تونس رأي

وزارة الشؤون الدينية تصف بعض التونسيين بـ”الخرّاصين”.. لماذا؟

عبدالسلام الزبيدي 
“إنّكم في قول مختلف، يُؤفَك عنه من أفِك، قُتِل الخرّاصون، الذين هم في غمرة ساهون” تلك آيات بيّنات من الذكر الحكيم واردة في سورة الذاريات في حقّ المكذّبين بيوم الدين. وقد تضمّنت السورة عبارة الخرّاصين بمعنى أهل الظنون ممّن لا حجّة لهم، أولئك الخائضون بأقوال ناشئة عن خواطر لا دليل عليها. كما وردت عبارة الخرص في سورة الأنعام بالمعنى نفسه حيث جاء فيها “إن يتّبعون الظن وإنْ هم إلاّ يخرصون”.
تلك هي دلالات العبارة الواردة في بلاغ وزارة الشؤون الدينية الصادر الأربعاء 19 جوان 2024 إثر انتهاء مناسك الحج وحصول تونس ممثّلة في مكتب شؤون الحجيج على جائزة اكتفى البلاغ بوصفها بالرابعة دون أن يكشف عن ماهيتها. وعدم الكشف عن التفاصيل الموضّحة لحقيقة الأمور تقنية اتّصالية غدت راسخة خلال السنوات الأخيرة في تونس.
في توظيف المعجم القرآني
 ومجرّد جولة برقية على بلاغات المؤسسات الرسمية من رئاستيْ الجمهورية والحكومة إلى الوزارت والمنشآت العمومية والهيئات، تجعل المتابع يقف على أنّه في حاجة أكيدة إلى أعمال استقصائية حتّى يتبيّن المقصود. فالتشويش غدا الأصل في الرسالة الاتّصالية، وعلى المختّصين السير في أحد مسْلكيْن، أوّلهما تعديل نظريات الاتّصال لمطابقتها مع الاتّصال الرسمي التونسي، وثانيهما الرضا بدور “المفسّر” و”المبرّر” ضمن سياقات البروباغندا في شكلها الشعبوي.
أن تستعمل وزارة الشؤون الدينية ضمن بلاغ حول تسلّم جائزة عبارات من قبيل “لا تكترث بالخرّاصين” و”الإعراض عن مثبطي العزائم” و”الحملات البائسة”، يعني أنّ هناك مشكلة اتصالية في الظاهر وسياسية في الباطن. فدور الوزارة أن تكترث بما يقال عن أدائها، وأن يتّسع صدرها للنقد حتّى وإن اتّخذ صيغا من المفترض تجنّبها. وأولئك الموصوفون بأنّهم خرّاصون هم تونسيون في نهاية الأمر، والواجب يدعو إلى التوضيح والتفسير وليس استعمال عبارات تنتمي إلى سلّة دلالية سلبية وتحيط بسياقها القرآني معاني الدعاء بالهلاك (قُتل الخرّاصون).
لقد صدر البلاغ عن وزارة تهتمّ بشؤون الدين وفي أيّام لها قدسيّة خاصة وهي تالية زمانيا ومطابقة مكانيا لسياق النهي عن سلوكيات عديدة أدناها الجدال، فما بالك بأقوال من قبيل شبهة الوصم بالكذب والوصف بالبؤس، والحال أنّ المرجع في الخطاب ثنائيّ، أوّلا وطني لا يفرّق بين تونسي أثنى وآخر انتقد، والثاني ديني. ألم يأمر النص القرآني عباده ( ومسؤولية من أدوا مناسك الحج على حساب المجموعة الوطنية أكبر) بأن يقولوا حسنا، وأن يقولوا التي هي أحسن، وأن يدفعوا بالتي هي أحسن، وبألّا يبرّئوا أنفسهم… ولو فصّلنا في الأمر لطال.
وأيّ مقصد من الاستشهاد بآية “الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل”. أكاد لا أصدّق هذا التوظيف للقرآن في بلاغ رسمي إثر انتهاء مناسك الحج.. ما هذا يااااالله؟ أيّ دلالات لضخّ البلاغ لتقنية الاتّهام الضمني بالتآمر؟ وأيّ دلالات للقول بأنّ الوزارة تعمل في صمت من ناحية ومن ناحية أخرى تُدجّج نصّها الفيسبوكي بعبارات الخرّاصين والبؤس وتثبيط العزائم.
النجاح الحقيقي لوزارة الشؤون الدينية
وعودا على الجائزة المحتفى بها، والتي قدّمها البلاغ وكأنّها شهادة على التوفيق في العطاء (وذاك ما نرجوه) واعتراف من الخارج بما أنكره خرّاصو الداخل. ألم يقل البلاغ إنّ هذه “الجائزة تعتبر ثمرة الانشغال بخدمة ضيوف الرحمان والإعراض عن مثبطي العزائم”؟ دون أن ينتبه من صاغ العبارات ومن أذن بالنشر أنّه ردّ على بني الوطن بشهادة الخارج حتى ولو كان شقيقا.
واكتفى البلاغ الوزاري بالإشارة إلى نيل مكتب شؤون الحجاج الجائزة الرابعة بالعظيمة. وتعميما للفائدة، فإنّ هذه الجائزة تحصّلت عليها تونس والجزائر وجزر القمر وهي خاصة “بتحقيق أعلى معيار في إنهاء تأشيرات الحج قبل انتهاء الجدول الزمني” وفق ما أوردته وكالة الأنباء السعودية (واس). وأمّا الجائزة الأولى أو الكبرى، التي نرجو صادقين أن تنالها تونس العام المقبل، والمسماة “لبّيتم” للتميّز في الخدمات المقدّمة لضيوف الرحمان فكانت من نصيب العراق. وعادت الجائزة الثانية إلى تركيا والصين وجنوب إفريقيا، والثالثة كانت من نصيب ماليزيا والأردن وبنين.
لا يسمح المقام بتقديم قراءة متكاملة وعميقة للخطاب الاتّصالي لوزارة الشؤون الدينية، من خلال تحليل التصريحات والصور وتفكيك الخلفيات ووضع الإصبع على السياقات، لكن يمكن القول بكثير من الاطمئنان أنّ هذا الخطاب يتماهى بشكل شبه كلّي مع الخطاب الاتّصالي لرئاسة الجمهورية شكلا ومضمونا.. وهذا نجاح من حقّ من يؤشِّر على البلاغات والصور والمنشورات أن يؤوي إليه ويعتصم به.