صابر بن عامر
بعيدا عن المقارنات، حلّق مسلسل “المطبعة” لمهدي هميلي في أولى تجاربه الإخراجية للدراما التونسية (من تأليفه أيضا) عاليا في سماء الإبداع والإمتاع، ملامسا النجوم، فكرةً وطرحا وكاستينغ، بإخراج سينمائي صرف، لو تسنّى له دخول أعرق المسابقات السينمائية الدولية، لفاز بأرفع جوائزها.
لكنّنا هنا بصدد الحديث عن مسلسل درامي، لا فيلم روائي بصنفيه القصير والطويل، ولو أنّ حلقته العاشرة والأخيرة التي عُرضت، أمس الثلاثاء 10 مارس، على الوطنية الأولى (عمومية) أتت في شكل فيلم سينمائي روائي طويل، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الدراما التونسية.
أهم الأخبار الآن:
حلقة تاريخية
ساعة و45 دقيقة، زمن الحلقة الأخيرة، ما مثّل رقما قياسيا جديدا في تاريخ التلفزيون التونسي، هي، ودون منازع، أطول الحلقات الختامية التي عرفتها المسلسلات الدرامية التونسية على الإطلاق، كلّ ذلك يحدث على الشاشة الصغيرة دون كلل ولا ملل ولا تأفّف من المُشاهد.
حلقة أتت بمثابة ملحمة درامية حافلة بالتشويق والتوتّر والمفاجآت، أين كشفت الأحداث الأخيرة مصير الشخصيات التي رافقت المُشاهدين طوال حلقات المسلسل العشر.
مواجهات حاسمة ومليئة بالاعترافات والصدمات التي جعلت الجمهور مشدودا أمام الشاشة حتى اللحظات الأخيرة.
إبهار وانتظار واستنفار يعكس ثقة كبيرة في قوة السيناريو، أولا، وجمالية الإخراج ثانيا، وانتقائية الكاستينغ ثالثا..
“المطبعة” بشّر بهمّ حداثي يتّسق ومعيشنا اليومي المُعاصر، دون بكاء ونحيب وعويل مُبالغ فيه على ابن ضال أو ابنة ضائعة أو حبيب خائن أو زوج مقتول.. وغيرها من “الكلاشيهات” المترديّة والمكرّرة حدّ الملل لأجل استدرار دموع المُشاهد واستدراج تعاطفه “النفعي” على نسب المُتابعة دون جدّة ولا تجديد.
همّ الموجود والمنشود
“المطبعة” عكس همّا وجوديا يعيشه إنسان الألفية الثالثة، وعاشه قبله كلّ فنان عضوي حقّ -وفق منظور غرامشي- منذ عصر الأنوار وحتّى زمن الانحدار القيمي والجمالي الذي بات يفتك بإنسان القرن الحادي والعشرين، ليس في تونس فقط، بل وفي كلّ رقعة من هذه الأرض.
فأن تكون مختلفا في زمن الإنسان المُعولب والمُسلعن، يعني أنّك خارج عن سرب منظومة الإنتاج التي لا تُبقي ولا تذر، ونتيجته الحتمية الإقصاء والتهميش، بل وأن تكون منبوذا وملعونا من أقرب المقرّبين إليك، زوجتك وأبنائك، كما هو حال الرسام “نجيب الماجري” الذي جسّد دوره بإتقان يُشبه السحر يونس الفارحي مع زوجته المريضة بالزهايمر “نزيهة” والذي جسّدته بوجع باذخ الصدق سوسن معالج في واحد من أهم أدوارها الدرامية، وكذلك مع ابنته “يامنة” (نور الدعاسي) وابنه “حيدر” (يونس نوار)، رغم كلّ ما كابده من مخاطر من أجل أن تظلّ عائلته متّحدة.
طرح اجتماعي غير كلاسيكي
العمل قدّم هذا وأكثر، عبر طرح اجتماعي غير كلاسيكي، يخوض في اكراهات الرهانات الرياضية على الفرد والعائلة ومن ثمة المجتمع، وحدود الفنان، وخاصة جموحه في ظل غياب حقوقه المعنوية قبل المادية في مجتمع لا يرى فيه إلّا أداة للتسلية لا غير، فيختار الطريق الخطأ -تزوير العملة-تحقيقا لاعتراف ولو كاذب بتفوقّه وتفرّده.
العمل طرح بشكل مختلف نموذجا من الشرطيّ الفاسد و”السايكو” المتلذّذ بعذابات الناس ليُخفي ألمه الدفين في فراق والدته التي لم يتقبّل رحيلها عن دنياه، فاحتفظ بجثتها في بيته حدّ التحلّل، في مشهد صادم لا يأتيه إلّا مخرج متمكنّ من آلياته اسمه مهدي هميلي.
مخرج تطرّق وللمرّة الأولى في تاريخ الدراما التونسية إلى مرض متفشّي استعصى على أعتى العلماء والأطباء، اسمه الزهايمر، فقدّمته سوسن معالج بحرفية عالية، جعلت المُشاهد يبكيها حينا ويرثي حال عائلتها ووجعهم فيها دائما..
معاناة المريض الصامتة والعاجز حتى عن فهم مرضه، فينسى كلّ تفاصيل حياته البسيطة، ينسى تاريخه، بيته إن غادره، أبنائه إن غابوا عنه ولو قليلا، بل وينسى حتى طريقة الأكل، وجع لا يعرفه إلّا العائلات المنكوبة في عزيز عليها بألم مكتوم.
ثنائيات تمثيلية مُبهرة
“المطبعة” في كلّ هذا قدّم ثنائيات تمثيلية ندر مشاهدتها في الدراما التلفزيونية كالتي جمعت بين يونس الفارحي وسوسن معالج، وأيضا بين يونس الفارحي وملكة عويج هذا الاكتشاف المُبهر الذي يُحسب لمهدي هميلي في انتقائه لكاستينغ ناجح بصفر من الأخطاء.
وأيضا ذاك الديو المُبهر الذي جمع بين نور الدعاسي وسليم بكار في دور “إسحاق”، وبين عبدالحميد بوشناق الممثل هذه المرة بعيدا عن الإخراج في مغامرة محفوفة بالمخاطر، تمكنّ من النجاح فيها في انسجام رائع مع مساعده الشرطي “كمال” الذي جسّده بلال سلاطنية، وأيضا في الثنائي الذي جمع بوشناق نفسه بمرام بن عزيزة التي ما انفكّت تُثبت في كلّ دور جديد أنها ممثلة قادرة على تغيير لونها بسلاسة ودون غوغاء.
كاستينيغ “المطبعة” وطروحاته ومشاهده الإخراجية الموغلة في “جمالية القبح” بمعناه الإستيتيقي الخالص، لم يمرّ، ولن يمرّ مرور الكرام، حيث سيظلّ حديث الشارع التونسي والنقاد لما تبقى من شهر رمضان وبعده، بما أتاه العمل من إرباك في الذائقة تجعلنا نفكّر، ونتدبّر في أصل “الفرجة الدرامية” وغايتها وانعكاستها على الأنا والآخر.. فما لا يُطبع في ذاكرة المُشاهد أشبه بالزهايمر الذي ينخر العقول قبل أعينهم التي عوّدوها بدراما الاستهلاك الحيني غير المعمّر في الأرض.


أضف تعليقا