يوم هرب الروس من الثورة البلشفية إلى تونس... المُرَابِطَة على أَعتَاب الذَاكرة - أنستازيا شيرينسكي
tunigate post cover
ثقافة

يوم هرب الروس من الثورة البلشفية إلى تونس... المُرَابِطَة على أَعتَاب الذَاكرة - أنستازيا شيرينسكي

كانت أنستازيا شيرينسكس في سن الثامنة، حين شهدت على هروب 6000 ضابط بحرية روسي نحو بنزرت شمال تونس بعد قيام الثورة البولشفية سنة 1917…أنستازيا، خزّان الذاكرة الروسية، والدها باع نياشينه العسكرية فيما عملت أمها في بيوت عساكر فرنسا في بنزرت
2022-01-18 19:54

فوزي الصدقاوي

كانت أنستازيا شيرينسكس في سن الثامنة، شاهدة على هروب حوالي 6000 ضابط بحرية روسي نحو بنزرت على متن 33 بارجة وسفينة حربية روسية على إثر اندلاع الحرب الأهلية بعد قيام الثورة البولشفية سنة 1917 وانتهت بإعدام القيصر نيكولاي الثاني، نيكولاي ألكسندروفيتش رومانوف في جويلية سنة 1918.

حياة السيدة شيرينسكي الطويلة منذ سنة 1920 كانت متوقفة عند مرفإ مدينة بنزرت، شمال تونس، تستدعي مرفئا آخر تاه عنه زمانه وضيّعه الطغاة، وهي التي لم تكن تتقن شيئا طوال عقودها الثمانية، قدر إتقانها التوقّف عند عتبة طفولتها البائسة تتحيّن العودة إلى الوطن وتنتظر بلوغ الديار. فمن أُجبر على اللجوء بعيدا عن وطنه عليه أن يتحصّن بيقين العودة كما تحصّنت أنستازيا شيرينسكي بالعزيمة والصمود.

يوم تخلى الأب عن زيه العسكري

في العام 1924 لم يبق من البحّارة الروس اللاجئين وعيالهم في مدينة بنزرت إلا 700 شخصا، أما والد الطفلة شيرينسكي وبعد أن كان أحد وَجَاهَات المجتمع الروسي فقد تخلى عن زيه العسكري وعن أوسمته ونياشينه العسكرية مكرهاً ليُسجِل اسمه على قائمة طالبي الشغل لتلبية حاجيات عائلته، فيما اضطرت والدتها إلى الخدمة في بيوت كبار العسكريين الفرنسيين ببنزرت.

  لكن تحت وطأة الحاجة إلى عمل، لم يلبث عدد الروس بالمدينة أن تضاءل  مجددا إلى 150 نفرا سنة 1925، وإلى غاية سنة 1992 لم يبق ببنزرت من أولئك البحّارة الروس الستة آلاف الذين احتضنتهم المدينة على مرفئها إلا السيدة أنستازيا شيرينسكي وحدها.

ظلت السيدة شيرينسكي، تحرس ذاكرة الروس اللاجئين، فمنهم من رحل إلى بلدان كثيرة ومنهم من شدّ رحاله إلى السماء. وأقامت هي مرابطة بالمدينة، غير بعيدة عن قبور أعزّائها، فهيّأت لهم المدفن ووضعت الشواهد على قبورهم، وتكفّلت بحفظ ذاكراتهم وظلت على مقربة منهم تُؤنس غربَتهم، وتحفَظ ذِكرَهم وتُقاوم النسيان وغُبن المنفى.

أستاذة الرياضيات

كان المجلس البلدي لمدينة بنزرت قد اتخذ سنة 2006 قرار  تسمية الساحة المقابلة للكنيسة الروسية ببنزرت  باسم ”أنستازيا مانشتاين شيرينسكي ” (Anastasia Manstein-Chirinsky) اعترافا بجميل أستاذة الرياضيات الروسية التي درّست أجيالا من أبناء التونسيين ببنزرت، وكان ذلك أعظم تكريم في حياتها. أما هي فقد كانت أوصت بأن تدفن ببنزرت، فكان لها ما أرادت بعد أن أسلمت روحها صباح يوم الاثنين 21 ديسمبر 2009 وشُيّع جُثمانها في جنازة مهيبة لتُدفن يوم الخميس 24 ديسمبر 2009 بجوار والديها وأحبابها البحارة الروس بمقبرة المسيحيين ببنزرت، بعد أن فُرش قبرها كما أوصت، بتراب جيء به من مسقط رأسها.

اكتفت المرابطة الروسية بالعمل بشغفٍ، فشاركت الناس معاشهم في الضيق والسعة، في السلم والحرب، ودرّست بتفان أجيالا من فقراء المدينة وأغنيائها، فذاع فيهم صيتها وبلغ ذكرها الآفاق، أحب الناس تفانيها وصرامتها وحزمها، فجعلوها إحدى أيقونات المدينة وطيفا جميلا من أحلامهم، أمّا تلاميذها وهم كُثرٌ، ممن صاروا مسؤولين سامين وإطارات عليا ومعلّمين وأساتذة، فقد نظّموا المناسبة في حياتها، تلو المناسبة لتكريمها وفاءً وعرفانا بجميلها وجميل ما زرعته وبثّته من علم في صدورهم. وإلى أن فكك دفء المدينة غربتها، صارت بينهم “بنت البلد” وصارت لها المدينة بلطف المعشر، أرضها ووطنها، ولم يبق في نفسها إلا غربة الذاكرة وما استصحبته من محنة الماضي وأوجاع من قضى من أهلها.

كانت السيدة أنستازيا شيرينسكي ”  ذائعة الصيت بين أهالي المدينة، فالزائر لا يحتاج كبير عناء للوصول إلى الأستاذة إذ يكفي أن يسأل عند مدخل المدينة عن بيتها، ليبلغ مراده. فقد أُشربت العقول والنفوس اسم السيدة شيرينسكي وروحها قبل أن يُنحتا علامة على الجدران.  

وحين انهار الاتحاد السوفياتي سنة 1991 واختفت عن الديار مدن الرعب ومؤسسات الخوف وبدت طريق العودة سالكة إلا من بعض البيروقراطيات الرتيبة السمجة، ومُحِـــيَ اسم السيدة شيرينسكي من حواسيب الحدود في القائمات السوداء للممنوعين من الدخول ورُفع الستار الحديدي عن الأستاذة ذات الـ 85 خريفا، وتلاشى عنها كابوس الذاكرة، وجدت نفسها سنة 1995 في جمهورية روسيا عند المطار يستقبلها جمهور غفير ممن بقي من أهلها ومحبيها وهُرع الصحافيون والمسؤولون الروس لتحيتها مرحّبين بقدومها، وقد رأوا فيها تاريخا ينبعث من جديد.

 وحالما استكملت برنامج الزيارة في روسيا كان الماضي قد طُويت صفحاته  وبقي التاريخ في ذاكرة أنستازيا شيرينسكي لتعود به إلى بنزرت مرابطة من جديد عند قبور أحبابها الذين كانوا يوما هنا، وبين أهلها الذين ما يزالون يملؤون حياتها في المدينة تكريما وتبجيلا. لقد جمعت السيدة شيرينسكي أماكن ذاكرة الروس المتناثرة ومدّت جسورا بين أطرافها، ودوّنت للتاريخ أيامهم العصيبة في كتابها :(La Dernier Escale, Le Siècle D’une Exilée  Russe A Bizerte, )، ووصلت بأوديتها روافد الأزمان المتباعدة، وأصول الأعراق المختلفة  وتحوّلت هي نفسها اليوم إلى حلقة من تاريخ المدينة ومركزا من ذاكرة الروس الجماعية، فجمعت التونسيين بالروس ، جاعلة محنتها عنوان تجربة عَيْشٍ وتَعايُشٍ على بساط من الشراكة الإنسانية.

المحطة الأخيرة

ما تزال أيام السيدة شيرينسكي ومحنة قسم من شعبها عصيّة عن النسيان، فبعد أحد عشر عاما من وفاتها، نظّم المعهد الثانوي فرحات حشاد ببنزرت في العاشر من ديسمبر  2020، يوما احتفاليا إحياءً لذكراها، حضره ممثلون عن السفارة الروسية والملحق الإعلامي للسفارة الروسية بتونس ووكالة ”تاس” الروسية بتونس وممثل عن بلدية بنزرت وهي رئيسة لجنة الثقافة والتربية والعلوم.. كما حضره مديرة المركز الروسي للعلوم والثقافة في تونس وممثلون عن المجتمع المدني و الإعلام الجهوي.

أُجبرت السيّدة شيرينسكي وهي في الثامنة من عمرها وأهلها وآلاف من البحارة الروس على اللجوء إلى بنزرت سنة 1920، في انتظار العودة يوما إلى الديار.

 ولئن طال المقام باللاجئين الروس عند ”المحطة الأخيرة”، فقد طاب لمدينة بنزرت لسنين مقامهم ومقام الأستاذة  وهي التي توقّفت منذ الطفولة الأولى وإلى أن توغّلت بها الشيخوخة، تستدعي وحدها الوطن، منتظرة اللحظة التي يستكمل فيها الكون دورته، حتى إذا استدعتها الديار  من منفاها، شفت روحها من جور الماضي، حين أعاد الكون لها ولصحبها ما يليق من الاعتبار والاعتراف، وبعد تسعة عقود من صمود السيدة شيرينسكي بمفردها على أعتاب الذاكرة، كانت ”المحطة” قد صارت لها وطنا ومستقرا أخيرا.

أنستازيا شيرينسكي#
الثورة البلشفية#
الروس#
بنزرت#
تونس#
روسيا#

عناوين أخرى