ثقافة

وحيد حامد كاتب هادن السلطة لقاء حرية التعبير وتحول إلى “مؤيد شرس” للسيسي

لو كتبت قائمة بأشهر الجمل في تاريخ السينما المصرية، فستجد أنّ أغلبها أعمال من تأليف وحيد حامد، فهو الكاتب الذي يشهد له بالعبقرية وعُمْق نصوصه وبُعدها الاجتماعي والسياسي، ما جعل من أغلب سيناريوهاته خاصة السينمائية منها علامة فنية فارقة.

إبداعات السيناريست المصري الراحل، لا تحجب بالمقابل انتقادات من طيف واسع من الملاحظين والمتابعين للمشهد الفني والسياسي في مصر، بشأن علاقته الوطيدة بالسلطة، خاصة خلال السنوات الأخيرة التي أعقبت سقوط حكم الرئيس الراحل محمد مرسي.

عداء للإسلام السياسي 

علاقة يرى المختلفون معه أنها انعكست على أعماله من خلال الإسقاطات التي تحمّلها وخاصة الموّجهة ضدّ الإسلام السياسي.

لم يُنكر حامد قربه من دوائر النظام الحالي، ولا مواقفه المناهضة للإخوان المسلمين، وكذلك دعواته سنة 2013 المؤيدة للتظاهر وما عُرف بحراك 30 يونيو، وهو ما أكّده لاحقًا في الجزء الثاني من مسلسل “الجماعة” الذي قدّمه سنة 2017، وعكس من خلاله مواقف متحاملة ضد الحركة ومسارها التاريخي، فضلًا عن تشويه أبرز رموزها وشيطنتها، وتحريف كثير من الحقائق التاريخية.

الجدل بشأن مسلسل “الجماعة” يُعدّ بحدّ ذاته تفصيلًا  من بين سيل كثير من التحفظات التي يقابل بها حامد، والتي وصفته “بالرجعية في مهادنته للنظام خلال السنوات العشرين الأخيرة”.

مهادنة أم تقاطع مصالح

في مقال نشره عن مسيرة السيناريست الراحل، يُقرّ الكاتب محمد طلبة رضوان بأنّ حامد اعتمد في مواقفه سياسة المهادنة مع السلطة خلال العشرية التي سبقت ثورة 25 يناير، وهو أمر برّره بأنّ “مصانعة السلطة كان السبيل لصناعة السينما”، وتمرير مواقف نقدية تجاه عديد الظواهر كالفساد وتغول مراكز القوى.

“اختار وحيد أنْ يُسلّم للنظام تصريحاته حتى يأمن مجازاته ويسمح له بالتعبير”، هكذا يعترف طلبة بأن كثيرا من المضامين التي قدّمها حامد لم تكن لترى النور لولا حصولها على ضوء أخضر، وفق اتفاق غير معلن أساسه بحسب المقال، “الالتزام بمعادلة المعارضة المدجّنة وعدم المساس بشخص حسني مبارك باعتباره خطا أحمر”.

لكن إطار العلاقة ما بين وحيد والسلطة لم يقتصر عند حدود هذه المعادلة بحسب المتابعين، ذلك أنّ أعماله خلال فترة التسعينات والعقد الأول من الألفية الجديدة، كشفت عن تقاطع مصالح ومواقف تجاه جماعات الإسلام السياسي، وخاصة منها الإخوان المسلمون والتي كانت طوال تلك المرحلة الخصم الأشرس والأقوى للحكم، في ظلّ ضعف قوى المعارضة المدنية ومحدودية قواعدها الشعبية.

جاءت الصورة السلبية التي عكستْها أعمال حامد عن الإخوان وارتباطهم بالتطرف والإرهاب في أفلام “طيور الظلام” و”عمارة يعقوبيان”، ومن قبله “دم الغزال” موافقا لهوى السلطة، فكانت الشراكة بمثابة تقاطع مصالح استراتيجية مع نظام وجد في نصوصه أداة لضرب الخصوم من التيارات الدينية، في مقابل منحه سقفا أعلى من الحريات حتى يقول ما يحلو له، وبلغ التعاون ذروته سنة 2010 من خلال مسلسل الجماعة، والذي كشفت حلقاته وتفاصيله عن نزعة عدائية وتشويه تاريخي ودرامي متعمّد.

اللعب مع نظام السيسي  

حامد الذي تعوّد على “اللعب مع الكبار”، عرف بحسب ما ينشره كتّاب وصحفيّون مصريّون مستقلّون، بارتباطاته الوطيدة مع الأجهزة والجهات الأمنية، وهي علاقة ترسّخت انطلاقًا من تأييده لانقلاب 30 يونيو ودعمه لترشيح السيسي، ما جعله من ضمن الدائرة المفضلة للنظام داخل الوسط الفنّي.

تحوّل أسلوب حامد بعد دخوله الدائرة الأثيرة، إلى “مؤيد شرس” لا يجد حرجًا في تخوين أي رأي مخالف، حتّى وإنْ كان زميلًا له بحسب مقال الكاتب محمد عبد التواب، والذي علّق على اتّهام حامد للسيناريست المصري بلال فضل بكونه من “الخلايا الإخوانية النائمة”.

لم يجد حامد حرجا في الدفاع عن نظام عبد الفتاح السيسي الذي فتح له بسخاء المجال للتّعبير، في مقابل قمع الآلاف من الأصوات المعارضة.

يطرح عبد التواب تساؤلات في محاولة لفهم تناقضات مواقف حامد، فهو الناصري العتيق الذي لا يفوّت الفرصة للتنديد بالمؤامرات الأمريكية ضد مصر، لكنه يُحجم عن التعليق على العلاقة الوطيدة التي تجمع ترامب “بديكتاتوره المفضل” الذي يكيل له المديح والتعاون المثمر ما بين واشنطن والقاهرة، مرورًا بتل أبيب.

وكان طبيعيّا أنْ تُتوّج العلاقة الجديدة بين نظام السيسي وحامد، باعتباره واجهة فنيّة مشعة، باستكمال مشروع تشويه قوى الإسلام السياسي والإخوان المسلمين عبْر الجزء الثاني من “الجماعة”، والذي جاء مُغلّفا بكمّ هائل من المزاعم والمغالطات، نتيجة اعتماد القصة على الرواية التي طرحها جهاز المخابرات،    والأفكار والقناعات التي حرص وحيد على ترسيخها في وعي المشاهدين، وكان أخطرها ارتباط الإخوان بشكل مستمر بجهات خارجية داعمة لمخططاتهم ومشاريعهم التخريبية، بما فيها الولايات المتحدة.