محمد بشير ساسي
نادرا ما يقدّمُ الشرق الأوسط للعالم أزمات متعدّدة مثلما يحدثُ اليوم، إذ يكشف مسار الأحداث المتسارعة في المنطقة بأنّ ما يميز المرحلة الحالية ليس جدّة التوترات المتراكمة وتعقيداتها الجيوسياسية بل تزامنها وامتداد ارتداداتها على نطاق واسع.
أهم الأخبار الآن:
هشاشة وغليان
لم تعد بُؤر التوتّر منفصلة، بل باتت تتفجّر معا وتتفاعلُ بطرق تضاعفُ المخاطر وتضيّقُ مسارات الحلول والاستقرار.
ويُجمعُ مراقبون على أن المنطقة في حالة “غليان” واضح ليس لأن حربا واحدة تتصاعد، بل لأن نقاط ضغط عديدة تسخنُ في الوقت نفسه ما يرفعُ درجة التوتر في الإقليم بأكمله..
وسط هذا المشهد المركّب ترتسمُ عدّة سيناريوهات لمستقبل المنطقة كما يسردُها تقرير للباحث محمد أيوب نشرته مجلة ناشونال أنتريست الأمريكية، حيث يختبرُ الحَراك الداخلي في إيران وضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قدرة النظام على الصّمود على نحو غير مسبوق؛ وما يزال ملف غزة متشعّبا؛ فيما تواصلُ سوريا صراعها مع التفكك السياسي والتعقيدات الأمنية ؛ وتوسّع إسرائيل ساحة المواجهة نحو لبنان؛ كما تتداخل الحروب الأهلية المعقّدة في اليمن والسودان، وتتصاعد مشاريع الانفصال، وتحتدّ خلافات بين دول متجاورة وتتأزّم أوضاع داخلية في عدّة بلدان أخرى.
ويرى كاتبُ التّقرير أنّ قوى إقليمية وخارجيّة تتخذ مواقف حازمة وأحيانا متناقضة تتقاطعُ سياساتها بشكل متزايد عبر ساحات عدة، غير أنها تبدو عاجزة عن إطفاء الحرائق المشتعلة.
ضمن هذا السياق المتقلّب تطرحُ عدة أسئلة نفسها: كيف أن “الهشاشة الداخلية” التي صنعتها سياسات عربية سهّلت عميات الاختراق والتدخّل وفرض الوصاية على منطقة الشرق الأوسط؟ أيّ دور تلعبه إسرائيل تحديدا في أكثر مناطق العالم تعقيدا أين تتشابك العوامل التاريخية والجيوسياسية بعمق؟ وماهي مآلات مخطّطاتها ومشاريعها؟
إرث ثقيل
لم يكن الشرق الأوسط ساحة ساكنة، بل ظل لعقود طويلة يترنح بين الاحتلالات والنزاعات والانقلابات، وقد رسم بالأقلام الدبلوماسية قبل أن يُصاغ بالدماء على الأرض.
وفي الواقع لا يمكن فصل هذا الإرث الثقيل من “التشرذم” الذي ما يزال يلقي بظلاله على الحاضر عن تراكم متواصل لعدّة أزمات ظلت جاثمة على الإقليم لفترة تمتدّ لأكثر من قرن من الزمن.
تاريخيّا، عُرفت منطقة الشرق الأوسط بكونها حاضنة البشرية، ونسختها الأصلية وموطنا لتنامي حضارات عظيمة، أين تفاعلت الشعوب وتداخلت الثقافات وأنتجت إرثا غنيّا يمتد لآلاف السنين، كما شهدت أعظم الثورات والمقاومة حفاظا على إرثها وتاريخها العريق.
ومع مرور الزمن باتت المنطقة عرضة لمحاولات إعادة رسم خرائطها وفقا لمصالح القوى الكبرى، وتحوّلت منذ نهاية الحرب العالمية الأولى إلى مركز صراعات ونزاعات متواصلة وتحديات متجددة بعدما أُعيد تشكيل حدودها بناءً على اتفاقية “سايكس بيكو” في 1916 والتي لم تضع في الاعتبار النسيج الاجتماعي المتشابك للمنطقة.
وفي العقود الأخيرة، عاد الحديث عن إعادة التشكيل بشكل أكثر وضوحا، لا سيما بعد التحولات البنيوية العميقة العالمية، وبروز إستراتيجيات جديدة تنطلق من قلب العواصم المؤثرة، إذ بات الشرق الأوسط الجديد يُطرح كمشروع لإعادة ترتيب المنطقة، انطلاقا من معايير القوة لا من منطلَقات الشعوب.
مخاض ضروري
ربما تكون اللبنة الأولى لبناء هذا المشروع قد وُضعت منذ إطلاق كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية السابقة تصريحها الشهير
خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006، واصفة الأحداث بأنها “مخاض ضروري لولادة شرق أوسط جديد.
وقد عبّرت هذه الإشارة عن رؤية سياسية ترى في الأزمات الكبرى فرصًا لإعادة تشكيل المشهد الإقليمي، في مقاربة تستند إلى أن التحولات الجذرية غالبا ما تأتي عقب مراحل اضطراب وصراع.
ارتبطت تلك “الطبخة” بخطة “صهيوأمريكية” خرجت أنذاك من الدوائر السياسية الضيّقة، لتتكشّف معالمها بوضوح إلى العلن وتتحوّل إلى مشروع متكامل يعيدُ صياغةَ المنطقة وفق حسابات دقيقة.
تعدّ “الفوضى الخلاقة” واحدةً من أبرز المفاهيم التى استخدمتها الإدارة الأميركية في عهد الرئيس جورج بوش الابن، لتبرير تدخلاتها فى منطقة الشرق الأوسط، وتعد بمثابة رؤيةٍ استراتيجيةٍ لإعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة بما يتماشى مع المصالح الأمريكية.
فوفق المؤرخين ظهر مفهوم الفوضى الخلاقة في أدبيات الجماعات الماسونية القديمة، وساهم الباحث الأمريكي (دان براون) في تقديم إضافاتٍ نظريةٍ له، وظل هذا المفهوم لعقودٍ طويلةٍ من الزمن خلال القرن العشرين مرتبطًا بنظريات الإدارة، بحيث تكون الفوضى داخل المؤسسات أداةً من أدوات النجاح بعد فترةٍ باستخدام معطياتٍ معينة، إذ تقوم الأطروحات الإدارية التي تستخدم مفهوم الفوضى الخلاقة على أنها مرحلةٌ من مراحل التغيير الإداري، التي يمكن أن تمرّ بها أيّ مؤسسةٍ لتشهد مزيدا من التطور والاستقرار في مرحلةٍ لاحقة.
جاءت رؤية الولايات المتحدة الأمريكية لإحداث تحولٍ ديمقراطي ونشر الديمقراطية تعبيرا عن اتجاهٍ اتجاه المحافظين الجدد الذين ذهبوا إلى أنّ غياب الديمقراطية في حضارة الدول يُسهم -بشكل أساسي- في خلق بيئةٍ ملائمةٍ لتنامى ظواهر العنف والتطرف والإرهاب. ومن ثمّ فالقضاء على هذه الظواهر يتوقف في جانبٍ كبيرٍ منه على نشر الديمقراطية وتعزيزها في دول منطقة الشرق الأوسط وتحديدًا الدول العربية.
وقد أكد المحافظون الجدد إيمانهم بمبادئ وسياسات الرئيس الأمريكي الأسبق (ويلسون)، التي تقوم على إستراتيجية الترويج لحق الشعوب في تقرير مصيرها، وبهذا الشأن يقول (نورمان بودهورتز): “إن الولايات المتحدة الأمريكية كانت دائمًا أقل أمنا عندما ضعفت وتراجعت الحرية، وستكون أكثر أمنا عندما تسير الحرية قدمًا”. وبما أن منطقة الشرق الأوسط تعيش أزمة نظمٍ سياسيةٍ، فإن هذه الأزمة ستفضي -من وجهة نظر المحافظين الجدد- إلى السيناريوهات الآتية:
– قيام دولة خلافة إسلامية.
– تقاسم الدول الكبرى السيطرة على الشرق الأوسط.
– قیام نظمٍ سياسية إسلامية متعددة.
– انتشار الفوضى في معظم دول منطقة الشرق الأوسط.
رغم أن “المشروع” كان يوحي بتغييراتٍ إيجابيةٍ بالنسبة للإدارة الأميركية، لكن”الفوضى الخلاقة” الناجمة عن التدخلات العسكرية أو التحولات السياسية، أثارت العديد من الجدل والنقد بسبب العواقب الكارثية المترتبة عن ترويجها، حيث أدت إلى مزيدٍ من التوترات في المنطقة.
خطة ينون
وسط هذه المناخات” كان للمخططات الإسرائيلية دورٌ محوري فى تشكيل وتحليل هذه الإستراتيجيات، إذ تعتبرُ تل أبيب أنّ إعادة تشكيل المنطقة بما يتماشى مع مصالح القوى الكبرى -مثل الولايات المتحدة- يمكن أن يؤدى إلى إضعاف الأنظمة المعادية لها، ما يوفر لها بيئةً أكثر أمنا واستقرارا، وفي العديد من الحالات، شكل دعم تل أبيب لسياسات واشنطن في المنطقة جزءًا من التنسيق الاستراتيجي بين الحليفتين بهدف إضعاف أعدائهما المشتركين. وهذا التنسيق كان يتضمن تعاونا أمنيّا واستخباراتيّا، ودعما ضمنيّا للتدخلات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط.
يتحرّك “التصور الإستراتيجي الإسرائيلي” ضمن ما يُعرف بخطة ينون وهي عبارة عن دراسة للدبلوماسي والباحث والصحفي الإسرائيلي عوديد ينون، والتي نُشرت للمرة الأولى عام 1982 في مجلة “كيفونيم” (اتجاهات) التي تصدرها المنظمة الصهيونية العالمية، واستندت إلى رؤية ثيودور هرتزل وشخصيات بارزة شاركت في تأسيس إسرائيل نهاية الأربعينيات من القرن العشرين، ومنهم الحبر اليهودي فيشمان بوصفها إطارا فكريا لمشروع تفكيك المنطقة.
وأعاد موقع مركز دراسات العولمة الأميركي “غلوبال ريسيرش” نشر الوثيقة بعد ترجمتها إلى الإنجليزية في 7 نوفمبر 2015، حيث دعت صراحة إلى تفتيت الدول المحيطة بإسرائيل إلى كيانات طائفية وعرقية ضعيفة، ما يضمن بقاء وتغول إسرائيل في محيط منقسم.
يرى ينون أن النظام الدولي مطلع الثمانينيات دخل طورا غير مسبوق يفرض صياغة منظور إستراتيجي جديد وآليات تنفيذ مختلفة، ويذهب إلى أن الركائز العقلانية والإنسانية التي قامت عليها الحضارة الغربية تتعرض لانهيار متسارع، لأن الغرب نفسه يتآكل تحت ضغط مزدوج من الاتحاد السوفياتي والعالم الثالث، في سياق يصاحبه صعود نزعات معاداة السامية، وفي هذا الأفق تصبح إسرائيل -حسب قوله- “الملاذ الأخير لليهود.
وفي قراءته للجوار العربي، يزعم أن الفضاء العربي الإسلامي المحيط بإسرائيل تشكَّل تاريخيا عبر تقسيمات فرنسية وبريطانية أنتجت نحو 19 دولة غير متجانسة عرقيا وطائفيا، معتبرا أن بنية الأقليات والأكثريات المتصارعة تجعل هذه الكيانات عرضة للتشظي.
وعلى أساس هذا التصور، فإن تفكك الهياكل القُطرية إلى أقسام عشائرية ومناطقية وأقلوية سيقيد قدرتها على تحدي إسرائيل ويجعلها ضعيفة تابعة.
يمضي ينون في تفكيك مواطن الضعف في العالم العربي، من وجهة نظره، عبر تسليط الضوء على ما يصفها بالهشاشة البنيوية في الكيانات الوطنية والاجتماعية، ليخلص إلى نتيجة مفادها أن المصلحة الإسرائيلية تقتضي الدفع باتجاه تفتيت المنطقة العربية إلى فسيفساء من المكونات الطائفية والعرقية. ويعتبر أن أي صراع داخلي عربي عربي، مهما كان شكله، يمثل مكسبا لإسرائيل على المدى القصير.
ويشدّد الكاتب على أن الهدف العاجل للسياسة الإسرائيلية ينبغي أن ينصبّ على إضعاف القدرات العسكرية للدول العربية المحيطة بشرق إسرائيل، في حين يتمثل الهدف الأبعد مدى في إعادة تشكيل الخريطة الإقليمية عبر نشوء كيانات منفصلة، تُعرّف نفسها على أسس دينية وعرقية متميزة، بما يضمن لإسرائيل تفوقا إستراتيجيا طويل الأمد.
مهمة روحية
ويبرز صدى خطة ينون في سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والتيار اليميني الحاكم معه، ولا تبتعد تصريحاته ومواقف وزراء في حكومته عن أحلام عوديد ينون والنبوءات التوراتية، فقد أعلن في أكثر من مناسبة أنه في “مهمة روحية” لتحقيق مشروع إسرائيل الكبرى.
ولم تكن تلك الخريطة التي عرضها بيبي كما يسميه انصاره في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2024 لم تكن مجرد رسم جغرافي، بل أظهرت رؤية نتنياهو لما وصفه بـ “محور النعمة”، الذي يضم الدول المطبّعة، في مقابل “محور النقمة”، الذي يشمل دول المقاومة.
في العام الماضي أعاد نتنياهو الكرة بتصريح خلال مقابلة مع قناة “آي 24″، قال فيه إنه يشعر بأنه في “مهمة تاريخية وروحية” مرتبطة برؤية “إسرائيل الكبرى”، وعندما سُئل عما إذا كان يرى نفسه في “مهمة نيابة عن الشعب اليهودي”، أجاب بأنه “في مهمة أجيال.
آنذاك فُهم التصريح بأنه لم يكُن زلة لسان أو استفزازا عابرا، بل إفصاحا متعمدا عن مشروع الصهيوني راسخ لدى نتنياهو، وحاضر في الفكر والسياسة الإسرائيلية.
وتعود جذور هذه الفكرة إلى ما هو أعمق من ذلك بكثير؛ إذ تتشابك مع عقائد تأسيسية في الفكر الصهيوني مثل “نظرية الجدار الحديدي” و”عقيدة الأطراف”، وهذه العقائد ليست مجرد أطروحات نظرية، بل هي خُطط عملية جرى تنفيذها على أرض الواقع عبر العقود.
تعود أصول نظرية “الجدار الحديدي” إلى زئيف جابوتنسكي، أحد أبرز منظري الصهيونية في النصف الأول من القرن العشرين. وقد أوضح أن المشروع الصهيوني لا يمكن أن يستمر أو يتطور إلا تحت حماية سلطة مستقلة عن السكان الأصليين تقيم حوله “جدارا حديديا” يمنع العرب من اختراقه. وهذا الجدار ليس بالضرورة ماديا، بل هو سياسي وعسكري يهدف إلى أن يصل العرب إلى قناعة باستحالة إزالة الكيان الصهيوني فيقبلونه كأمر واقع.
وقدم موشيه ديان، أحد أبرز القادة العسكريين “الإسرائيليين”، تفسيرا عمليا للنظرية حين قال إن “إسرائيل”، بحكم وجودها، ستظل محاطة بأعداء سواء في زمن الحرب أو السلام، مما يستوجب تحصينها دائما.
ملف معقد
تغتنمُ تل أبيب اليوم فرص التي هيّئتها الظروف الإقليمية والدولية وتحديدا منذ الربيع العربي مرورا “بطوفان الأقصى” إلى عودة الرئيس ترمب إلى البيت الأبيض في ولاية ثانية -مليئة بالتهديدات والمخاوف- لتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط، والتحرّك بوصفها فاعلا مباشرا في عدة بؤر مشتعلة ومهندسا لمشاريع الابتزاز والتقسيم والتخريب.
– يعدّ الملف الإيراني اليوم من أعقد الملفات على الطاولة الإسرائيلية الأمريكية، واختبارا قاسيا في داخل البلد وفي المنطقة المضطربة بشكل عام، حيث تبدو الأزمة الحالية الأشد منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979.
فقد طوت طهران صفحة عام 2025 وهي مثقلة بعقوبات أمريكية وأوروبية الأكثر تشددا منذ عقود، بالإضافة إلى قصف أميركا 3 منشآت نووية إيرانية وصدام عسكري مع إسرائيل -رغم أنه لم تتحول إلى حرب شاملة- فإن تلك الأحداث أسقطت قواعد اشتباك استمرت سنوات، وفتحت مرحلة جديدة من عدم اليقين في المنطقة، وتزامن ذلك مع انسداد شبه كامل في المسار الدبلوماسي للملف النووي.
وجدت إيران نفسها أمام ضغوط مركّبة، عسكرية واقتصادية وسياسية، في وقت تسعَى فيه دول إقليمية إلى إدارة الصراع دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة.
غير أنّ الأسابيع الأخيرة وعلى وقع تهديدات ترمب بتدخل أمريكي محتمل في إيران التي اجتاحتها موجة احتجاجات بسبب أزمة اقتصادية، أطل شبحُ التصعيد من جديد بين واشنطن وطهران.
أما التهديد الأخير والأخطر الذي أطلقه ترمب خلال الأيام القليلة الماضي، هو بمسح إيران من على وجه الأرض” في حال حاولت تنفيذ تهديداتها باغتياله.
وفي وقت سابق حذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن أي استهداف للمرشد الإيراني علي خامنئي، سيعد إعلان حرب شاملة على إيران، وذلك عقب تصريحات للرئيس الأمريكي اعتبر فيها أن الوقت حان للبحث عن قيادة جديدة لإيران.
فوضى المشرق
– أدّت الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد إلى إعادة تشكيل دور سورية ضمن توازن القوى الإقليمي، إذ سطّرت نهاية حقبةٍ كانت فيها دمشق خاضعة لهيمنة إيران، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من التجاذبات على إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للبلاد.
وفي الوقت الذي تشهد فيه المنطقة علاقاتٍ إقليمية جديدة تتشكّل بفعل التعاون التركي الخليجي، دعمًا للرئيس أحمد الشرع، وتحت إشرافٍ أمريكي، وكذلك الاتفاق الإسرائيلي – السوري على إنشاء خلية مشتركة” لاحتواء التصعيد، فإن تل أبيب تتعامل مع سوريا الجديدة بمخططاتها القديمة.
فلطالما كان تفكيك سوريا هدفا إستراتيجيا للكيان الصهيوني، لأسباب يتعلق بعضها بالبنية الاجتماعية السورية متعددة الطوائف والأعراق، ويتعلق بعضها بالموقع الجيوستراتيجي لسوريا في قلب المنطقة العربية، حيث تتحكم بمسارات نقل حيوية، وممرات تجارية، وتحالفات إقليمية، بما يجعلها منصة مهمة للتأثير على الشرق الأوسط وإعادة تشكيله.
والواضح أن هذه العقيدة تتحول إلى مكون أساسي في الإستراتيجية الإسرائيلية في سوريا، والواضح أيضا أن تل أبيب، التي أظهرت فوضى واضحة في تكتيكاتها الخاصة بتنفيذ إستراتيجية تفتيت سوريا، تتجه اليوم لإعادة تشكيل سياساتها لتتوافق مع مواردها؛ فقد سبق أن لمح إستراتيجيوها وساستها إلى إنشاء “ممر داود” الذي يربط الجنوب بالشرق لدعم الكيانين الدرزي والكردي وتثبيتهما في الجغرافيا السورية، ثم، بعد أن قامت بتدمير البنى العسكرية السورية وتصاعد الأزمات بين المركز والأطراف، طورت إسرائيل أهدافها إلى إقامة دولتين درزية وكردية، بعد أن رأت أن الأدوات باتت موجودة وناضجة.
– ما تزالُ غزة المركز العاطفي لاضطرابات المنطقة. فحتى عندما تخفّ حدة القتال، تبقى غزة محرّكا سياسياً يؤثر في بقية الشرق الأوسط.
فقد ترك العدوان الإسرائيلي على القطاع أكثر من مليوني فلسطيني بلا شيء بعدما وصلت نسبة الدمار الشامل الذي أحدثه الاحتلال الذي لم يلزم في القطاع قرابة 90%، طال تدمير 300 ألف وحدة سكنية كليا، و200 ألف أخريات جزئيا، وأجهزت على 90% من البنية التحتية بكل تفاصيلها من شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرقات، حسب البيانات الحكومية الرسمية.
وبقي سكان غزة بلا مستشفيات بعدما دمر الجيش الإسرائيلي 38 مستشفى، وعشرات المراكز الصحية وسيارات الإسعاف. كما شل الاحتلال العملية التعليمية لأكثر من عامين بعدما دمر 670 مدرسة و165 جامعة ومؤسسة تعليمية.
وشكلت سيطرة الاحتلال على معابر القطاع معضلة أساسية عبر إغلاق معبر رفح بشكل كامل وترك أكثر من 22 ألف مريض يحتاجون إلى علاج خارج القطاع يواجهون الموت، بالإضافة إلى شل حركة الراغبين في السفر، ومن ينتظر العودة للقطاع.
بخطوط الانسحاب، وإدخال المواد اللازمة لصيانة البنية التحتية، والمعدات الثقيلة للدفاع المدني لإزالة الأنقاض وانتشال جثامين الشهداء.
وبينما يعلن الرئيس ترامب من دافوس تدشين مجلس السلام في غزة ويحشد المزيد من الدول للانضمام إليه، يصر الاحتلال على عدم الالتزام بخطوط الانسحاب، وإدخال المواد اللازمة لصيانة البنية التحتية، والمعدات الثقيلة للدفاع المدني لإزالة الأنقاض وانتشال جثامين الشهداء، كما لم يلتزم بإدخال المعدات والمستلزمات الصحية والطبية والأدوية، ولم يفتح معبر رفح..
كما لم يحترم الاحتلال قضايا الأسرى والمعتقلين والمفقودين، كما لم يلتزم بإدخال الخيام والبيوت المتنقلة ومواد الإيواء، ولم يعمل على تشغيل محطة توليد الكهرباء.
وتشهد الضفة الغربية المحتلة تطورات ميدانية وسياسية متسارعة تعكس تحولا جوهريا في مقاربة الصراع التي أرستها “اتفاقية أوسلو” لعام 1993، والتي قامت على أساسها السلطة الوطنية الفلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967.
وتدفع الحكومة الإسرائيلية التي يقودها التيار الديني والقومي المتطرف في اتجاه إعلان السيادة على الضفة الغربية عبر ضمّ مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، وفي مقدمتها غور الأردن، وتستند هذه الخطوة إلى مزيج من الدوافع الأيديولوجية والأمنية، وتحظى بغطاء أمريكي، في وقت يتزايد فيه الاعتراف الدولي بدولة فلسطين.
– تواصل إسرائيل الترويج بكون الجبهة اللبنانية ما تزال جبهة ساخنة تستغلها ما تصفهم بـ”المنظمات الوكيلة والجيوش الإرهابية” بالتمركز على حدودها وتهديد وجودها، حيث لا تتردد قوات الاحتلال في اختراق الساحة اللبنانية، لمواصلة العمل لإحباط التهديدات فور ظهورها على حد قولها.
وتجاوزت الاستهدافات النطاق الجغرافي المحدد في اتفاق وقف الأعمال العدائية، إذ شملت سابقًا مناطق في بيروت والبقاع الشرقي، ولا سيما الهرمل، إضافة إلى تهديدات جديدة طالت بلدات شمالية وغربية من صور، من بينها بلدات قريبة من الزهراني، وعينك، والمنارة، الواقعة قرب الحدود اللبنانية السورية.
فبعد أكثر من عام على بدء سريان وقف إطلاق النار، من ضمنها سنة من عهد الرئيس اللبناني جوزيف عون، وحتى الفترة الأخيرة، تجاوز إجمالي الخروقات الإسرائيلية أكثر 13200 انتهاك ممنهج، بينها أكثر من 1600 غارة، فيما تصدّر تصنيف “الخروقات الجوية والسيادية” المرتبة الأولى في عدد الاعتداءات للفترة المرصودة بأزيد من 9000 حرقا، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 350 شخصا وإصابة نحو 1000 آخرين بجروح، حسب المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق.
أمّا ميدانيا فما تزال القوات الإسرائيلية تحتل نقاطا حدودية وتمنع الأهالي من العودة إلى القرى الحدودية وإعادة الإعمار. فضلا عن ذلك، فإنّ كيان الاحتلال الإسرائيلي يواصل اعتقال ما لا يقلّ عن 20 أسيرا لبنانيا، اعتقل عدد منهم بعد وقف إطلاق النار.
وفي هذا الإطار، نقلت تقارير إعلامية لبنانية نية إسرائيل إدخال تعديلات جوهرية في مقاربة الملف اللبناني”، حيث تلقّى لبنان معلومات من مصادر دبلوماسية غربية تفيد بأنّ الولايات المتحدة تبنّت وجهة النظر الإسرائيلية، القائلة بوجوب قيام لبنان بخطوات أكثر فعّالية” في مواجهة حزب الله.
كما بات واضحاً فإنّ المطالب الإسرائيلية لا تتوقّف عند حدود “نزع سلاح حزب الله”، فعلى الرغم من إعلان الجيش اللبناني قبل نحو أسبوعين، فالهدف من ذلك أبعد من الناحية الأمنية بالنسبة إليها، ألا وهو الخضوع الشامل للبنان، مع تحويل الدولة اللبنانية والجيش اللبناني إلى “جهات منفّذة” للمطالب الإسرائيلية تحت التهديد المستمر، التي تساهم في سلب البلاد مكامن قوتها، على غرار ما جرى في سوريا.
وبالتالي العمل على تثبّت هذا النهج عبر الاستهدافات العسكرية المتواصلة و”حرية الحركة” في لبنان، ليس لضرب الحزب فحسب، بل للضغط على البنية التحتية والقرار السياسي اللبناني لضمان بقاء الدولة في حالة تبعيّة أمنية.
فتجاوز القرار 1701، الذي يلمّح إليه الطرفان الإسرائيلي والأميركي، هدفه ليس فقط إبعاد الحزب عن الحدود، بل ضمان عدم قدرة لبنان مستقبلا على امتلاك أي قوة دفاعية يمكنها موازنة التفوّق الإسرائيلي، فحسب التقارير بهذا الشأن، وتحديدا تقرير موقع “IRIS” فإنّ “إسرائيل” انتقلت من سياسة الردع إلى سياسية التغيير الجذري” في المنطقة، وهو ما يندرج وفق التقرير، تحت الخطة الإسرائيلية لإعادة رسم الجغرافيا وإضعاف دول “طوق إسرائيل”، وتحويلها إلى دول يسهل التحكّم بقرارها، عبر خلق مناطق عازلة، ليست فقط في جنوب لبنان، بل في سوريا أيضا، إضافةً إلى السيطرة على مواردها.
خطط التفكيك
– يبرز السودان أيضا لا كحالة معزولة عن محيطه، وإنما كنقطة ارتكاز كاشفة لمسار أوسع، تتقاطع فيه فكرة التفكك مع لحظة إقليمية مضغوطة، يجري فيها الدفع بخيارات الانفصال وتفتيت الدولة بوصفها أدوات لإدارة الأزمات، لا حلولا لها.
منذ انفجار الصراع في السودان، لم تتوقف التداعيات عند حدود المواجهة العسكرية، بل تمددت لتشمل انهيار البنية الاجتماعية، وتفكك المجال العام، وتحول النزوح واللجوء إلى إحدى أكبر موجات الإزاحة السكانية في المنطقة.
ومع تآكل المركز، وتعدد مراكز القوة، وظهور مشاريع سلطة موازية، باتت وحدة الدولة نفسها محل إعادة تعريف، لا بوصفها هدفا سياسيا، وإنما كمعطى قابل للتجاوز. هنا، لا يطرح التفكيك صراحة، لكنه يمارس فعليا عبر الوقائع، وعبر هندسة سلطة تدار بمنطق الأمر الواقع.
في هذا الإطار، يكتسب السودان أهمية تتجاوز حدوده الجغرافية؛ فموقعه على تخوم القرن الأفريقي، وارتباطه المباشر بمسارات البحر الأحمر، وتحوله إلى ساحة تقاطع لمصالح إقليمية متضاربة، كل ذلك جعله مرآة مبكرة لمسار يعاد إنتاجه في أكثر من ساحة. فالتفكك هنا لا يقدم كفشل، بل كإعادة ترتيب، ولا يسوق كخيار اضطراري، بل كصيغة “واقعية” لإدارة دولة منهكة.
ولا يختزل السودان في هذه المعادلة في كونه ضحية، بقدر ما يتحول مرة أخرى إلى بوابة اختبار. فإذا ما تم تكريس التفكيك فيه، سواء عبر حكومات موازية، أو عبر كيانات أمر واقع، فإن ذلك سيعزز منطق التعامل مع التفكيك كمسار مقبول إقليميا. وهنا تكمن الخطورة، لا في الانفصال ذاته، وإنما في تطبيعه كحل إداري يغلق الباب أمام أي محاولة جادة لإعادة بناء الدولة.
إن ما يجري ليس نتاج مؤامرة واحدة، ولا نتيجة تخطيط محكم، بقدر ما هو تلاقي مصالح في لحظة سيولة. وحين تتلاقى هشاشة الداخل مع حسابات الخارج، يصبح التفكيك المسار الأقل كلفة، حتى وإن كان الأعلى ثمنا على المدى البعيد. وفي غياب مشروع وطني جامع، تتحول الدولة إلى عبء، وتستبدل بها وحدات أصغر، أكثر قابلية للإدارة، وأشد اعتمادا على الحماية الخارجية.
– هذا المنطق لا يقتصر على السودان؛ ففي اليمن تتزامن عودة خطاب الانفصال الجنوبي مع إعادة تعريف الصراع بوصفه معركة على الموانئ وخطوط الملاحة، لا على شكل الدولة.
ومع تحول الساحل إلى أصل إستراتيجي، تتراجع فكرة الدولة الجامعة لصالح كيان قادر على تأمين وظيفة محددة ضمن منظومة أوسع. وهكذا، يعاد تقديم الانفصال كخيار استقرار، في حين أنه يعكس تثبيتا لنفوذ طويل الأمد تحت غطاء سياسي.
وقد تسبب هذا الملف تحديدا في خلاف سعودي إماراتي خرح إلى العلن، حين ردت الرياض بقوة على سيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، المدعومة من أبو ظبي، على محافظتَي حضرموت والمهرة وتمكنت قوات درع الوطن” المحلية، والتي تتبع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والمدعومة من المملكة العربية السعودية، من استعادة السيطرة عليهما.
وبلغت الحملة العسكرية، التي واكبتها السعودية جوا، ذروتها باستعادة السيطرة على ميناء المكلا الاستراتيجي، ومدينة سيئون، كبرى مدن حضرموت.
وجرى التوصل إلى اتفاق ينص على توفير ممر آمن لقوات المجلس الانتقالي للانسحاب من المهرة في اتجاه عدن شرط التخلي عن سلاحها الثقيل. وبذلك تكون القوات التابعة للحكومة اليمنية قد أجهضت محاولة الانفصال التي حاول المجلس الانتقالي تنفيذها، بدعم من الإمارات. وبالتزامن مع ذلك، أطلقت السعودية تحركا دبلوماسيا بهدف إعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني في جنوب اليمن، عبر الدعوة إلى مؤتمر للحوار بين المكونات الجنوبية.
ويعكس التنافس السعودي – الإماراتي، إلى جانب البعد الأيديولوجي، مشاريع متضاربة لبناء النفوذ الإقليمي. فالإمارات لم تعُد تسعى لتحقيق الرخاء الاقتصادي لديها وتعزيز أمنها القومي فحسب، بل امتلاك القدرة على الإسهام النوعي في تشكيل البنية السياسية والاقتصادية المستقبلية للشرق الأوسط وفق رؤيتها الخاصة وبالتحالف مع إسرائيل، والتحول عبر ذلك إلى قوة إقليمية مؤثّرة تنافس السعودية. وبهذا، صار اليمن محورا أساسيا من محاور تحقيق هذا الطموح؛ إذ تمنحها السيطرة على موانئ إستراتيجية، مثل عدن والمكلا وسقطرى، والوصول إلى باب المندب سواء من جهة اليمن أو إقليم أرض الصومال، نفوذًا هائلًا على طرق التجارة البحرية الدولية، ويعزز سعيها لأن تصبح مركزا اقتصاديًا ولوجستيًا رئيسًا في المنطقة. وفي المقابل، تخوض السعودية مسارا تحوليا خاصا بها؛ إذ تهدف “رؤية 2030” إلى جعل الرياض القلب المالي والتقني واللوجستي للمنطقة، في تحدٍّ مباشر لتفوق الإمارات في بعض هذه المجالات. وفي حين تُظهر الأخيرة وضوحًا أكبر في طموحاتها الإقليمية واندفاعًا ملحوظا في توسيع نفوذها، تظل السعودية مصممة على حماية مكانتها الإقليمية.
ولا يقل التنافس الاقتصادي بين البلدين أهمية عن التنافس الجيوسياسي. فقد شكّل قرار السعودية في عام 2021 إلزام الشركات الدولية بنقل مقارها الإقليمية إلى الرياض شرطًا للحصول على عقود حكومية تحديا مباشرا لمكانة دبي. ويتنافس الطرفان أيضا على ريادة الذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية، والبنية التحتية الرقمية والشراكات التكنولوجية مع الولايات المتحدة الأمريكية. وزادت سياسات النفط داخل منظمة “أوبك بلس” من حدة التوتر؛ إذ تطالب الإمارات بحصص إنتاج أعلى، في حين تستخدم السعودية أدوات الإنتاج للحفاظ على استقرار الأسعار والانضباط داخل المنظمة.
يمثل الاستقرار الإقليمي بالنسبة إلى السعودية شرطا أساسيا لنجاح التحولات الداخلية، خصوصا بعد حرب غير ناجحة ضد الحوثيين في اليمن، أدت إلى استهداف مباشر لمناطق ومنشآت استراتيجية عدة داخل أراضيها؛ ما جعل جذب الاستثمارات الأجنبية متعذرا نتيجة لذلك. وعلى الرغم من ذلك، ترى السعودية نفسها، بحكم حجمها السكاني والاقتصادي والجغرافي، الدولة المحورية في شبه الجزيرة العربية، ومن ثمّ يعدّ اليمن ساحة شديدة الحساسية بالنسبة إليها، ويمثل تمكين الإمارات، في هذا السياق، لقوى انفصالية تحديا مباشرا لتصورها للنظام الإقليمي، ويمسّ مباشرة بأمنها القومي.
حضور في القرن الإفريقي
اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال دولةً مستقلة، والذي تُوِّج بزيارة وزير الخارجية جدعون ساعر في السادس جانفي الجاري، يمثّل تحوّلا جيوسياسيا فاصلا، يُسلّط مزيدا من الضوء على ملامح الإستراتيجية الإقليمية الإسرائيلية المتغيّرة في مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر 2023.
وقد شاب جانب كبير من التعليقات المبكرة لغط ناجم عن الادعاء بأنّ هذه الخطوة تندرج ضمن مخطّط تبادلي يهدف إلى تهجير الفلسطينيين جماعياً من غزة إلى أرض الصومال، الإقليم المنفصل الذي أعلن استقلاله عام 1991 من دون أن يحظى باعتراف دولي. ومع ذلك، وعلى الرغم من تقارير صدرت في مارس 2025 تشير إلى شروع إسرائيل والولايات المتّحدة في بحث سُبل تطبيق هذا المسار، تبقى فرضية قدرة إسرائيل أو شركائها على التهجير القسري لعشرات أو مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى أرض الصومال، بعيدة المنال وغير واقعية.
ويُلهي هذا السرد المتعلّق بإعادة التوطين عن واقع أكثر أهمّيةً وتأثيرا: إذ تنفّذ إسرائيل مناورة جيوسياسية جديدة تهدف إلى ترسيخ انتشارها العسكري، وتوسيع وصولها البحري، وتعظيم أوراق ضغطها الإستراتيجية وتعزيز نفوذها، في لحظة تتّسم بسيولة إقليمية بالغة.
ويأتي تثبيت موطئ قدم في أرض الصومال ليمدّ هذا المنطق جنوبا، مانحا إسرائيل ما سعت إليه طويلاً من دون أنّ تمتلكه مباشرة: الوصول إلى مضيق باب المندب ومدخل البحر الأحمر الجنوبي.
ولم يعد هذا المسرح ساحة بعيدة عن إسرائيل، بل بات خطّ تماس متقدّما، وتتيح أرض الصومال لإسرائيل من خلاله فرصة تحدّي قبضة الحوثيين المتنامية المتمركزين في اليمن على أحد أهم الممرّات البحرية في العالم، وتعطيل قدرتهم على إطلاق الصواريخ والمسيّرات باتجاه الأراضي الإسرائيلية.
كما تعمّق هذه الخطوة الحضور الإسرائيلي في القرن الأفريقي، حيث وطّدت إسرائيل علاقاتها مع إثيوبيا وكينيا ودول أخرى، إلى جانب استكشاف فرص في سياقات أكثر هشاشةً مثل السودان وإريتريا. وتمتلك مصر بدورها مصالح حيوية ونقاط ضعف كبيرة في هذه المنطقة، ما يمنح إسرائيل ورقة ضغط إضافية يمكن استخدامها ضدّ جارتها في شمال إفريقيا عند الحاجة. وينطبق الأمر نفسه على تركيا، التي تُعدّ على الأرجح الداعم الأبرز للحكومة الصومالية في مقديشو، في ظلّ استثمارات اقتصادية وأمنية واسعة النطاق.
تلغيم المغرب العربي
على الرّغم من أن الأنظار تتّجهُ نحو أزمات المشرق بدرجة أولى، فإن ذلك لا يعني أنّ المغرب العربي بمعزل عن تلك التوترات ومؤامرات التفتيت والتقسيم، ففي سياق مشروع قديم – جديد ووفق ظروف المرحلة الحالية المليئة بالاضطرابات تجرّ دول المنطقة بطريقة ممنهجة نحو الانزلاق إلى سناريوهات مشابهه لما يجرى في العراق وسوريا والسودان واليمن.
في ليبيا لم يعد مقتصرا على الصراع السياسي المندلع منذ عام 2011 والتقسيم المناطقي الحالي بين شرقي البلاد وغربها وإنما يتجاوزه ليصل إلى مرحلة أخطر تعتمد على تمزيق البلد إلى كيانات إثنية وعرقية، ضمن ساحة للصراع بين قوى إقليمية ودولية وحقل تجارب لمخططات أوسع تهدف إلى إعادة رسم خريطة المغرب الكبير على أسس عرقية، بما يخدم الأجندة الصهيونية والغربية.
والأخطر في هذه الأجندة هو تفجير المنطقة بالكامل من خلال إشعال حرب بين المغرب والجزائر، بحيث تجاوزت الخلافات قضية الصحراء المغربية لتشمل مشروع فصل “جمهورية الريف” عن المغرب، وتأسيس “دولة القبائل” في الجزائر.
وفقاً للخرائط التي يروجها مسؤول “البروباغندا الصهيونية” إيدي كوهين، فإن المغرب يخطَّط تقسيمه إلى ستة كيانات، والجزائر إلى خمسة كيانات، ضمن مشروع يعيد إنتاج سايكس – بيكو جديد في المنطقة المغاربية.
ويعتمد هذا المشروع على ضرب النسيج الاجتماعي والنسيج الثقافي، من خلال إثارة الفتن بين العرب والأمازيغ، والبيضان والسودان، ولاسيما في موريتانيا وجنوبي المغرب والجزائر، عبر استدعاء الزنوجة وتلغيم البعد الأفريقي في الأقطار المغاربية.
أما في تونس التي تعيش اليوم على وقع أعقد الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فتشير عديد التقارير إلى أن هناك مخطّطا لإغراقها بالمهاجرين الغير النضاميين.
ورغم إعادة السلطات التونسية نحو 10 آلاف مهاجر غير نظامي إلى بلدانهم العام الماضي معظمهم من دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، فإن البلد ما يزال يواجه ضغوطا من الاتحاد الأوروبي لوقف عمليات العبور عبر البحر المتوسط.
في المقابل اعتمدت سردية الرئيس التونسي قيس سعيد على التحذير مما وصفه “بمخطط إجرامي” تم إعداده منذ مطلع هذا القرن لتوطين مهاجري إفريقيا بهدف تغيير التركيبة السكانية.
وفي أكثر من مناسبة ظل حاكم قرطاج يردد بأن بلاده لن تقبل أن تكون حارس حدود لدول أخرى ولا يمكن أن نقوم بالدور الذي يفصح عنه بعضهم ويخفيه البعض الآخر.
وكثيرا ما قوبلت تصريحات الرئيس التونسي بانتقادات من الداخل والخارج باعتماد السلطات مقاربة أمنية مشددة للحد من تدفق المهاجرين نحو أوروبا، وفي ظل غياب لإستراتيجية واضحة وصمت للدولة التونسية عن إيجاد تصور لحل أزمة المهاجرين تتفاقم ظروفهم غير إنسانية كما تصفها منظمة حقوقية.
يفهم مما سبق أن المشروع المرسوم للشرق الأوسط ليست مجرد دعاية سياسية، بل هو برنامج طويل المدى يتوسّع يوما بعد يوم، ويتغذّى باستمرار من الضعف العربي والبيئة المهيّأة للتنافر والخلافات والصدامات والفوضى التي تمثل المحركات القوية للأطماع “الصهيو- أمريكية”.
كما أن تأثير النظام الاقتصادي العالمي وسيطرة الرأسمالية والهيمنة العسكرية والاستبداد الغربي فرضت واقعا عربيا قاصرا في العديد من المجالات، ربط مصالحه بالمصالح الغربية والأمريكية؛ مما زاد من اتساع الفجوة بين تطلعات الشعوب وتوجهات الأنظمة السياسية التي تتساوق مع النظرة الجديدة لشرق أوسط بمواصفات استعمارية وضمن إطار “وثيقة “كيفونيم”


أضف تعليقا