازم أمنها مع أمن دول الخليج، بمعنى أنها تتعامل مع استقرار المنطقة بوصفه معادلة مترابطة لا يتحقق فيها الاستقرار لأي طرف بمعزل عن الآخر، وبما يرفع تكلفة الحرب على الجميع؛ نظرًا إلى أن دول الخليج تمثّل ركيزة أساسية في معادلة الطاقة العالمية، وهي التي تتصدر إنتاج النفط والغاز عالميًا.
ففي عام 2025، تجاوز إنتاج دول مجلس التعاون مجتمعة من
النفط الخام 17 مليون برميل يوميًا، ما يعادل 17% من إجمالي الإنتاج العالمي، وتصل احتياطياتها إلى نحو 511.9 مليار برميل، أي ما نسبته 32.6% من الاحتياطي العالمي.
وقد صدّرت دول المجلس نحو 180.9 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي في العام نفسه، بنسبة 13.1% من إجمالي الصادرات العالمية، وبلغ احتياطها من الغاز نحو 44.195 تريليون متر مكعب، بما يمثّل 21.4% من الاحتياطي العالمي.
وتتعامل إيران مع هذا الثقل الطاقوي الخليجي بوصفه عنصر ضغط استراتيجي على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي، حيث تربط بين استهدافها للوجود الأميركي في دول المجلس وتكلفة أي اضطراب يلحق مضيق هرمز، الذي يمرّ عبره قرابة خمُس إمدادات النفط والغاز العالمية.
وتأمل طهران أن يؤدي ارتفاع فاتورة الطاقة في الولايات المتحدة إلى زيادة الضغوط التضخمية المرتفعة أصلًا، ودفع الرأي العام الأميركي، والكونغرس، إلى معادلة الضغط على الرئيس دونالد ترمب لوقف الحرب، مع اقتراب موعد انطلاق حملة الانتخابات النصفية المقررة في نوفمبر 2026.
ارتدادات النزاع
ليس ثمة شك في أن التفاقم الأبرز للحرب قد بدأ في الظهور على الساحة الاقتصادية، حيث توسعت ارتدادات النزاع العسكري ليصل مداها إلى:
– مضيق هرمز: يمثل هذا الممر المائي أحد أخطر نقاط التوتر في الحرب الدائرة في المنطقة، إذ يشكل شريانا حيويا للتجارة والطاقة العالمية، وهو ما يجعل أي اضطراب فيه قادرا على إحداث صدمة واسعة في الاقتصاد الدولي.
ويمر عبر المضيق نحو 11% من حجم التجارة العالمية، كما يشكّل ركيزة محورية لأمن الطاقة العالمي، إذ يستوعب عبور أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرا، وما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من النفط ومشتقاته، بما يعادل نحو 20 مليون برميل يوميا، إضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، وذلك وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
مع تصاعد العمليات الحربية في المنطقة تحوّل المضيق إلى بؤرة تهديد استراتيجية بعد إغلاقه من قبل إيران وكذلك إطلاق الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحذيرات شديدة بشأن تحركات طهران من إمكانية زرع ألغام بحرية تعرقل الممرات الحيوية.
وإزاء هذا الوضع انخفضت حركة ناقلات النفط بنسبة تصل إلى 80%، واحتجزت نحو 3200 سفينة داخل الخليج ما أدى إلى تعطّل سلاسل التوريد العالمية. ورفعت الأزمة كذلك تكاليف تشغيل صادرات الطاقة الخليجية، بعدما زادت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن العاملة في الخليج خمسة أضعاف.
كما دخل الأمن السلعي والغذائي على خط نار الحرب في المنطقة، فعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلتها دول الخليج، إلى جانب الدول الأخرى المتأثرة بالصراع الحالي، لتعزيز منظوماتها في هذا المجال خلال العقود والسنوات الأخيرة، فإن دول الخليج على وجه الخصوص ما تزال تواجه إشكالية الاعتماد المرتفع على الواردات الغذائية والسلعية.
وشهدت بعض سياسات التوسع في الإنتاج المحلي تراجعا نسبيا بفعل محدودية المواد المائية والاعتبارات البيئية؛ إذ تغطي دول الخليج ما بين 80 % و90 % من احتياجاتها الغذائية عبر الاستيراد، في حين يمرّ نحو 70% من وارداتها الغذائية عبر مضيق هرمز.
وفي المقابل لا تمتلك الموانئ أو المسارات اللوجستية البديلة، البعيدة عن المخاطر التي تهدد حركة الملاحة في المضيق، القدرة الكافية على تعويض أي نقص محتمل في الإمدادت المتربطة بهذا الممر البحري.
بالإضافة إلى ذلك يحذّر تقرير جديد للأمم المتحدة من تداعيات إغلاق مضيق هرمز سيتسبب في رفع أسعار الأسمدة بطريقة قد تفاقم ضغوط المعيشة في الدول الفقيرة بشكل خاص.
واستنادا إلى بيانات الاتحاد الدولي للأسمدة تأتي نحو 45% من صادرات اليوريا العالمية من منشآت تقع في خمس دول (السعودية وقطر والإمارات وإيران والبحرين)، وهي التي تعتمد على مضيق هرمز لتصدير ثلث التجارة العالمية من الأسمدة.
– سوق الطاقة: لا تقتصر التداعيات الحادة على قطاع الطاقة بسبب إغلاق مضيق هرمز فقط، بل انتقلت الحرب في الشرق الأوسط إلى استهداف البنى التحتية للطاقة سواء في إيران من قبل إسرائيل أو في دول الخليج من قبل إيران نفسها.
فقد شهدت المنطقة محاولات ضرب منشآت شركة أرامكو السعودية في “رأس تنورة”، ومنشأة “رأس لفان” للطاقة في قطر، إضافة إلى محطة تخزين الوقود وتوزيعه في “مصّفّح” ومرافق الطاقة في الفجيرة بالإمارات، فضلا عن خزانات وقود وناقلة نفط في ميناء “الدقم” في سلطنة عمان، إلى جانب اعتداءات مماثلة أخرى أسهمت في رفع مستويات القلق الاقتصادي والطاقي في المنطقة والعالم بأسره.
وتتصاعد المخاوف في الأسواق العالمية اليوم من سيناريو إعلان شركات الطاقة في دول الخليج حالة “القوة القاهرة بعد أن اتخذت كل من قطر والكويت والبحرين بالفعل هذه الخطوة وهو ما يهدد بتوقف جزء كبير من إمدادات النفط والغاز العالمية في فترة زمنية قصيرة.
وتأتي هذه الخطوات في وقت تمثل فيه دول الخليج أحد أهم مراكز إنتاج الطاقة في العالم، إذ تشكل نحو 32.7% من الاحتياطي النفطي العالمي، وتنتج مجتمعة قرابة 18 مليون برميل يوميا، أي ما يعادل نحو 19% من الطلب العالمي الذي يناهز 99 مليون برميل يوميا.
وتعد قطر هي ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم بعد الولايات المتحدة، إذ تستحوذ على نحو 20% من تجارة الغاز المسال العالمية، مما يجعل أي اضطراب في صادراتها عاملا مؤثرا في أسواق الطاقة الدولية.
وتشير توقعات الخبراء إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قد تقترب من 120 دولارا للبرميل في الأشهر الستة المقبلة إذا استمرت الأزمة، أما أسعار الغاز الطبيعي فلم تنتظر طويلا حيث شهدت ارتفاعا حادا في أوروبا بنحو 30% وسط صدمة ثانية بعد الأولى التي تعرضت لها عقب اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا عام 2022.
– الطيران : أثرت الحرب في الشرق الأوسط بشدة في قطاع الطيران العالمي لأن المجال الجوي للمنطقة يمثل ممرا عالميا للرحلات بين الشرق والغرب، وتؤكد تقارير خبراء السياحة والطيران أن العديد من الشركات تضطر إلى تغيير مسارات الرحلات، ما يزيد زمن الرحلة وتكاليف التشغيل، وهذه الزيادات تنعكس في النهاية على أسعار التذاكر وتكاليف الشحن الجوي، ما يضغط على المسافرين وسلاسل الإمداد، في حين تشير التقديرات إلى أن التعافي الكامل قد يستغرق نحو عام بعد انتهاء النزاع بسبب الحاجة لاستعادة الثقة بالسفر.
وفي الخليج تدفع شركات الطيران خسائر فادحة تقدّر بحوالي 200 مليون دولار يومياً، ومع مرور كلّ أسبوع من الحرب ستقترب الخسائر من 1.5 مليار دولار أسبوعياً.
وتعتبر شركتا الطيران الإماراتية والقطرية الأكثر تأثرا من بين شركات الطيران الأخرى نظراً إلى ارتفاع إيراداتها، ويعدّ مطار دبي أكثر مطارات العالم ازدحاماً، حيث استقبل 95.2 مليون مسافر سنوياً. فيما سجل مطار الدوحة أكثر من 50 مليون مسافر، أما مطار أبوظبي فقد عبر منه نحو 30 مليون مسافر.
ويعكس إغلاق مطارات الخليج حجم الترابط الحساس بين الجغرافيا السياسية وحركة النقل الجوي العالمية، إذ تحولت منطقة الشرق الأوسط مرة أخرى إلى عنق زجاجة يؤثر مباشرة في سلاسل السفر والتجارة الدولية.
– السياحة: أثرت الحرب في قطاع السياحة في الشرق الأوسط متسببة في خسائر تبلغ نحو 600 مليون دولار يوميا وفق تقديرات المجلس العالمي للسياحة والسفر.
فإلغاء الرحلات الجوية، وإغلاق المجال الجوي بدول عدة في المنطقة، والمخاوف المتزايدة لدى من كانوا يخططون للسفر إليها، ألحقت أضرارا كبيرة بقطاع السياحة في وقت كانت تقديرات المجلس العالمي للسياحة والسفر، قبل النزاع العسكري تشير إلى أن السياح سوف ينفقون نحو 207 ملايير دولار في الشرق الأوسط عام 2026.
ويتوقع بعض الخبراء عودة نشاط السياحة والسفر للعمل بمستويات جيدة بعد أن تنتهي الحرب، وذلك للموقع الاستراتيجي للشرق الأوسط بين أوروبا وآسيا، لكن السياح الذين يبحثون عن الترفيه قد يتحولون إلى مناطق أخرى.
أمام هذه التحديات المتسارعة، تفرض الضرورة الجيوسياسية إلى استخلاص الدروس وإعادة النظر في عدد من الأجندات الاقتصادية القائمة في منطقة الشرق الأوسط والعالم؛ إذ إن تعزيز “المنعة” الاقتصادية في مواجهة الصدمات الأمنية قد يغدو أولوية تتقدم على أجندات التنويع الاقتصادي التي شكلت خلال العقود الأخيرة الموجّه الرئيس لسياسات دول المنطقة المصدرة للطاقة.
وقد تبدو أيضا بعض القطاعات التي عوّلت عليها سياسات التنويع، مثل القطاع السياحي وأنماط الرفاه الاقتصادي، فضلا عن قدرة اقتصادات المنطقة على توفير الحوافز الجاذبة للاستثمارات النوعية، أقل صلابة مما كان يُعتقد لتحقيق الأهداف الاقتصادية المنشودة، ولا سيما إذا استقرت الأوضاع الجيوسياسية والأمنية عند مستويات أعلى من عدم اليقين في ضوء أيّ تفاهمات محتملة أو واقع جديد قد تفرضه نهاية هذا الصراع المسلح الذي يربك الاقتصاد العالمي يوما بعد يوم ويهدد بعودة شبح أزمات السبعينيات أو فترة جائحة كورونا أو حتى تبعات الحرب الروسية على أوكرانيا.


أضف تعليقا