عبدالسلام الزبيدي
تفتقر تونس اليوم إلى استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي، وهي مسألة تجعلنا خلف عدد من الدول العربية خاصة الخليجية منها التي سارعت واستبقت ورسمت وخططت واقتحمت. وها هي تحصد بعضا من جميل استشرافها إنجازات جديرة باقتلاع التقدير، وأكثر من ذلك الإعجاب. ومن يطّلع على مجريات الأمور، يعلم يقينا أنّنا في أمسّ الحاجة إلى تدارك التأخير، وأنّ الادّعاء بأنّنا نصنع التاريخ شُهُوقًا وصعودا، لا معنى له في هذا المجال.
لسنا في وارد التطرّق إلى أسباب غياب هذه الاستراتيجية الوطنية الشاملة باعتبارها ضرورة حضارية متعدّدة الأبعاد لا اختيارا أو ترفا سياسيا توشّح به السلطة صدرها بمنجز تفاخري. إذ نكتفي في هذا المقام بالإشارة والتنبيه، على أن تكون لنا عودة لتفصيل القول. وكلّ ما نرجوه هو أن تحزم السلطة التنفيذية أمرها بدءا برئيس الجمهورية المسؤول وحده عن ضبط السياسات العامة للدولة بحكم الدستور، مرورا برئاسة الحكومة المكلفة دستوريا بالتنسيق والتنفيذ والمتابعة، ووصولا إلى الوزارات كلّ في ما يدخل في اختصاصها، مع تأكيد وزارات التكنولوجيا والتعليم العالي والصناعة والتربية والمرأة.
حتى لا يبقى أطفالنا فريسة للمنصّات
في عالم الذكاء الاصطناعي والمعلوماتية ينبغي أن يكون العمل الحكومي أفقيا لتداخل العوامل المؤثّرة في كلّ قطاع أو مسألة. ولذلك فإنّ تركيزنا في هذا المقال على شأن الطفولة لا يعني أنّ الخطاب موجّه إلى وزارة المرأة والطفولة وكبار السنّ أسماء الجابري (أدرك أنّ عديد القراء يجهلون أسماء جلّ الوزراء لأسباب معلومة عموما)، بل هو رسالة إلى كلّ من له نصيب في السلطة التنفيذية من ناحية المسؤولية السياسية، وإلى كل الفاعلين علميا وبحثِيّا وتكنولوجيًّا وصناعيّا وعملا جمعياتيا.
في غياب استراتيجية وطنية شاملة للذكاء الاصطناعي وأضيف له المعلوماتية، من “الطبيعي” أن يبقى أطفالنا فريسة منّصات التواصل الاجتماعي التي تشكّل عقولهم وتضبط سلوكهم، وتقولب أذواقهم، وتجعلهم لا يروْن إلاّ ما تريهم الخوارزميات، ولا يعلمون إلاّ ظاهرا من قوْل البيانات.
وعبارة ” الطبيعي” ليست بأيّ حال من الأحوال تبريرا للواقع، وإنّما بمعنى أنّ ذلك استتباعا طبيعيّا لغفلة سياسية ترتقي إلى غفلة حضارية بكلّ ما للكلمة من معاني ودلالات. فأطفال اليوم يتشكّلون في فضاء لا علاقة له بالمحددات الحضارية القُطْرية التونسية من مخططات تربوية ومناهج ووسائل تأطير وتوجيه بل وموجهات تحفيز على الإبداع.
إنّهم يسبحون في عوالم افتراضية تسمّى اجتماعية وهو تضليل تسويقي. ويسبّحون بما تفرزه من مواد وتطبيقات ومنصات أهدافها الحقيقية التوجيه والسيطرة والقولبة. أطفالنا اليوم، هم ضحايانا لعجزنا عن توفير مناخ ملائم لأن يكونوا من صنع أيدينا واصطناعا لاستراتيجيتنا وسياساتنا وخططنا، وتركناهم فريسة الخوارزميات والبيانات الوافدة من غرب العالم وشرقه، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية والصين.
من يتحدّث عن السيادة، عليه أن يفتح هذا الباب على مصراعية. فلا معنى للسيادة وعقولنا تتشكّل عبر المنصات والمحركات والتطبيقات التي تغذيها بيانات لا يمتلك منها العرب إلاّ 0,5 %، وبواسطة خوارزميات لا يعلم المختصون علميا وتقنيا في استخدامها إلى أين تسير بنا، فما بالك بمن دونهم مكانة علمية. والأمر يغدو أكثر أهمية عندما يكون متعلقا بالأطفال.
حتى لا نفقد أطفالنا ومفهوم الطفولة
من السهل أن يعترض البعض، بأنّ المسألة تتجاوز قدرة هذا البلد أو ذاك وممكناته، وأنّ الكلّ في الهمّ شرق والضرر كوني وليس إقليميا أو قطريّا، وهو يشمل كلّ الأعمار والفئات والشرائح. والردّ واضح وبسيط، إدراك المخاطر يعتبر دافعا للفعل بل وللتعجيل فيه مهما كانت الصعوبات، فضلا عن أنّ من يعترف بأنّ انتهاك السيادة في معناها الشامل ويرضى بها، فأوْلى به أن يصمت عن التغنّي بها. وعليه، فإنّ من استتباعات التمسّك بالقول السيادي مواجهة هذا الخطر الداهم بل الخطر الماثل والجاثم علينا ببصيرة معرفية وتكنولوجية وليس بالشقشقة اللفظية.
أثمر جهد المركز التونسي للدراسات الاستراتيجية الراجع بالنظر إلى رئاسة الجمهورية التونسية دراسة أعدّها مختصون في مجالات مختلفة عنوانها “الذكاء الاصطناعي رافعة للدور الاجتماعي للدولة”. ورغم تثمين المنجز، فإنّه لم يول عناية خاصة للأطفال مكتفيا بمجالات الفلاحة والتربية والطاقة والصحة والنقل فضلا عن الأخلاقيات. صحيح، أنّ التربية تهتم أساسا بالتلميذ الطفل، لكن التمدرس تعلّما ومضامين ومناهج وآليات وتقييمات ليست هي المقصودة عندنا بالاهتمام بالطفولة، وحمايتها من الاستعمار الخوارزمي ومن طوفان البيانات.
وغير خاف عن المتتبعين السياسات التي ما فتئت بعض الدول تتّبعها في هذا المجال، من ذلك أستراليا التي حظرت منذ ديسمبر 2025 استخدام منصات التواصل الاجتماعي على المستخدمين دون السادسة عشر، ودخلت في نزاع من المنصات الاجتماعية ومالكيها، فضلا عن اعتمادها حلولا تقنية سيادية للتعرّف على الأطفال دون مسّ بالمعطيات الشخصية وتحميل الأولياء مسؤوليات متعددة الأوجه.
كما اقتحمت فرنسا المجال التشريعي لمنع استعمال الأطفال دون سن الخامسة عشرة وسائل التواصل وتحديد فترة حظر استعمال ليلي للمنصات لمن سنّهم بين 15 و18، إضافة إلى منع الهاتف في المؤسسات التعليمية. وبغض النظر عن الدوافع السياسية والاقتصادية والثقافية المحضة في علاقة بالولايات المتحدة الأمريكية والصين، فإنّ مثل هذه الخطوة غدت ضرورية لإنقاذ ما ينبغي إنقاذه من الطفولة. فالخطر لا يشمل الأطفال فقط، بل الطفولة في ذاتها.
ماذا يمكن لتونس أن تفعل تجاه عمالقة الشركات ذات المال المتداول المحصى بالتريليونات؟ هل هي قادرة على الوقوف في وجه الصين والولايات المتحدة؟ أمام عجز دول كبرى بما فيها الولايات المتحدة نفسها في الحدّ من الآثار والضبط، كيف نحمّل بلادنا ما لا طاقة لها به؟
أسئلة تبدو مشروعة ومعقولة، لكنّها عندي ليست أكثر من دوافع حقيقية للتعجيل باستراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي والمعلوماتية، ولرسم سياسة خاصة بالأطفال في هذا المجال بعيدا عن الفتات الذي نراه والمتمثل في التوعية وتحميل الأولياء المسؤولية والزجر القانوني اللاحق للأفعال المجرّمة. إنّه فُتات لا يُغني ولا يُسمن ولا يحفظ الأطفال ولا يحمي السيادة.
هذه مصافحة أولى تحتاج كلّ جملة فيها إلى تفصيل، يحدوني عزم على أن أستكمله في المستقبل القريب.


أضف تعليقا