عالم

وثائق بندورا: نهر من الأموال المشبوهة يتدفق عبر الملاذات الضريبية في الكاريبي

ثروات تقدر بتريليونات الدولارات الآمنة البعيدة عن الرقابة في بنوك أرخبيلات منطقة الكاريبي، التي تعرف بكونها من أهم الملاذات الضريبية في العالم. 

معتقلو 25 جويلية

هذه باختصار الخلاصة الأولية لما تضمنته عملية “وثائق باندورا”، وقد كشف الاتحاد الدولي للصحافة الاستقصائية الستار عنها، اعتمادا على بيانات ومعطيات من أكثر من 12 مليون وثيقة مسربة.

الشجرة التي تخفي الأكمة 

طوال أشهر من البحث والتقصي وتحليل المعطيات، عمل فريق مكون من 650 صحفي من إطارات الاتحاد الدولي للصحافة الاستقصائية بشكل سري على الوثائق المسربة، عبر تتبع عناوين الشركات وحساباتها وأصولها والمالكين الحقيقيين لها، والذين يختفون وراء ستار من التعتيم تنسجه حولهم شركات المحاماة والخدمات القانونية والمالية في مختلف أنحاء العالم، وهي المسؤولة عن إنشاء مئات من الشركات غير المقيمة المعروفة بمصطلح “الأفشور” المستخدمة كستار هيكلي لتبييض الأموال وإخفائها في الكاريبي. 

سنة 2016 ومع تفجر فضيحة “وثائق بنما” كان جليا وواضحا أن ما كشفت عنه المعلومات والملفات المسربة من مكتب المحاماة البانمي موساك فونسيكا المتورط في إنشاء الشركات الوهمية غير المقيمة لمئات رجال الأعمال والسياسيين، كان بمثابة الشجرة التي تخفي وراءها أكمة من الفساد والتلاعب وتوظيف القوانين المعتمدة في جزر الكاريبي في أمريكا الوسطى، من أجل تشجيع الاستثمار وتنمية قطاع الخدمات البنكية واستقطاب رؤوس الأموال. 

كانت خمس سنوات من البحث الهادئ والعمل الاستقصائي المعمق كفيلة بالوصول إلى الغابة الحقيقية التي تتخفى بإحكام بعيدا عن بنما ومصارفها والشركات الوهمية المستقرة فيها، عند ما يعرف بالجزر العذراء البريطانية وهي سلسلة جزر وأرخبيلات تتبع مقاطعات ما وراء البحار يحكمها التاج البريطاني. 

أبرزت تحقيقات “باندورا” حقائق مذهلة بعد أشهر من التقصي والبحث والربط بين المعلومات، حقائق كشفت نهرا من الأموال المشبوهة يتدفق بين بنوك هذا الأرخبيل والشركات الوهمية المستقرة فيه.

شبكة آلكوغال  

ملايين من الدولارات ومئات المعاملات والصفقات السرية والأسماء الوهمية تلتقي كلها عند عنوان واحد وهو مكتب المحاماة البانمي الشهير “آليمان، كورديرو، غاليندو للخدمات والاستشارات”، والمعروف اختصارا بتسمية “مؤسسة آلكوغال” بين المتعاملين معه ورجال المال والأعمال. 

كشفت وثائق باندورا عن الدور الرئيسي الذي اضطلعت به آلكوغال، في تأسيس مئات الشركات والهياكل المالية الصورية في كل من الجزر العذراء البريطانية وبليز وقبرص، لصالح حرفائها من السياسيين ورجال الأعمال الباحثين عن ملاذ آمن لثرواتهم وأصولهم السرية في العقارات والأسهم والبورصة بعيدا عن ملاحقة السلطات والضرائب. 

يذكر أن مؤسسة آلكوغال وفرت للمئات من حرفائها المالكين الفعليين لهذه الشركات ضمانات قانونية وأساليب معقدة لإدارتها عن طريق وسطاء وهميين وأشخاص صوريين، والتحكم في عملياتها المالية في الخفاء دون الإفصاح عن هوياتهم مع ربط عناوين الشركات ومراسلتها البريدية بعنوانها. 

وحسب تحقيق سابق أنجزه الاتحاد الدولي للصحفيين سنة 2013 عن الشركات الوهمية التي توظف كستار لإخفاء الثروات والأموال، فإن ما يزيد عن 34 كيانا معنويا من شركات “الأفشور” يرتبطون بصندوق بريد مؤسسة آلكوغال للمحاماة.

أسماء من الحجم الثقيل 

كشفت “وثائق باندورا” عن أسماء سياسيين من الحجم الثقيل يديرون معاملاتهم المالية السرية وثرواتهم عبر كيانات ومؤسسات غير مقيمة يمتلكونها سرا في الجزر العذراء البريطانية، ما يشكل زلزالا إعلاميا يتوقع أن يتسبب في هزات ارتدادية سياسية وقانونية.  

ومن بين أبرز الأسماء الواردة في التحقيق نذكر العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الذي تبين امتلاكه إمبراطورية عقارية في بريطانيا والولايات المتحدة، تبلغ قيمتها أكثر من 70 مليون جنيه إسترليني ما يعادل أكثر من 100 مليون دولار، تدار بشكل سري عبر شبكة من شركات “الأوفشور” في الجزر العذراء. 

التخصص في المجال العقاري لم يكن حكرا على الملك الأردني، حيث أظهرت التحقيقات أن الرئيس الآذري إلهام علييف بدوره من كبار المستثمرين في هذا المجال  إذ يملك ثروات طائلة تقدر بأكثر من 400 مليون جنيه إسترليني، واستثمارات سرية تدار عبر شبكة معقدة من الشركات غير المقيمة وعبر الوسطاء. 

اسم الرئيس الروسي فلادمير بوتين ظهر بدوره ضمن الوثائق المسربة، وتبين أنه يملك أصولا سرية بنكية مالية وعقارية في إمارة موناكو. 

أما رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان الذي وصل إلى السلطة بفضل وعوده بمكافحة الفساد المستشري بالطبقة السياسية، فقد تبين امتلاكه صحبة بعض أفراد عائلته شركات وصناديق ائتمانية بملايين الدولارات بشكل سري. 

الفضيحة الأبرز تعلقت برئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، فقد كشفت الوثائق تهربه مع زوجته من دفع مبلغ 312 ألف جنيه إسترليني من رسوم الضرائب على العقارات عندما اشتريا مكتبا في لندن من شركة غير مقيمة تتخذ من إحدى دول الملاذات الضريبية مقرا لها، ما مكنهما من الاستفادة من ثغرة في القانون البريطاني تتيح لهما عدم دفع الضريبة المترتبة عن شراء العقارات.  

محسن مروزوق من بنما إلى باندورا 

كان اسم محسن مرزوق مؤسس حزب مشروع تونس والمستشار السابق للرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، من بين أهم الشخصيات السياسية التونسية الذين تعلقت بهم شبهات تهريب الأموال إلى الخارج حيث الملاذات الضريبية عقب ورود اسمه ضمن ما عرف بوثائق بنما سنة 2016. 

وكشفت الوثائق حينها عن رسائل الكترونية متبادلة بين مرزوق ومكتب المحاماة البنمي موساك فونسيكا، بخصوص استشارات قانونية عن آليات وإجراءات تكوين شركة “أوفشور” في الجزر العذراء أو في جزيرة أنغويلا.

اعترف مرزوق لاحقا في حوارات صحفية أن مبادرته لم تتخط حدود الاستشارات القانونية مع مكتب المحاماة البانامي المتورط في القضية بهدف إدارة “استثمارات وثروة عائلته”، وبعض مدخراته التي جمعها طوال سنوات عمله كمستشار دولي في مجال التنمية. 

“إيغل وان للاستثمارات القابضة المحدودة”

جاءت ملفات بندورا لتثبت إنشاء محسن مرزوق شركة “أوفشور” مسجلة في مدينة “رود تاون” بالجزر العذراء بتاريخ 16 ديسمبر/كانون الأول تحمل اسم “إيغل وان للاستثمارات القابضة المحدودة”، وذلك على عكس تصريحاته التي أدلى بها بعد تفجر قضية وثائق بنما.

وتعرف الجزر العذراء البريطانية بالميزات التي تقدمها للشركات غير المقيمة من حيث الإعفاءات الضريبية، كما أن قوانينها الاقتصادية تمنح ضمانات لحماية المعطيات البنكية والمالية للمتعاملين والمودعين من أصحاب الحسابات، اعتمادا على قوانين السرية المصرفية التي تمنع الجهات الأجنبية والقضائية الخارجية من الاطلاع عليها أو معرفة المسؤولين عنها. 

مرت عملية تركيز شركة “إيغل وان” بعدة مراحل ووسطاء من شركات الخدمات المالية والقانونية، بداية من مكتب “إس إف إم” لخدمات الشركات في دبي، الذي قام بإدراج الشركة رسميا ضمن الكيانات الاقتصادية غير المقيمة مقابل مبلغ 1790 جنية إسترليني كرسوم خدمات وتأسيس، دفعهم مرزوق عبر بطاقة بنكية مسجلة في بريطانيا. 

بعد ذلك أحيل الكيان حديث التأسيس إلى مكتب المحاماة “آلكوغال” الذي سيشرف على تسيير الشركة وإدارتها بطريقة معقدة تحجب أية علاقة مع اسم محسن مرزوق، عبر وضع مراسلاتها على عنوان مكتب المحاماة وربطها قانونيا بها، إلى جانب تعيين مواطنة من السيشال تدعى “جينيفياف أوديت ماغنان” كمسؤولة صورية عن الشركة. 

بهذه الطريقة أسدل الستار على ملكية محسن مرزوق للشركة، في ظل غياب أية وثائق رسمية تربطه بـ”إيغل وان” ومكتب المحاماة “آلكوغال” سوى عبر تتبع شركة الوساطة الإمارتية التي تتيح التوصل إلى الرابط المنطقي لهذا التمويه المتسلسل المعقد. 

يدعي محسن مرزوق في تصريحات صحفية أنه لم يراكم أرباحا أو مدخرات مالية بفضل هذه الشركة غير المقيمة، كما لم يقع فتح حسابات بنكية باسمها في تونس أو خارجها ما جعلها حسب قوله بمثابة مشروع غير مفعل، وضلت حبرا على ورق أو مجرد “صدفة فارغة”، تحت تسمية “إيغل وان” قبل أن يقرر تصفيتها بموجب طلب تصفية مقدم لشركة “إس أف أم” الامارتية في ماي/مايو 2016 بعد أن كلفته مبالغ تناهز 14 ألف دينار.