هنا الكاف: وحده المسرح يُضيء من خلال العتمة

في إطار افتتاح فعاليات النسخة الـ21 من المهرجان الدولي “24 ساعة مسرح دون انقطاع” بالكاف (شمال غربي تونس)، تمّ، صباح اليوم الجمعة 28 أفريل، بمدينة الكاف عقد ندوة علمية تحت عنوان “المسرح والعتمة” بقاعة نورالدين بن عزيزة بمركز الفنون الدرامية والركحية بالكاف.

وشهدت الندوة، التي دامت 180 دقيقة، حضورا لافتا من قبل المسرحيين من ممثّلين وكتّاب ومخرجين من تونس ومن ضيوف المهرجان من مختلف الجنسيات، وكذلك من طلبة المعاهد المُختصّة في الفنون الدرامية سواء بتونس أو الكاف، وأيضا من المتكوّنين بالاختصاص على غرار أبناء مدرسة فنّ الممثّل بالمسرح الوطني التونسي، وعدد من المراسلين الصحفيين، ومن هواة المسرح الّذين تنقّلوا خصيصا لمواكبة فعاليات المهرجان.

وانطلقت الندوة بطرح عدّة تساؤلات على لسان مُديرها الأكاديمي التونسي محمد الهادي الفرحاني، الذي سلّط الضوء عبر أسئلته الإشكالية على المفاهيم مع تحديد زوايا المبحث العلمي لمقاربة “المسرح والعتمة”.

ليتساءل أولا إن كانت هذه الثنائية مُتقابلة، بمعنى أنّ حضور المسرح يُغيّب العتمة وعودة العتمة تغيّب المسرح أم أنّها ثنائية جدلية مُتوتّرة يكون حضور الواحد فيها واشيا بغياب الآخر باعتبار أنّ النور يستقي سطوته من العتمة ولا معنى للعتمة دون نور سبقها؟

واستشهد الفرحاني في هذا الخصوص بمقولة ابن سينا “كالشمس لو انتقبت يسيرا لاستعلمت كثيرا، ولما بالغت في التجلّي احتجبت، وكان نورها حجاب نورها”.

وأما بخصوص المعنى المجازي الذي يُشبّه المسرح بنور للفكر وللمجتمعات، ذهب الأكاديمي التونسي إلى أنّ المسرح رغم كل ما يبثه من وسائل مقاومة للعنف والدموية والإرهاب واللإنسانية: إلّا أن نوره المُقاوم لم يسطع في مجتمعاتنا العربية بالشكل الذي يُغيّب عتمة هذه الظواهر نهائيا.

ومن جانبها قدّمت الجامعية والباحثة والناقدة التونسية أم الزين بن شيخة مداخلة بعنوان “ملاحظات حول المسرح السياسي من خلال مسرحية “ثقوب سوداء” للمخرج عماد المي، أين اعتبرت أنّ الركح يُوزّع الأضواء على الجهة المظلمة في حياتنا من فعل تعقيدات الوجود لتتساءل باستنكار كيف يُمكن لإدارة شؤون العتمة؟ مُعتبرة أن السياسة هي فن اختراع العتمة بامتياز، في حين يبقى المسرح انتصارا على شكل العتمة والتعتيم وعلى شكل اختزال حيوات الناس واعتقالها داخل مؤسّسات السلطة.

أما الجامعي والباحث الجزائري الدكتور أحسن ثليلاني، فقال أنّه منذ أن تمّت دعوته لهذه الندوة أثار عنوانها فيه الفضول، ممّا دفعه إلى البحث المكثف والانتقال في المراجع بين الفلسفي والمسرحي إلى حد العودة للبحث في المعاجم لتحديد المفاهيم والمصطلحات، لُيبرز في مُفتتح مداخلته الفرق بين الإضاءة والإنارة، مستشهدا بذلك بالفرق بين الشمس التي تضيء باعتبارها المصدر والقمر الذي يُنير باعتباره عاكسا للضوء وليس مصدرا له.

وبعيدا عن الإنارة والعتمة كتقنية للإبراز والإخفاء اعتبر الدكتور ثليلاني أنّ المسرح أكثر الفنون إضاءة لحياتنا وذواتنا ووجودنا، ورجّح أن يكون مسرح اللامعقول أكثر الأنساق المسرحية التي تقترب من الفلسفة في اشتغالها حول مبحث العتمة الوجودية وإضاءتها.

ومن جهة أخرى شبّه المخرج والمسرحي السعودي فهد ردة الحارثي التداول خلال العرض المسرحي بين الإنارة والتعتيم ثم الإنارة ثم التعتيم، كالتداول في نسق الحياة بين الليل والنهار، الأمر الذي اعتبره مُراوحة وحركة مُستمّرة للفكر.

واستشهد الحارثي في هذا الخصوص بعدة أعمال مسرحية مرجعية، وكذلك بمواقف من الحياة اليومية تدلّ على حاجتنا للعتمة بما تُوفّره من حميمية وخصوصية، “كما نحتاج للنور لنصدح ونطلق تعابيرنا في العلن” -وفق توصيفه- طارحا رؤيته في شكل مفارقة، مفادها أنّ المسرح يُضيء من خلال العتمة، لكنه قد يُعتّم أيضا من خلال الإضاءة.

وتتواصل فعاليات الندوة العلمية، غدا السبت 29 أفريل، بمداخلات أخرى، مُشفعة بورشات مسرحية مُتنوّعة تهتمّ بكل من الكتابة، بناء الشخصية المسرحية، الأزياء، وتقنية مسرح البوفون.

وطيلة 4 أيام بلياليها (من 28 أفريل الجاري إلى غرة ماي القادم)، يتواصل عشاق الفن الرابع مع مجموعة من العروض المسرحية والكوريغرافية والتجليات الفرجوية قادمة من 13 دولة عربية وغربية، هي: تونس، الجزائر، ليبيا، السعودية، العراق، الأردن، عمّان، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، روسيا، البرازيل وإيران، مُستعرضة 33 عرضا مسرحيا، تتراوح مدتها بين 45 و80 دقيقة، بالإضافة إلى عروض موسيقية وتراثية وأخرى كوريغرافية وسينمائية وأيام تنشيطية، وذلك أيام الأحد 30 أفريل والاثنين غرة ماي.

ومهرجان 24 ساعة مسرح دون انقطاع بالكاف تأسّس في بداية الألفية على يديْ المخرج المسرحي الأسعد بن عبدالله، ليكون عنوانا لاجتماع أكبر عدد مُمكن من العروض المسرحية والفرجوية من تونس وخارجها في مكان واحد، هو ولاية الكاف؛ عرابة الفن الرابع في تونس، وفي زمن مُحدّد يمتدّ على مدار دورة قمرية كاملة، وهي بادرة استثنائية ورائدة إقليميا ودوليا.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *