فوزي الصدقاوي
أهم الأخبار الآن:
يتوقف عزمي بشارة عند طبيعة السلطة السيادية وامتيازاتها ومعنى السيادة كما طوّرها الغرب وطوّر علاقتها بالمسيحيّة الغربيّة. على نحو ما طرحها كارل سميث في تنظيراته ضمن كتابه “اللاهوت السياسي” الذي صدر في طبعته الأولى سنة 1922 وفي طبعته الثانية منقحة سنة 1934. ولعلّ أهميّة الفكر السياسي لكارل شميث Carl Schmitt) 1888 – 1986) أنّه يحتلّ في مجال العلوم السياسية -في رأي عزمي بشارة- الأهميّة نفسها التي حظيت بها نشأة السياسة مع ميكيافيلي، وذلك لكون السياسة صيغتْ مع كارل سميث في صورة واضحة وبسيطة بحيث تبدو كما لو أنّها معادلات رياضية وقواعد مجردة من دون أيديولوجيا ومن دون قيم، مستخلصة من استقراءاته حول الدولة والسيادة وقضايا أخرى كثيرة.
وحيث أن جوهر الظواهر لا يتجلّى -حسب سميث- إلا في الحالات المتطرفة لتلك الظواهر. فإنّ جوهر الظاهرة السياسية التي يُعبّر عنه منطق الدولة لديه، يَـظهر في الحدّ الأقصى في صورة الحرب أو عند إعلان الطوارئ، تماما مثلما يظهر جوهر الإنسان عند الشدائد.. أوعند الغضب. فيما يعتبر عزمي بشارة أنّ التشخيص الواقعي والوضعي لطبيعة الظواهر الاجتماعيّة، يكون في الحالة “العاديّة” ويستكنه “جوهرها” في استمراريّتها في الحياة وفي حياة الناس اليوميّة.
وفي مستوى آخر ينظر كارل شميت إلى الدولة في شموليّتها وديكتاتوريتها، وذلك بناءً على طبيعة تنامي قوّة الدولة واحتكارها للمهام التشريعيّة والتنفيذيّة من جهة، وإلى ما تحظى به من تبجيل، إلى حدّ إسباغها هيبة المقدس بعد مصادرته من الدين. ففي اعتقاد سميث لا يكون للمؤسسات وجود، وعلى وجه الدقة، لا يكون لها وجود فاعل دون إيمان أو لاهوت تبني عليه المؤسسة فكرتها الصلبة وولاء المخلصين إليها. فالحاجة إلى الإيمان/اللاهوت يعود إلى أن جوهر السياسة الحقيقي ينزع إلى التعامل مع الغايات والنهايات القصوى. لذلك فإنّه من دون لاهوت سياسي، لا يمكن للمؤسسات السياسية أن يكون لها وجود.
وبرأي عزمي بشارة، يأتي تأكيد كارل سميث للحاجة إلى العودة إلى دور الدولة، بسبب ما اعتبره تهميشا لسلطة الدولة السياديّة، من الداخل ومن الخارج، في ظلّ العولمة والديمقراطية الليبرالية والمجتمع الاستهلاكي في القرن العشرين، كما بسبب الحالة التي آلت إليها ألمانيا إثر هزيمتها في الحرب العالميّة الأولى، حيث أصبحت تتخبط في مشاكل البطالة وميزان المدفوعات إضافة إلى مشاكل مثل المصالح الحزبيّة والفرديّة والفوضى التي أدت بأوضاع ألمانيا إلى الانحلال، وفي تلك الظروف حاول اليمين في ظلها أن يُـؤسس الدكتاتورية ويُرسي نظام حكم الفرد.
تَـضعُف الدولة برأي كارل سميث، حيث الليبراليّة باقتصادها المعولم، تجعل من الفرديّة نمطا من كيان مجتمعيّ عديم الهويّة، وتجعل من المجتمع منزوع السياسة مع الإصرار في الآن نفسه على أن يتولى المجتمع غير المسيس التحكّم في السياسة. وينظر سميث أيضا إلى المؤسسات الديمقراطية البرلمانيّة على أنّها تقنيات ووسائل في العمل السياسي، لذلك يَــنْـفُر كارل سميث من العقل التقني (الأداتي)، ويحمّل الأنظمة الليبراليّة المسؤوليّة في إفراغ المجتمع من السياسة وإعماره بالسوق والاستهلاك.
ويعتقد كارل سميث أن الليبراليّة هي العدو الذي دمّر المجال السياسي، بتحيده عن المجالات الأخرى. وبذلك يتحوّل السياسي من أصل إلى منظومة فرعيّة، تشتغل بصورة وظيفيّة ضمن عدد من الوظائف الأخرى، فتبددت بذلك القدرة السيادية في دائرة صنع القرار واتخاذه. وتراجع السياسي بفعل النقاشات الديمقراطيّة التي لا تنتهي، والتي تنجز عبر المساومات واصطناع الحلول الوسط وتشكيل لجان التحقيق التي تنتهي إلى عدم اتخاذ القرارات. وقد اعتقد سميث في حينها، أن المَخرج يكمن في أن يُمنح الرئيس هيندنبورغ الذي يَحظى بشرعيّة البطل العسكري في الحرب الكبرى، الحق في أن يفرض حالة الطوارئ ويُلغي الدستور. كان الحقّ في فرض حالة الطوارئ (حالة الاستثناء)، لدى كارل سميث جوهر السيادة، وهي الفكرة التي ستكون أساسا في بناء نظريته (اللاهوت السياسي).
ماهو الجوهر في السلطات السياسية وفي أجهزة الدولة بحسب كارل سميث؟ يعرّف سميث السيادة، بالقول إن (السيادي هو ذاك الذي يقرر حالة الطوارئ)، وبالألمانية تعني (Ausnahmezustand) (حالة الاستثناء)، فسميث يحدد جوهر السلطات السياسية من خلال وظيفتها ليس في كل الأحوال، وإنّما فقط في الحالات القصوى. وهو يرى أن الدستور في بنده 48 يخوّل لرئيس ألمانيا إعلان حالة الطوارئ في حالة وجود خطر داهم أو تهديد محدق بالأمن العام. وعليّه فإنّه بهذا القرار السيادي، يبدو هيكل السياسة منكشفا وتبدو السيادة في القلب منها وجوهرها، ولم يكن مثل هذا الوضوح ليبدو وينجلي، لولا اختبار السلطة السياسية عند وضعها أمام محك الخطر المحدق، (وهي: الطوارئ في الداخل والحرب في الخارج). فبالنسبة إلى سميث، يهدد كيان الدولة ووجودها. حيث تصبح الديمقراطيّة في مثل هذه الوضعيّة، مسألة ثانويّة ما يجعله، يُــنظّر في زمن الأزمة للانقلاب على الديمقراطيّة، لأنّ الحكم، برأيه ليس قوانين ومؤسسات، وإنما يتعلق في الأساس بالناس ومصالحهم.
تؤكد الطوارئ (حالة الاستثناء)، النسبية العمليّة لنجاعة القانون، لذلك تتموقع السياسة فوق القانون، والمجال السياسي من أجل ضمان تماسك الأمّة ونمط حياتهم، والتعبئة ضد عدو خارجي وداخلي، فانّ اللغة والتقاليد لا يكفيان، فالحاكم الذي يقرر الاستثناء يتحوّل إلى قائد يقرر العدو والصديق ويعلن التعبئة عند الطوارئ.
وبرأيّ عزمي بشارة، فإنّ الدولة الشموليّة متى تجلى جوهرها عند الطوارئ، يُعاد إسقاط هذا الجوهر (حالة الاستثناء)، فتصبح حالة الطوارئ حالة يومية ودائمة، مطلوبة للاستقرار، ويصبح سلوك الدولة في “حالة الاستثناء” سلوكا ثابتا ودائما ونهجا شاملا، ولتكون الدولة في حالة السلم كما في حالة الحرب. وتستقر “حالة الاستثناء” كما تستقر القاعدة، التي يتأصّل عليها منطق الدولة الشموليّة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)- د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الدين والتدين، الجـــزء الثاني، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط 1، بيروت، 2015.


أضف تعليقا