ثقافة رأي

هل يمكن اجتراح تفكّر فلسفي عربي مختلف عن السابق والقائم والآخر؟

عبدالسلام الزبيدي 

احتضنت مدينة الثقافة بتونس العاصمة، الخميس 9 ماي، الجلسة الافتتاحية لفعالية “نحو تفكُّر فلسفي عربي جديد”، بعد تأجيل مداه الزمني يعود إلى بدء العدوان الصهيوني على غزّة، بل قلُ على فلسطين والإنسانية وقيمها، وذروتها القيم التي أثمرتها الفلسفة في ذات الدول الداعمة للكيان بتقنيات زراعة الموت والإبادة وبالتأييد السياسي وبازدواجية المعايير والتضليل الإعلامي.

وتستمرّ الفعالية إلى السبت 11 ماي متضمّنة، 4 جلسات علمية يؤثّثها متخصّصون في مجال الفلسفة (حتى نقفز عن جدل الجدارة بوصف الفلاسفة أو المتفلسفين أو الباحثين فيها). والفعالية/المؤتمر من تنظيم “مؤسسة الفكر العربي” و”معهد تونس للفلسفة”، علما أنّ امتدادها الإقليمي مغاربي خماسي (تونس، ليبيا، الجزائر، المغرب، وموريتانيا) وليس ثلاثيّا، وفق ما يسعى إليه بعضٌ من أبنائه من خلال “إحيائه عبر تجزئته”.

وتضمّنت الجلسة الافتتاحية ثلاث مداخلات ومحاضرة. أولى المداخلات كانت للدكتور فتحي التريكي رئيس معهد تونس للفلسفة وصاحب كرسي الإيسيسكو للتفكير في العيش المشترك، والثانية للدكتور هنري العَويط المدير العام لمؤسسة الفكر العربي (مقرّها لبنان)، والثالثة لمدير المكتبة الوطنية الدكتور خالد كشير نيابة عن المكلّف بتسيير وزارة الثقافة منصف بوكثير. أمّا المحاضرة الافتتاحية فقد أمّنها الدكتور محمد محجوب وعنوانها “نهاية المُنعرج ومهمّة المُنثنى: في مهام الفلسفة العربية المُقبلة”.

التريكي: تونس أرض التفلسف بامتياز 

بعد بروتوكولات الترحيب والشكر والثناء، حذّر الدكتور فتحي التريكي رئيس معهد تونس للسياسة من أنّ الفلسفة إذا بقيت سجينة الأكاديميات والمدارس ستندثر وتتبدّد، داعيا إلى ضرورة تجديدها وتحريرها والخروج بها إلى هموم الناس حتّى تتأقلم مع احتياجات مجتمعاتنا ومتطلّبات قضايانا. وتتأكّد هذه المهمة مع ما يشهده العالم من ثورة تكنولوجية ورقمية، فقد آن أوان، وفق صاحب الفلسفة الشريدة، تطوير الفلسفة بمعنييها الأصلي والواقعي.

فالفلسفة لا تقتصر على البعد النظري والميتافيزيقي، بل لها بعد تطبيقي يتمثّل في تشخيص واقع الإنسان ومقتضياته بأدواتها وأجزهتها المفهومية. إنّها ربْط التشخيص المتعلّق بالواقع بإمكانية التغيير والإصلاح بحثا عن سعادة الإنسان القصوى. ومن هذا المنطلق يتساءل التريكي: كيف يمكن للفلسفة أن تكفّ عن نبش جثّتها وتكرار ما قيل حتّى تتمكّن من الحضور والإبداع الممكن.

ومن وضع الفلسفة عند العرب، أشار رئيس معهد تونس للفلسفة إلى الأزمة الكبرى التي تعيشها الحضارة الغربية التي طوّرت تقنيات الموت والحروب والدمار، وانتهجت سبيل الغطرسة المطلقة. وعرّج على الردّ الفلسفي على هذا النهج وذلك من خلال القوْل بالاختلاف والتنوّع ونقد النسق المغلق نظريا وآثاره العملية.

ومن خلال الربط بين الفكر والواقع وبين التنظير والتشخيص، شدّد التريكي على أنّ ما تشهده غزّة اليوم أظهر للعيان آثار تقنيات الإبادة التي دلّت على أنّ هذا العقل الفلسفي المطلق في تمظهره والمُغلق في تصوّراته النظرية والعملية وقيمه المغلوطة، قد فشل إلى حدّ ما في إسعاد البشرية. ودعا رئيس كرسي الإيسيسكو للتفكير في العيش المشترك الفلسفة في عالم الجنوب، إلى أن تعيد النظر في كلّ ذلك دون التضحية بمكتسبات التكنولوجيا والتنوير العقلي، ودون التقهقر إلى الوراء.

إنّ التساؤل عن إمكانية التفكّر الفلسفي العربي بشكل جديد، لا يعني بأيّ حال الانحراف إلى التبرير اللاعقلاني أو اللاإنساني. فالجميع في العالم العربي مقتنعون بالحاجة إلى التفلسف الآن وهنا. ومن عبارة هنا، انبرى الدكتور التريكي في تعداد معالم الفلسفة في المغرب العربي عموما وتونس بالذات، معتبرا تونس أرض التفلسف بامتياز. فالفلسفة في المغرب العربي تتميّز بالدعوة إلى ضرورة تجديد التنوير والتعقّل على أسس التثاقف واحترام كرامة الإنسان.

واعتبر التريكي -صاحب مقولة أنّ تونس أرض التفلسف بامتياز- أنّ الخاصية الأساسية للتفلسف في تونس هي استقلاليتها وابتعادها عن الأيديولوجي، ومحاولة انصهارها في البعد الكوني باستعمال آليات فلسفية بحتة، إضافةً إلى تنوّع مواضيعها وحرصها على بناء حوارات متواصلة مع فلاسفة العالم العربي.

العَويط: من أجل أن نبلغ سنّ الرشد  

استهلُ الدكتور هنري العويط مداخلته بالتعريف بمؤسسة الفكر العربي التي يرأسها الأمير خالد الفيصل، وعدّد بعض مشاريعها وإصداراتها ذات الصلة بالفلسفة، كاشفا أنّ العدوان الغاشم على غزّة كان وراء تأجيل الفعالية المقرّرة في الأصل في نوفمبر 2023.

وبيّن الحرص على تنظيم ملتقى “نحو تفكرّ فلسفي عربي جديد” في المغرب العربي عموما وتونس بالتحديد تقديرا لما تمّت معاينته في هذه المنطقة من إرهاصات وبواكير ما تزال تجلّياته الواعدة بصدد الظهور والبروز.

واعتبر المدير العام لمؤسسة الفكر العربي أنّ تنظيم الملتقى بالشراكة مع معهد تونس للفلسفة ووزارة الثقافة التونسية، دليل على الحرص على الخروج بالفلسفة من أبراجها الجامعية إلى المعيش اليومي.

وتشكّل الدعوة إلى تجديد التفكّر العربي الفلسفي أحد ثوابت المؤسسة وفعالياتها.

لن يتيسّر التغلّب ممّا نعانيه من تخلّف، ولن نحقّق النهضة الشاملة والتنمية المستدامة، إلّا بتجديد بُنانا العقلية ومناهج تفكيرنا وتطوير مناهجنا التربوية وأنظمتنا السياسية وإعادة النظر في نظرياتنا الاقتصادية، ذلك ما أكدّه العويط.

والتفكّر الفلسفي العربي الجديد هو سبيلنا لإعادة النظر في ما نحن فيه واجتراح بدائل تنتشلنا من أزماتنا.

إنّ الضرورة تدعونا إلى اجتراح تفكّر فلسفي جديد يواكب المتغيّرات والمستجدّات ويستجيب لمقتضياتها.

وذاك ما دعا المؤسسة إلى تنظيم الفعالية في خضم سيل من التساؤلات على غرار: هل نحن اليوم بحاجة إلى التفلسف؟ وهل نحن بحاجة إلى تفكّر فلسفي جديد؟ وهل نحن قادرون على اجتراح مثل هذا التفكّر؟ وذاك ما سيحاول المحاضرون الإجابة عنه على مدى أيّام ثلاثة، ويكون الختام بإطلاق كتاب “العرب والحراك الفلسفي اليوم”.

ونوّه الدكتور هنري العَويط إلى أنّ عبارة الجديد تحيل إلى علاقة ضدّية ثلاثية الأطراف. فالمقصود بالجديد زمنيا الاختلاف عن السلف أي التراث، والمقصود ثانيا المختلف عن الآخر، وثالثا المختلف عمّا هو قائم ودائم ومتداول في أوساطنا.

وأضاف أنّ عبارة نحو الواردة في عنوان الفعاليّة إعلان صريح ومباشر يشير إلى أنّ التفكّر الذي نُدعى إلى اجتراحه ليس منجزا ولا مكتملا، بل غاية يتعيّن السعي الدؤوب إلى بلوغها عبر مسيرة تكاملية وتراكمية.

وختم العويط مداخلته بالاستناد والاستنجاد بمقولة لإبمانويل كانط ذكر فيها أنّ أسهل الأمور هي أن يظلّ المرء قاصرا، أمّا أصعبها فهي أن يبلغ سنّ الرشد. وبلوغ هذه السنّ يعني في ما يعنيه الاعتماد على العقل وحده.

ليخلص إلى القول بأنّه ما أحوجنا في العالم العربي إلى الانعتاق من قيود التقليد والوصاية، وإلى مقاومة إغواءات الكسل حتّى نُعمل فكرنا وحرّيتنا وننال استقلالنا، وذلك حتّى نُثبت لأنفسنا أنّنا بلغنا سنّ الرشد.

محجوب: كلّ ثقافة تطرح أسئلة صياغتها القصوى من شأن الفلسفة

وكانت المحاضرة الافتتاحية للدكتور محمد أبو هاشم محجوب بعنوان “نهاية المنعرج ومهمّة المُنثنى: في مهام الفلسفة العربية المقبلة”.

فقد اختار المحاضر عنوانا غير تقليدي، والعبارة له، نابشا في الدلالات اللغوية للمنعرج والمنثنى، ومراوحا بين التمثيل الحسّي للانتقال والتنقّل في الدروب المنبسطة وذات الانعراجات، وبين تمثّل ذلك الحراك بين الداخل الإنساني والخارج بما هو عالم محسوس ومعيش.

فكان الحديث عن الثنْيُ والطيُّ والإفراد والسير والانعراج، وكان التأويل لندرك دلالات معنى أن نتفلسف اليوم من خلال البحث عن معاني الانثناءات والمنعرجات وما تفترضانه من مواضع ومقامات ممهّدة ولاحقة وربّما معاكسة.

تفلسفٌ لا يعني السير في المنعرج حسيّا أو متابعة الانثناءات والطيّات واقعيّا، وإنّما تمثّل تلك الصور في فرادتها وتنوّعها معيشا داخليّا للوعي وآخر خارجيا..

وليعذرني الدكتور محجوب وكلّ القرّاء على ما يُحتمل من خيانة لما قال وقصد، فالنقل قد يُشوّش.

وأشار الدكتور محجوب إلى أنّ الفلسفة تفرض علينا كثرة الأنماط التي تتعلّل بأنّ الفكر قد غيّر وجهته في ما يسمّى منعرجات ومنعطفات معدّدا بعضها (اللساني، الإستيطيقي، الأنثروبولوجي، الجندري..)، ملاحظا أنّها، أي الفلسفة، لا تنتظر منّا الانخراط كأنّنا استوفينا السابق.

واليوم نطرح سؤالا عن إمكانية تفكّر فلسفي عربي جديد، وهو سؤال ليس من المعهود أن تطرحه الفلسفات، فهل يمكن الحديث عن تفكّر فلسفي ألماني جديد أو فرنسي جديد؟ لكن رغم ذلك، يشدّد الدكتور محجوب على ضرورة إدراك أنّ الفلسفة العربية قد تعقّلت هذا السؤال بصياغات مختلفة أحصى بعضها على غرار تبرير المتفلسف نفسه بعد أن استوفى تعلّم الفلسفة المنقولة إليه، وتحوّله إلى صياغة الأسئلة التي تطرحها الواجهات الأخرى (المنعرجات).

إنّ المشهد العربي الفلسفي اليوم، حسب الدكتور محمد محجوب، هو مشهد لأصداء ومرايا لا نجد لها أيّ انغراس تنتمي إليها الكيانات القيمية والثقافية.

لقد أصبحت الفلسفة غير منتمية إلى أيّ إشكالية، ولا تطرح أسئلة تخاطب الإنسانية، فالحدث هو الذي صار الفكرة، من ذلك ما يجري في غزّة وقبلها موجات الهجرة والموت.

فما هو الخطاب الفلسفي الذي صاحب غزّة أو الهجرة الإنسانية على إيقاع الموت؟ والمروّع هو أن تصير إنسانية أحداثا لا يصاحبها تفكير، إنّها إنسانية كارثة، وفق توصيف المحاضر. ليخلص إلى القول إنّ كلّ ثقافة تطرح أسئلة صياغتها القصوى من شأن الفلسفة.

وردّا على سؤال: ما هو التفكير الفلسفي العربي الجديد؟ يؤكّد محجوب إنّه التفكير الذي ينتخب من أحداث وخطابات ثقافية ليستشكل حاضرنا ومستقبلنا، وهو خطاب تأويلي بالضرورة على مقتضى الطرح الفلسفي، وذاك مطلوب صناعتنا. إنّ الفلسفة هي أن نعود إلى النفس لنثنيَ من معين لغتها وتركتها وتجاربها ما لم يُنطَق لأنّه لم يُستنطَق.

فإذا كانت تلك هي الفلسفة، فما هو الفيلسوف؟ سؤالٌ الإجابة المباشرة عنه صعبة بشهادة أفلاطون الذي أبقى وجه الفيلسوف في محاورة السفسطائي دون ملامح، وبشهادة ابن رشد كذلك الذي أسدل على الفيلسوف حجاب التقيّة.

ورغم تلك الالتواءات يمكن إحصاء وجوه ثلاثة للفيلسوف وهي أن يكون مفكّرا ومعلّما ومترجما.

وبين التعلّم والترجمة تبرز مهمّة خلق السياق بما هو خلق أنفسنا. ولا تقف هذه المهمة عند ملاءمة النص للنص بل ملاءمة العالم للنص.. وعالم النص هو ما تنشئه الكتابة الفلسفية حتى يصبح النص مناسبا لسياق ملائم.