رأي سياسة

“هيئة الانتخابات” وإعادة هندسة المشهد الانتخابي

عبدالسلام الزبيدي 
الآن وقد خرج التونسيون من منطقة الشكوك، وتبيّن موعد الانتخابات الرئاسية التي ستجرى وفق أمـر رئاسي الأحد 6 أكتوبر القادم، يمكن القول إنّ تونس تسجّل نفسها مرّة أخرى باعتبارها استثناءً في العالم. فمن بين أكثر من 60 دولة بُرمِجَت فيها انتخابات خلال السنة الحالية، فإنّها الدولة الوحيدة التي لم تكشف عن تاريخ الاقتراع إلّا قبل أشهر قليلة من الموعد المحدّد، مع استثناء الانتخابات السابقة لأوانها بكلّ تأكيد.
إنّها المرّة الأولى منذ ثورة الحرية والكرامة التي تتسلّم فيها السلطة التنفيذية ممثَّلَةً في رئيس الجمهورية مهمّة تحديد موعد الانتخابات، بعد أن كان الأمر بيد الهيئة العليا المستقلّة. ليبقى للهيئة تحديد الرزنامة الانتخابية من فتح باب الترشّح، إلى موعد الحملة وصولا إلى الإعلان عن النتائج والطعون والدورة الثانية إذا لم ينل أحد المترشّحين نسبة 50% زائد واحد من الأصوات. وفي الحقيقة تُعتبر مسألة ضبط الرزنامة ونشرها مسألة تقنية وشكلية في الوقت نفسه، ذلك أنّ موعد الاقتراع هو المحدِّد الحقيقي من ناحية، وهو الضابط للبعد السياسي للعملية من ناحية ثانية.
بين هيئة الانتخابات والدستور 
  فمقتضى الدستور الجديد الصادر سنة 2022، أصبح رئيس الجمهورية ماسكا بيديه جلّ السلطات، بعد أن حوّل باقي السلطات على غرار التشريعية والقضائية إلى مجرّد وظائف، وشطب جلّ الهيئات الدستورية المنصوص عليها في دستور 2014، مُبْقيًا على هيئة وحيدة هي الهيئة المكلّفة بالانتخابات.
ورغم حفاظها على وضعها الدستوري، فإنّه لم يتمّ تفعيل الباب السابع المتعلّق بها وتحديدا الفصل 134. فهذا الفصل يمنح الهيئة مهمة إدارة الانتخابات وتنظيمها والإشراف عليها في جميع مراحلها، وتضمن سلامة المسار الانتخابي ونزاهته وشفافيته وتصرّح بالنتائج”. ومعلوم أنّ تحديد موعد الانتخابات جزء من هذا المسار الذي تشرف عليه الهيئة بحكم التنظيم المؤقّت للسلط زمن بداية الثورة، وزمن بداية حكم ما بعد انتخابات 2011، وزمن دستوريْ 2014 و2022. وقد سبق لرئيس الهيئة وأعضائها أن صرّحوا في مناسبات عديدة بأنّهم سيصدرون الرزنامة الانتخابية في موعد قريب، لكن لم يقع الالتزام بذلك إلى أن أصدر رئيس الجمهورية الموعد، وبذلك تكفّل بالجانب السياسي من العملية وترك للهيئة الفتات التقني.
ولم يقتصر عدم تفعيل مقتضيات الفصل 134 من الدستور على عدم الأخذ بعين الاعتبار ضرورة أن تتكفّل هيئة الانتخابات بـ”جميع المراحل”، بل تجاوزها إلى عدم دسترة تركيبتها. فهيئة اليوم وليدة إرادة رئاسية مجسّمة في مرسوم وليست نتاج الباب السابع الذي ينص على ضرورة أن تتركّب الهيئة من تسعة أعضاء. لقد غاب التفعيل في جانبيه، في حين أنّه (التفعيل) لا يحتاج إلّا إرادة وبعضا من الحرص على الإيفاء بما يضفي على العملية\يات الانتخابية مزيدا من الشفافية.
وعلى ضوء إعطاء رئيس الجمهورية قيس سعيّد الضوء الأخضر للشروع في الإعداد للانتخابات الرئاسية القادمة، ستعلن هيئة الانتخابات على الرزنامة مساء الخميس 4 جويلية وقد أُفْرِغت العملية من محتواها. فالأهم ليس المواعيد التي غدت واضحة للعيان خاصة في أغلبها (موعد الحملة، الصمت، الاقتراع، الطعون، الدور الثاني)، وقد تكون المرحلة الوحيدة التي يتطلّع إليها التونسيون هي تاريخ تقديم الترشّحات وموعد الإعلان عن الملفات المقبولة.
وبذلك تتحوّل الأنظار من الرزنامة إلى الأمر الترتيبي الخاص بشروط الترشّح. فبالرغم من أنّ رئيس الجمهورية قيس سعيّد قد حدّد موعد الانتخابات الرئاسية على ضوء انتهاء عهدته المُؤَسَّسَة على دستور 2014، فإنّ شروط الترشّح للعهدة الجديدة ستكون على ضوء الدستور الصادر يوم 22 أوت 2022 والمسمّى دستور 25 جويلية. وما على هئية الانتخابات إلّا تحيين القواعد
لتتطابق مع الدستور الجديد. وقبل بيان الإشكاليات ذات الصلة بهذه العملية من المفيد التذكير بالشروط المشار إليها.
نصّ الفصل التاسع والثمانون من الدستور على أنّ الترشّح لمنصب رئيس الجمهورية حقٌّ لكل تونسي غير حامل لجنسية أخرى مولود لأب ولأم وجدّ لأب ولأم تونسييّن، وكلهم تونسيون دون انقطاع. كما يجب أن يكون المترشّح يوم تقديم ترشّحه بالغا من العمر أربعين سنة على الأقل، ومتمتّعا بجميع حقوقه المدنية والسياسّية ويقع تقديم الترشّح للهيئة العليا المستقلة للانتخابات حسب الطّريقة والشروط المنصوص عليها بالقانون الانتخابي.
حول المناخ الانتخابي 
وبهذه الشروط الجديدة وخاصة منها الرفع في سنّ الترشّح من 35 سنة إلى 40 سنة، وحرمان مزدوجي الجنسية من خوض غمار الانتخابات (سابقا يمكن سحب الجنسية الأجنبية)، إضافة إلى إثبات التمتّع بالحقوق المدنية والسياسية، يجد التونسيون أنفسهم أمام وضع إشكالي.
ويتمثّل الإشكال الأوّل في أنّه لتنفيذ مقتضيات الدستور، ينبغي إصدار قانون من مجلس نواب الشعب. والنصوص القانونية ذات الصلة تُعتبر أساسية، لكنّ واقع الحال يكشف أنّ هيئة انتخابية تم تعيينها بمرسوم رئاسي وتركيبتها غير مطابقة للنص الدستوري ستقوم بإصدار نص ترتيبي بدلا عن قانون يصادق عليه ممثّلو الشعب ويصدر باسمهم. وهذه سابقة انتقدها أساتذة القانون الدستوري في تونس وبيّنوا أوجه الخلل فيها.
أمّا الإشكال الثاني فيتمثّل في عدم إرساء المحكمة الدستورية رغم مضيُ سنتين عن تفعيل الدستور الجديد. والحال أنّ هذه المحكمة التي تنظر في مدى دستورية القوانين من ناحية ويعوّض رئيسها رئيس الجمهورية في حالة الشغور الدائم لم يقع إرساؤها بعد. مع الإشارة إلى أنّ إرساءها لا يتطلّب إلّا صدور أوامر بالتعيين، فكلّ الأعضاء من القضاة بصفاتهم وفق النص الدستوري “المحكمة الدستورية هيئة قضائية مستقلة تتركّب من تسعة أعضاء، ثلثهم الأوّل من أقدم رؤساء الدّوائر بمحكمة التعقيب، والثلث الثاني من أقدم رؤساء الدوائر التّعقيبية بالمحكـمة الإدارية، والثلث الثالث والأخير من أقدم أعضاء محكمة المحاسبات. وينتخب أعضاء المحكمة الدستورية من بينهم رئيسا لها طبقا لما يضبطه القانون”.
ويتمثّل الإشكال الثالث في أنّ هيئة الانتخابات التي انتظرت، على خلاف العادة، صدور الأمر الرئاسي لتحديد يوم الاقتراع قبل إصدار الرزنامة، ستشترط على المترشّحين أن يستظهروا ببطاقة عدد 3 (بطاقة السوابق العدلية) ضمن ملف الترشّح، والحال أنّ هذه البطاقة تسندها الوظيفة (السلطة) التنفيذية في ظلّ مناخ يتّسم بتغوّل هذه السلطة في علاقة بالسلط الأخرى، وفي سياق يتوزّع فيه الذين أعلنوا نيّتهم الترشّح بين السجن (رئيسة الحزب الحر الدستوري عبير موسي وأمين عام الحزب الجمهوري عصام الشابي) وبين ملاحق قضائيا (لطفي المرايحي أمين عام التحالف الشعبي الجمهوري، وعبداللطيف المكي أمين عام حزب العمل والإنجاز، والمترشّح المستقل الصافي سعيد، ونزار الشعري رئيس حزب قرطاج الجديدة) إضافة إلى الإقامة في الخارج على غرار الوزير الأسبق منذر الزنايدي.
لقد سبق أن فصّلنا القول في أنّ القضاء انحدر من موضع السلطة في دستور 2014 إلى منزلة الوظيفة في الدستور ساري المفعول، وبه تمّت عملية إعادة هندسة المشهد السياسي. أمّا الهئية المستقلّة للانتخابات، فرغم حسن أدائها لوظائفها الشكلية والتقنية، فقد تمكّنت الوظيفة التنفيذية من حسن توظيفها لإعادة هندسة المشهد الانتخابي.