ثقافة

وحيد حامد آخر المؤسسين لمدرسة الواقعية الجديدة والمبدع الذي قدّم الوجه الآخر لعادل إمام

خلال إطلالته الأخيرة قبل ثلاثة أسابيع، بمناسبة تكريمه بجائزة ” إنجاز العمر الفني”، بمهرجان القاهرة السينمائي ظهر السيناريست الراحل وحيد حامد متكئًا على عكاز طبّي، ويتحرك بصعوبة بالغة لكنه أصرّ برغم آلامه ومشاكله الصحية على حضور الندوة الحوارية التي انعقدت بمناسبة الحدث، مع النقاد وصناع السينما وجمهورها.

لعله الإحساس الضمني بكونه اللقاء الأخير له مع الجمهور، الذي دفع حامد لتحمّل أوجاعه طوال ما يزيد عن أربع ساعات من الحوار المفتوح، كشف خلاله عن أسرار خاصة من تجربته الذاتية، ومسيرته التي تنوّعت محطاتها بين الكتابة الدرامية والسنيمائية.

واقعية بإيقاع سياسي واجتماعي

كانت لحظة عاطفية لم يستطع خلالها كثيرون أنْ يغالبوا دموعهم، عندما استحضر حامد بعضًا من رفاق الدرب الراحلين، على غرار النجم الأسمر أحمد زكي والساحر محمود عبد العزيز والفارس محمود ياسين، والمخرج الراحل رأفت الميهي، متمنيًا لو أنهم كانوا شاهدين على التكريم الأجمل في مسيرته.

برحيل وحيد حامد يفقد الفن السابع واحدًا من آخر حبات عنقود جيل “الواقعية الجديدة”، التي مثّلت مدرسة رائدة في تاريخ السينما المصرية منذ السبعينات والثمانينات.

يعدّ حامد امتدادًا لمدرسة فنية أعادت تشكيل هوية السينما المصرية، بعد مرحلة أفلام المقاولات التي أغرقت الساحة بكم رهيب من الرداءة والأعمال التجارية الرخيصة.

جاء وحيد حامد ضمن جيل بشّر بسينما مختلفة، تطرح هموم المجتمع وتسلّط الضوء على حكاياته وهمومه وتفاصيله البسيطة، وكان من أبرز أسمائه عاطف الطيب وخيري بشارة، اللذان قدّما أعمالا عكست واقع الطبقات المسحوقة في مصر، في خضمّ التحولات الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن سياسة الانفتاح التي أرساها السادات منذ أواسط السبعينات.

تنوّعت مقاربة وحيد حامد السينمائية على مستوى رؤيته للواقعية، خلافًا لتجارب أسماء أخرى تركت بصمتها في هذا المجال، فبينما كرّس محمد خان اهتمامه بالإنسان ومشاعره في مختلف حالاته على سبيل المثال، عالج وحيد حامد قضايا سياسية واجتماعية مرتبطة بمراحل معينة من التاريخ المصري الحديث.

فعبْر أفلام “طيور الظلام” و”عمارة يعقوبيان” و”دم الغزال”، حاول حامد تفكيك ظاهرة التطرّف والإرهاب، وارتباطها بعوامل اجتماعية وفكرية وثقافية تساهم في تغذيتها وانتشارها.

تناول حامد علاقة السلطة والتيارات الدينية السياسية في مصر منذ حقبة التسعينات، والتي تراوحت ما بين التحالف إلى حدود الصراع والمواجهة بحسب المتغيرات التي تمليها الأوضاع الداخلية وحسابات السياسة.

لم يكن موضوع التطرف الديني والإرهاب المادة المفضّلة لحامد برغم الانتقادات التي وجّهت إليه في هذا الصدد، حيث اعترف خلال حضوره الأخير عند تكريمه بمهرجان القاهرة، أنّ فيلم “سوق المتعة” الذي قدّمه صحبة الراحل محمود عبد العزيز يعتبر الأقرب إلى قلبه، والأفضل بين أعماله ذات النزعة الواقعية.

عادل إمام والرقابة الفنية

شكّل وحيد حامد شراكة فنية مميزة مع عادل إمام، تجسّدت في عدد من الأعمال التي نجحت خلالها نصوصه وكاميراته واستطاعت أنْ تقدم الوجه الآخر للزعيم، بعيدًا عن بصمته الكوميدية التي طغت على جانب هام من مسيرته.

فعبْر محطات انطلقت من “الإنسان يعيش مرة واحدة”، مرورًا “بالهلفوت” و”الغول” ثم “الإرهاب والكباب” وكذلك “المنسي” و”اللعب مع الكبار”، سلّط حامد الضوء على نماذج مهمّشة في المجتمع المصري، متعمقًا في واقعها المعيش، كما طرح قضية التطرف وصعود الجماعات الأصولية والتكفيرية خلال التسعينات.

تحدّث حامد أيضا عن مصادفة حوّلت مقالا صحفيًا له إلى فيلم “الإرهاب والكباب” حيث توقّف أثناء إعداده للموضوع وخرج هنيهة في محيط ذلك الفندق الذي تعوّد على الجلوس في رحابه للكتابة، وفيه صادف وصول المنتج عصام شقيق الفنان عادل إمام حيث أخذ يطالع الأسطر التي كتبها حامد في انتظار عودته ليخبره أنّ المشروع الذي بيده يصلح ليكون نواة عمل سينمائي، متمسّكا بعرض الفكرة على “الزعيم” المتحمّس لإنجازها. 

أفشى وحيد حامد خلال آخر حواراته عن سرّ يتعلق بأسلوب تعامله مع الرقابة على المصنّفات الفنية، مبينا أنّه كان دائماً يقوم بإضافة مشهد يعلم مسبّقًا أنّ الرقابة ستطالب بحذفه، ليتّخذه ذريعة لخوض معركة مع إدارة الرقابة، وذلك بهدف التغطية على مشاهد أخرى غالبا ما ينجح في تمريرها تكون ذات إسقاطات سياسية مباشرة.