فــوزي الصـدقاوي
يتفحّص عزمي بشارة تطوّر الرؤى اللاهوتيّة وأثرها في نشأة الفكر الحرّ، ومحاولات عقلنة المسألة الدينية وتشكّل نمط جديد من التفكير “الحر” مثّل أحد أهمّ ملامح فكر التنوير الذي أسهم في إنضاج أصوله، لاسيما أنّ الاعتقاد السائد بات يرى، مع إحياء نظريّة خداع الكهنة، وأنّ الحقيقة التي يروّجها الكهنة هي غير تلك التي يحتفظون بها لأنفسهم، بل إن الحقيقة مزدوجة فعلا، وقد ساهمت مقاربات لاهوتيي كامبريدج في بلورة رؤى لاهوتيّة على قدر من الانفتاح على مسار البحث العقلاني، زادت النهضة العلمية والفلسفية، في إثارة الأسئلة والتشكيك في الحقيقة الدينيّة ونصوصها المرجعيّة، وفي ما جرى فيها من تعديلات عقائديّة استجابة لرغبة الحكّـام.
لقد نشأ في ظلّ تلك السياقات تيار تأليهي شكّل نهجا في التفكير في شأن الدين ونمطا إيمانيا يقوم على علمنة الأفكار ويدافع عن معقولية الدين وعن إيمانه بالسمات المشتركة لكلّ الديانات. وكان أحد رواد هذا تيار التأليهي في القرن السابع عشر، اللورد هربرت (1583 – 1648)، الذي أرجع في أبحاثه، أسباب ما شهدته أوروبا، من اضطهاد طائفي إلى أن السلطة الدينية، التي كانت أعلى مقاما من سلطة العقل والتجربة، وهذا التيار التأليهي الذي تغذى من الأفلاطونيّة يذهب بالاعتقاد، إلى أنّ الدين إنّما هو جزءٌ من الطبيعة الإنسانية، وهو نزعة إنسانية طبيعية قابلة للتعبير عنها بمقولات إيمانية، بوصفها تعبير عن وحدة العقل والدين، في ظلّ علاقة الله بالعالم.
كان هذا التيار الإيماني الفكري من تأليهيين وربوبيين إنجليز، بمضامينه الفكريّة تلك، قد ساهم في إعادة صوغ مفهوم الله في نطاق التفكير العقلاني بالدين، دون العودة إلى اللاهوت. وهي حالة من العقلنة بدت في سياقها متطرفة. وهي في نظر عزمي بشارة حالة متطرفة للعقلنة فعلا، خاصة أن هذه الأفكار التأليهية نشأت قبل أن يشرع المفكرون الربوبيّون في القرن الثامن عشر في الاعتماد على فكر جون لوك.
لكنّها نجحت في أن تساهم في حمل مجموعة أفراد من المفكرين الأحرار، في بلورة امكانيّة تصوّر دين قبلي يتبنى أفكارا باطنية، أكّدها لاحقا ديكارت في كتابه “مقالة في الطريقة”، قبل أن يعترض عليها جون لوك في كتابه “الفهم الإنساني” بنحو قرن، وقبل أن يبني كانط بعده، مقولاته القبليّة في “نقد العقل المحض”.
لقد شهدت هذه الأفكار عند مفكري التنوير من تأليهيين، انتشارا في ظلّ نشاط الجمعيات السرية التي كانت تتجنّب الملاحقة خوفا من بطش الدولة. وقد أدى نشاط حلقات المفكرين السرية المغلقة إلى نشأة طبقة جديدة من الكهنة (المفكرين)، شكّلت بدايات نشاط الماسونية وباكورة النقاشات حول الأصول، والطقوس الديانة الطبيعية الممكنة في تلك المرحلة المبكرة. وكان جون لوك وإدوارد كلارك على علاقة بالبدايات وليسا بعيدين عن تلك المناقشات.
كانت الجمعيات الماسونية قد تحولت إلى نوادٍ مغلقة لأصحاب الفكر الحر، وتنشط كما الحركات الفكرية في سريّة ضد الإكراه الديني، خوفا من السلطة السياسية وخشية من الكنسية أو الرأي العام، خاصة أن التوراة الذي كان يشكّل لقرون طويلة مفتاحا لفهم التاريخ الدنيوي، ضعف في القرن السادس عشر، اليقين بـ”حقائقه”، وبات “عُــرضة” للتحليل النقدي في القرن السابع عشر، فيما استمرت تلك الجمعيات تبحث لنفسها عن جذور لأفكارها، في فلسفة سقراط وأفلاطون وكوبرنيكوس، ناقدة للاهوت ومعارضةً للخرافة بالعقل، ومدافعة عن حرية التفكير. بحيث سمح هذا الجهد النقدي والفكري لهذا التيار أن يُطوّر إيمانا وطقوسا وأفكارا، تجد مرجعيتها في فكر الفلاسفة القدماء.
استأثر صديق لجون لوك، وهو أنتوني كولينز بامتياز نحت مصطلح «التفكير- الحر» الذي وضعه في 1713، للتعبير عن نمط جديد من التفكير، كان يضع تحت محكّ العقل الحرّ وأحكامه موضوعات البحث، دون أن يتقيّد بالأفكار المسبقة أو التقليديّة أو الدينيّة. ودون أن يعني ذلك أيضا، أنّه تفكيرٌ فوضويٌ، متحللٌ من الالتزامات والواجبات الاجتماعيّة. وكان القرن السابع عشر وما تلاه قد شهد ظهور مفكرين أحرار (penseurs libres)، تطوّر نشاطهم وتجذّرت أفكارهم في ظلّ مناخ فكري ونقدي وفلسفي وديني وجدلي.
لم يكن الفكر الحرّ في أوروبا يحمل المعنى نفسه عبر القرون، فقد تطوّر من خلال تفكير الحركات التأليهية واللاهوت الأفلاطوني، وانتشار نظريّة الفيض الأفلوطيني، وما تفرع منها من أفكار تبحث عن حلول وسط في الدين، أو هي تعمل على نقض المسلمات السائدة فيه. ويلاحظ عزمي بشارة أنّ الفكر الحرّ في أوروبا قبل القرن التاسع عشر، مع أنّه لا يمكن مطابقته على فكرة العلمانية بوصفها أيديولوجيا، فإنّها كانت في نهاية القرن التاسع عشر، تعد نفسها فرعا من أفكار المفكرين الأحرار، وأن كثيرا من استخلاصات تلك التيارات الفكريّة الدينيّة وشبه الدينيّة، كانت مقدمة فكرية دينية لعملية علمنة الوعي، في سياق بحث المقدمات النظرية لنشوء نمط التفكير العلماني.
ازدهرت العلمانيّة الحادة من الأفكار التي وُضعتْ في مواجهة الدين السائد ومؤسساته، حيث ساهمت هذه المواجهة في إضعاف جهاز المناعة المقدس الذي يُحيط بالأفكار الدينية وبالعقائدية، والمدعومة بنُذُر الوعد والوعيد في الحياة وبعد الموت والمحصنة بالمؤسسات الدينية. وكانت الأفكار “الحرّة” قد استباحت الحديث في تابوهات الدين، وجعلت الحديث الذي يُـعتقد أنّه مقصور على الخواص من رجال الدين، متاح لعموم رجال الدين ورجال الفكر والفلسفة ورجال العلم، لتنمو وتتطوّر أفكار نقديّة لدى جيلٍ نشأ في مدارس ومجتمعات دينيّة، لكن منطلقاته في رؤيته للعالم وفي موقفه من الدين مختلفة نوعيا.
غير أن ما وفّرته المدارس والمجتمعات الحديثة في أوروبا، بصورة متدرجة، من هوامش للحريّة، ساهم في إعداد بيئة حاضنة للأفكار العلمانية التي لم يكن منشؤها العلم والفلسفة وحسب بل استنبتتها تلك التيارات الدينيّة الإصلاحية والنقديّة بأنواعها والتي كانت وراء إنتاج الكثير من الأفكار الأدبيّة والنقديّة في المراحل اللاحقة.
ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)- د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الدين والتدين، الجـــزء الثاني، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط 1، بيروت، 2015.


أضف تعليقا