بين تصريحات قيس سعيد عن مكافحة الفساد والقرارات الفعلية مساحة من التناقض أو التضارب على الأقل، يجسّدها المرسوم عدد 113 لسنة 2021 الصادر بالرائد الرسمي، والمتعلق بضبط الإجراءات الاستثنائية لإبرام الصفقات العمومية الخاصة بتنظيم القمة الفرنكوفونية، المزمع انعقادها بجزيرة جربة في نوفمبر/تشرين الثاني القادم.
أمر رئاسي قوبل بانتقاد منظمة “أنا يقظ”، التي اعتبرت في بيان رسمي أن الإجراءات الاستثنائية الذي يتضمنها، تفسح المجال أمام الفساد المالي والإداري، وتمس بأهم قواعد الشفافية المتعلقة بطلبات العروض للمؤسسات العمومية.
انتقادات منظمات المجتمع المدني المعنية بالشفافية والحوكمة لمضمون المرسوم الرئاسي، تضاعف بحسب المراقبين الإحراجات السياسية والأخلاقية التي تواجه سعيّد، وتضرب أحد أبرز الشعارات التي يؤسس عليها لمشروعيته السياسية والشعبية، المرتبطة بنظافة اليد ومكافحة الفساد، فكيف لرئيس الجمهورية أن يجابه هذه الظاهرة في الوقت الذي يؤشر فيه على قرارات تفتح الباب أمام إخلالات قانونية وتنظيمية للقمة الفرنكوفونية؟
غياب الشفافية
في تصريح لبوابة تونس أشارت آية الرياحي المستشارة القانونية لدى منظمة “أنا يقظ”، إلى أن الأمر الصادر عن رئاسة الجمهورية المتعلق بالإجراءات الاستثنائية لصفقات القمة الفرنكوفونية تضمن إخلالين أساسيين، يتعلق أهمهما بإمكانية الاعتماد على التفاوض المباشر مع المزودين ومسدي الخدمات، وهوما يتناقض مع مبدأ الشفافية، ويفتح المجال أمام حدوث حالات فساد وتجاوزات، خاصة أن هذه الشراءات والصفقات الضخمة سيقع إبرامها خارج منظومة “تونبس” الإلكترونية، المجعولة لضمان مزيد من الشفافية في الصفقات العمومية.
وبينت آية الرياحي أن اللجوء إلى اعتماد الصفقات عبر نظام التفاوض المباشر، سيمنح اللجنة المكلفة بالتفاوض سلطة تقديرية أوسع، ويجعلها تحت ضغوطات طالبي العروض.
وذكّرت الرياحي باللجنة الوطنية المكلفة بالإشراف على إعداد وتنظيم القمة منذ منتصف 2019، وهي مساحة زمنية تكفي لاستيفاء كل الجوانب التنظيمية بما فيها الصفقات والشراءات العمومية، بحسب الشروط القانونية والإدارية، ولكن التلكؤ والبطء الكبير والبيروقراطية في سير أعمالها يجعلها شريكة في المسؤولية، إلى جانب رئاسة الجمهورية التي أصدرت الأمر.
ونوّهت إلى الآجال التي حددها المرسوم الرئاسي للجان القانونية لمراقبة مشاريع العقود والصفقات، وإبداء رأيها بشأنها، حيث ضبطت في 24 ساعة فقط، وهي مهلة قصيرة وغير كافية للتثبت من مدى قانونية العقود ومطابقتها للمعايير القانونية، والتأكد من شفافية الإجراءات والتزامها بالاحتياجات المطلوبة.
وأضافت آية الرياحي: “رئاسة الجمهورية كان يمكن لها منذ فترة طويلة أن تلعب دورا أفضل في الدفع نحو تسريع مسار التنظيم بالتنسيق مع اللجنة المكلفة بالملف تفاديا لهذه الإشكالات”.
إخلال بمبدأ المساواة بين العارضين
من جانبها نبهت الصحفية والمحللة السياسية منية العرفاوي، إلى أن الصفقات العمومية طالما كانت بؤرة فساد حتى في ظل القانون المعتمد حاليا، وهي معطيات تؤكدها تقارير رقابية عدة، وعمليات رصد قامت بها منظمات المجتمع المدني، ما يجعل إقرار إجراءات خاصة لتسريع مسار الصفقات مدخلا لشبهات كثيرة، مذكّرة بالجدل المثار حول القرارات التي اتخذتها حكومة إلياس الفخفاخ بخصوص بعض صفقات كورونا.
وعبّرت العرفاوي عن موافقتها لمنظمة “أنا يقظ” في مخاوفها، مبيّنة أنه كان من الأولى بقيس سعيّد العمل على تغيير القانون المتعلق بالصفقات العمومية بمرسوم رئاسي، ما يجعله نافذ المفعول في ساعته وتاريخه، بالنظر إلى التحفظات والانتقادات المتعلقة ببنود القانون الحالي الذي يفتح مجالا كبيرا للشبهات.
وأضافت منية العرفاوي: “ما أشارت إليه “أنا يقظ” وجيه جدا، بالنظر إلى ضخامة الحدث المتعلق بالقمة الفرنكوفونية، وتعدد الأطراف المتداخلة في عملية التنظيم والإعداد من وزارات وهيئات وبلديات، ما سيتطلب عقد صفقات كثيرة، وشراءات عمومية بميزانيات هامة للغاية، وبالتالي فإن فتح المجال للتفاوض المباشر على التعاقدات يؤدي إلى الإخلال بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين العارضين والمزودين”.
قصر المهلة المحددة للجان المخصصة لمراجعة قانونية الصفقات والعقود، يمثل إخلالا خطيرا يفضي إلى عدم الشفافية، وصعوبة التأكد والتدقيق من الملفات، وبالتالي زيادة فرضية حدوث حالات فساد.
وأرجعت العرفاوي قرار قيس سعيد الذي وصفته بالخاطئ، إلى الاستعجال الذي طغى على نسق الإعداد للقمة الفرنكوفونية خلال الأشهر الأخيرة، وبشكل خاص منذ 25 جويلية/يوليو الماضي، في محاولة من رئاسة الجمهورية إلى نسب إنجاز عقد القمة وإنجاحها لنفسها كونها الراعي المباشر لها.
وقالت منية العرفاوي: “كان يمكن على الأقل بالتوازي مع هذا الأمر الرئاسي تحديد هيئة مراقبة للعملية مستقلة عن لجنة الصفقات العمومية، على غرار المحكمة الإدارية التي يمكن أن تكون مكلفة بمراقبة كل الإجراءات”.
الخطاب السياسي لرئيس الجمهورية المناهض للفساد يبدو بحسب العرفاوي متناقضا مع تشريعه لإجراءات قد تفتح بابا لإخلالات قانونية، مشيرة إلى أن تصريحات الرئيس بخصوص هذه الظاهرة لم تنزل بعد أكثر من شهر ونصف على أرض الواقع، في غياب خطة واستراتيجية شاملة لمكافحة الفساد، ما يجعلها مجرد عملية انتقائية.
وأشارت منية العرفاوي إلى أن الرئيس بصفته أستاذا للقانون الدستوري، يدرك أن مرسومه حتى وإن جاء بعلة الاستعجال وتسريع الإجراءات، فإنه يتيح الفرصة أمام إمكانية التلاعب، ويمنح الفرصة لمزودين ومقاولين بعينهم للفوز بالعروض، وهو ما يتعارض مع مبدأ المنافسة، ويجعل من تشكيل هيئة تشرف على مراقبة العملية مسألة ضرورية.



أضف تعليقا