الدولة والتسامح الديني في نظر د.عزمي بشارة

فــوزي الصــدقاوي
ساهمت المرونة التي عرفها المجال الديني في أوروبا في القرن السابع عشر، أن تتخذ الدولة لنفسها دور الحياد، فلم تستعمل القوة لفرض مذهب ديني على آخر، ولا أَمْلَتْ على الناس أمراً في شؤون الإيمان، إنّما ضمِنت حريّة الإيمان للمواطنين. وتسمح مباحث العلمانيّة التي يحفر عزمي بشارة في أصولها، برصد تطوّر فكرة التسامح الديني في أوروبا وكيف تهيّأت البيئة الفكرية الضروريّة ليترسخ التسامح أساسا للتعايش المجتمعي القائم على الفهم العقلي للدين.
لقد حصدت الحروب الدينية التي عرفتها أوروبا بين 1546 إلى 1651، 10% من سكان إنجلترا، و15% من سكان فرنسا و30% من سكان ألمانيا و50% من سكان بوهيميا. قد أدت إلى اتفاقات ومفاهمات وإبرام معاهدات بين الأطراف المتنازعة، بحيث أظهر هذا المخاض الأهميّة الحيويّة للعقد الاجتماعي، وكان منطق الدولة، الذي بدأ في التبلور، وأظهر هيمنتها، قد جعل الاحتماء بالدولة والانتساب إليها يفرض الامتثالية لمؤسسات الدولة. ويحمل المذاهب الدينيّة على التجانس الديني فيما بينها بما يراعي العقد الاجتماعي، وبما يجعل السلم الأهلي أولويّة أساسيّة ومقدمة على أيّ خلاف ديني، لاسيما أنّ الحروب الدينيّة لم تكن ذات دوافع دينيّة وحسب، بل كانت أيضا سياسيّة. فمنطق الدولة التي جاء العقد الاجتماعي بها، كان محَدِدا أساسيا في إرساء بيئة مناسبة لمبادرات التسامح الديني. فقد أكّد ديفيد هيوم أن تسامح الإنجليز والهولنديين ناجم عن تصميم الإدارة المدنية ضد الجهد المتواصل للكهنة والمتعصبين، بما يعني أن التسامح تطور بفضل الدولة وعلى الرغم من مقاومة الكهنة له.
وقد ساعد نشوء التسامح مع تطوير مفهوم الحريّة في القرن التاسع عشر، ونأي الدولة بنفسها عن التدخل عن القرارات المتعلقة بإيمان الناس. على اختبار إمكانية التعايش ضمن الاختلاف، مع الاستمرار عليها لترسيخ التجربة، ما سمح بنقاشات عميقة عن “الضمير المسيحي”، و”الإيمان الفردي الحرّ”، وهو جوهر المسيحيّة عند البروتستانتيّة، وقد كان ذلك أوّل طريق الفكر الليبرالي عند لوك. وربط بعض المؤرخين فكر التسامح بفكر بيكون وبالتطوّر الفلسفي والفكري والثيولوجي وبالنشاط السياسي والفكري وبالعلاقة بجمعيات الماسونيين الأحرار. لكن ظلت أفكار لوك مهيمنة على النقاش الدائر عن الدين في إنجلترا في فترة صدور كتابه عن الفهم الإنساني (1689) وبين العقد الأخير من القرن السابع عشر وخلال القرن الثامن عشر، حيث ظهر بالتدريج التنوير الإنجليزي المحافظ والمعتدل.
كما تبلور التنوير أيضا خلال النقاشات اللاهوتيّة في أوساط رجال الدين والثيولوجيين وبصورة خاصة مع لوك نفسه. وفي جامعات مثل كامبريدج وأكسفورد، كانت تلك نفسها مؤسسات لاهوتية في الواقع. ولاحقا تطوّر نقاش بين المفكرين الأحرار ورجال الدين من مثل إدوارد غيبون وتأثير كتابه: صعود الإمبراطوية الرومانية وأفولها، وكتاب وليام ووربيرتون William Warburton (1698 – 1779) الذي فهم وأتباعه المثقفين، هذا التسامح على أنّه تحالف بين الدولة والكنيسة. لكن جوزيف بريستلي Joseph Priestly) (1733– 1804))، وهو لاهوتي ولغوي وعالم الكيمياء يعتبر أن التحالف بين الدولة والكنيسة سيصبح مع تطوّر المجتمعات والحكومات أقل تأثيرا بالنظر إلى أهميّة الدافع الديني لدى المشرعين وأثره في العمليّة التشريعيّة، إضافة إلى أنّ كتابات بريستلي الفلسفية والتنويريّة التي ردّت هذا التسامح إلى العلاقة المتينة المتطوّرة بين العلم والدين المسيحي وبالتالي بين التقدم وفكرة الخلاص.
كانت الجامعة التي شرعت بين عامي 1690 و1750 في التخلي عن مناهجها القديمة لصالح فلسفتي بيكون ولوك التجربية الحسية. ومع دخول عقلانية ديكارت إلى الجامعة الإنجليزية، قد ساعد برأي عزمي بشارة، على أن تتحوّل فلسفة نيوتن الطبيعية ومنهج جون لوك الحسي التجريبي إلى محرّكات للفلسفة الحديثة في إنجلترا. فقد أدى اكتساح العلم لمجال بعد مجال إلى علمنة العقل الإنجليزي في القرن الثامن عشر، وتحويل الدين إلى موضوع للتفكير النظري، ومساعد على تحييد الدولة عن الشأن الديني، والخلاف بين المذاهب البروتستانتيّة، بصورة باتت فيها العلمنة عمليّة واعيّة بذاتها، وتتطوّر لتصبح أيديولوجيا القرن التاسع عشر.
يرى عزمي بشارة أن التنوير الإنجليزي نشأ وتبلور من خلال نقاشات لاهوتية في أوساط رجال الدين والثيولوجيين (Divines) بدءا بلوك نفسه، وفي جامعات مثل كامبريدج وأكسفورد، كانت هي نفسها مؤسسات لاهوتية في الواقع. ولاحقا سيتطوّر النقاش بين المفكرين الأحرار ورجال الدين، لتنشط بأثره عمليّة العلمنة التدرّجية داخل العقيدة الدينية بداية بتعديل المتطلبات اللازمة للعقيدة والتقليل من عدد مقولاتها للاعتراف بالإنسان المتديّن كي يُعتبر مسيحيّا. وأن ما يصلح مدخلا للتسامح الديني عند لوك لا يتحقٍق يقينا إلا برفض التفسير الكنسي للخطيئة الأولى لأن الخطيئة التي اقترفها شخص لا تظل تنتقل جسديا من جيل إلى جيل. لذلك فإنّ هذه المرونة تترك الباب مشرعا للاجابة عن الأسئلة الجديدة. وما هو مقبول تعطيله من الواجبات الدينية، أو التقليل من عدده. وهو يجعل التقدم الريبي المستمر، دون أن يقول بالتخلي عن مقولات إيمانية أخرى.
رَفض لوك تدخل الدولة في حسم الخلافات الدينيّة والمذهبيّة، وذلك لاختلاف طبيعة أهداف الدولة من جهة وأهداف الكنيسة من الجهة الثانيّة، فالدولة تهدف إلى المحافظة على المصالح الدنيويّة للناس لكونها معنيّة بالاتحاد الإنساني، بينما الكنيسة تسهر على تنميّة رابطة الناس المشتركين في الإيمان والعبادات. ولا يفصل فلوك بين الكنيسة والدولة، وإنّما يلحّ على رؤية ما بينهما من تمايز في وظيفة كل منهما، والصلاحيّات والحقوق التي تربط الفرد بالدولة من جهة وبالكنيسة من جهة ثانيّة، فالدولة تمنح الفرد حقّوقه الدينيّة وما يتعلق بها من ضمانات، وأمّا مهمّة الكنيسة فمساعدة الناس للتوصل إلى خلاص أرواحهم. لأن خلاص الأرواح ليس من وظائف الدولة، إنّما هي متعهّدة بتطبيق القانون لضمان سلامة الناس وسير مصالحهم، وحفظ حقوقهم وحرياتهم. وكل كنيسة هي مستقيمة وعلى حق في نظر نفسها، وهي مخطئة في نظر الكنائس الأخرى. لذلك فإن إمكان التسامح في رأيّ لوك، يتحقق متى لم تقم الدولة حكما حين يكون الخلاف يتعلق بمسائل إيمانية. كما لا يتعلق بالدولة حسم ما يكون بين الكنائس أو بين المذاهب من خلافات. وهي أيضا لا تدخل بالفرض والمنع في الشؤون الدينيّة لأنّ ذلك يدفع الناس إلى أن يُظهروا من أنفسهم خلاف حقيقتهم، نفاقا ودفعا لما قد ينالهم من عقاب. أمّا إذا وجب تدخّلها فإنّما يكون ذلك لأسباب سياسية. فالتسامح، بهذا الاعتبار ووفق عزمي بشارة لم يكن كسلا فكريّا، وليس لامبالاة أو استخفافا بالإيمان وإنّما هو نتاج قوة إيمانية حقيقية واثقة من نفسها، وهي تستخلص من الدين قوته الأخلاقية والعملية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)- د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الدين والتدين، الجـــزء الثاني، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط 1، بيروت، 2015.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *