رأي

هل سيبقى الاتحاد الأوروبي وفيّا لإعلان شومان؟

محمد بشير ساسي

قبل ثلاثة وسبعين عاما وتحديدا في قصر فرساي بالعاصمة باريس، قال وزير الخارجية الفرنسي روبرت شومان، إنّ أوروبا لن تُصنع دفعة واحدة، ولا وفقا لخُطَّة عامة واحدة، بل ستُبنى من خلال إنجازات ملموسة تخلق أولا تضامنا واقعيّا.

إعلان شومان

في ذلك اليوم الذي صادف التاسع من مايو من العام 1950، تمّ تأسيس المجموعة الأوروبية للفحم والصلب – ضمت في البداية كلّا من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وبلجيكا ولوكسمبوغ – وهو ما سيُعرف بإعلان شومان الذي ستنبثق عنه فيما بعد المجموعة الأوروبية التي هي نواة الاتحاد الأوروبي الذي نراه اليوم.

فلا غرابة إذن من تخليد “إعلان شومان” باسم “يوم أوروبا”، بعد أن حوّل مشروع الأب الروحي للاتحاد الأوروبي القارة العجوز من فضاء للحروب الدامية والصراعات المدمرة التي لا تنتهي، إلى أكبر تكتّل اقتصادي في العالم يضم 27 دولة بعملة موحّدة وبرلمان موحّد.

وبالفعل، أثبتت رؤية شومان صوابها بتحقيق نتائج اقتصاديّة مبهرة وتعزيز التعاون والتنسيق الاقتصادي بين الدول الأوروبية، والأهم من ذلك تجنيب القارة العجوز ويلات حرب جديدة، وسيكون العامل الاقتصادي حاسما في تشكيل السوق الأوروبية الموحّدة والتوقيع على اتفاقية روما في عام 1958، ثم بعد ذلك وضع القانون الأوروبي الموحّد سنة 1985، وأخيرا التوقيع على معاهدة ماستريخت سنة 1992 التي تعتبر محطة الانطلاق الحقيقية للاتحاد الأوروبي، هذا الاتحاد الذي أبهر العالم بقدرته على الاندماج وخلق عملة موحدة، واقترب من تشكيل جيش أوروبي موحّد، وساهم في تحقيق إقلاع اقتصادي حقيقي في عدد من الدول الأعضاء.

لكن رغم ما يروّج بأن الاتحاد الأوروبي ظل نموذجا عمليّا واعدا للتعاون الإقليمي في مواجهة الأزمات الداخلية والخارجية، غير أنه تعرّض في العقد الأخير لهزّات عنيفة وضربات موجعة أفرزت نوعا من الهواجس بخصوص قدرة “التكتّل” على التماسك والصمود أمام تحديات خطيرة قد تعصف بكل ما تم بناؤه منذ عقود…

عوائق هيكليّة

ممّا لا شك فيه، أن الاتحاد الأوروبي يمرّ حالياً بمنعطف خطير فيما يتعلّق بقدرته على مواجهة تحدّيات الوقت الراهن، فالظروف الحالية  لم تَعُد كما كانت عليه عام 1993، عندما دخلت اتفاقية ماستريخت المؤسسة للاتحاد حيز النفاذ، وفي هذا الصدد يمكن ربط تحديات الاتحاد الأوروبية بالعوائق التالية:

– غياب قيادة قويّة وموحّدة: لا شك أنّ أحد التحديات الرئيسية التي يواجهها الاتحاد الأوروبي، هو الافتقار إلى قيادة وإدارة واحدة، حيث انعكس ذلك منذ حوالي عقد من الزمان خلال أزمة الديون السيادية اليونانية التي وضعت الاتحاد في موقف صعب، وأثّرت في تكامله الاقتصادي.

وظهر انقسام أوروبي واضح في ظل هذه الأزمة بين الدول القوية اقتصاديّا وماليّا، وعلى رأسها ألمانيا، وبين الدول المتأخّرة التي تعاني من مشكلات اقتصادية كالديون وتباطؤ النمو وارتفاع معدّلات البطالة.

وأعلنت ألمانيا القائدة للمشروع الأوروبي أنها ترفض تحمّل الأعباء الاقتصادية والتبعات الناتجة عن الأزمة للحفاظ على الاتحاد الأوروبي ووحدة اليورو.

– صعود اليمين المتطرّف: أدَّت الأزمات المتتالية للاتحاد إلى صعود التيارات الشعبويّة، سواء عن طريق وصولها إلى الحكم (إيطاليا، المجر، وبولندا وصربيا)، أو تمدُّد نفوذها في المعارضة (فرنسا وألمانيا)، فضلاً عن انبعاث الحركات القوميّة والنزعات الهوياتيّة. وفي مقابل التيارات المتشككة في هذا الاندماج وصعود قوتها، فإن داعمي الاتحاد الأوروبي اتجهوا إلى سياسة المراجعة ودعوات الإصلاح بغية احتواء هذا النهج المتصاعد، سواء داخليّا في كل دولة أو على مستوى الاتحاد نفسه.

– خروج بريطانيا من الاتحاد: يُعتبر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي “بريكست” في 23 يونيو 2021، واحدا من الأزمات التي واجهت الطرفين كون المملكة المتحدة كانت عضوا أساسيّا في الفضاء الإقليمي وقوة عظمى على المستوى الدولي.

ويرى مؤيدو البريكست أنه تمّ التخلّص من مشروع ألماني فرنسي محكوم عليه بالفشل أصابه الركود بينما تتقدم الولايات المتحدة والصين وروسيا، للسيطرة على العالم. في حين يرى معارضوه أنه سيُضعف دور الغرب وسيؤثّر على دور بريطانيا العالمي.

لكن اليوم وبعد مرور أكثر من عامين على الخروج، تشير استطلاعات الرأي أن %60 من سكان البلد و%80 من الأشخاص الذين تقلّ أعمارهم عن 25 عاما، يؤيّدون باستمرار العودة إلى الاتحاد الأوروبي بسبب  تدهور اقتصادهم وتضاؤل قدرتهم على التأثير خارجيا والتحكُّم في حدود بلادهم.

 وأكد نزول مئات البريطانيين إلى شوارع العاصمة لندن ملوّحين بأعلام الاتحاد الأوروبي ورافعين لافتات تحت عناوين كُتب عليها “طريق الانضمام مجدّدا للاتحاد الأوروبي تبدأ من هنا” و“انضموا مجدّدا وابتهجوا”، في إشارة قوية إلى حنينهم للعودة إلى أحضان الأسرة القارية.

هواجس داخلية

يتابع الرأي العام الأوروبي التطوّرات الدراماتيكية على الساحة القارية بكلّ تفاصيلها التي دفعت بالكثيرين المحسوبين على التيارات التقدّمية إلى رفع أصواتهم في المنابر السياسية والإعلامية للتعامل مع ملفّات في غاية الحساسية: 

– تداعيات الحرب الأوكرانية: تفرض الحرب الروسية الأوكرانية حقائق جديدة على القارة الأوروبية، وتضع الأوروبيين في موضع شك في مدى جدوى مشروعهم الاندماجي، فقد وضع “النزاع المسلح” الحرب مسألة  الأمن الأوروبي على رأس أولويات دول الاتحاد، وعاد يراود فكر الساسة الأوروبيين كيفية تحقيق الحدّ الأدنى من المتطلّبات المعيشيّة، وعلى رأسها ضمان أمن واستقلال دولهم.

كما أبرزت الحرب الأوكرانية انقساما كبيرا بين دول الاتحاد الأوروبى الـ (27)، ما يصعب معه الخروج بسياسة خارجيّة وأمنيّة موحّدة له، فعلى الرغم من إجماع دول الاتحاد على إدانة العملية العسكرية الروسية فى أوكرانيا فور بدايتها في 24 فبراير 2022، فإن هناك بعض الدول رفضت فرض العقوبات الاقتصادية على موسكو ومنها المجر، كما رفضت (النمسا، سويسرا، بلغاريا) تنفيذ قرار الاتحاد بطرد الدبلوماسيّين الروس، ورفضت فرنسا والمجر دعوة دول شرق أوروبا (بولندا، أيرلندا، إستونيا، لاتفيا، ليتوانيا، ألمانيا) بحظر استيراد الوقود النووي الروسي لأنهما تعتمدان عليه بشكل كلي.

– ضعف القدرات العسكرية والأمنية: إن استمرار القتال في أوكرانيا وعدم قدرة أيّ طرف على الحسم، أثبت أن سياسة المساعدات الإنسانية والمالية والعسكرية التي يُقدِّمها الاتحاد لكييف لم تَعُد كافية لإثبات نجاعة  الدعم على حساب الانخراط المباشر، وأنه رغم عدم عضوية أوكرانيا في الاتحاد، فإنها تُمثّل درسا وعبرة لعدم قدرة الاتحاد على حسم التهديدات الوجودية.

كما كشفت الحرب عن ضعف كبير وفجوة هائلة في القدرات الدفاعيّة الأوروبيّة مقارنة بنظيرتها الروسية والأمريكية، ما دفع المستشار الألماني “أولاف شولتس” للإعلان في خطابه الشهير يوم 27 فبراير 2022 أمام برلمان بلاده عن تخصيص مبلغ 100 مليار يورو لدعم الجيش الألماني.

كما أعلن الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون يوم 20 يناير 2023 زيادة الإنفاق الدفاعي لبلاده ليصل إلى 400 مليار يورو العام المقبل لبناء جيش قوي يواجه التحدّيات الأمنية بعد الحرب الأوكرانية، وكذلك دعا “ماكرون” منتصف عام 2022 لتطوير صناعة الدفاع الأوروبية لتصبح “أقوى بكثير وأكثر تطلّبا”، وذلك في ظل زيادات متوقّعة في موازنات الدفاع الأوروبيّة لمواجهة التهديدات الروسية للأمن الأوروبي بعد الحرب الأوكرانية.

– تصاعد التوترات الإقليمية: رغم تراجع حدّة التوتر على الحدود بين كوسوفا وصربيا، فقد ظلت مخاوف اندلاع حرب في البلقان قائمة لتكشف عن الهوّة السحيقة التي تفصل بين الألبان والصرب، وصعوبة تحقيق مصالحة في الإقليم الصربي السابق، بعد أعوام على توقّف المعارك.

 ولا تزال صربيا، بدعم من حليفتيها روسيا والصين، ترفض الاعتراف باستقلال كوسوفو المعلن في 2008، بعد حرب دامية خلال التسعينيات بين القوات الصربية والمتمردين الألبان، انتهت بتدخّل من حلف شمال الأطلسي ضد بلغراد.

صراع آخر بين أذربيجان وأرمينيا وإن حسمت باكو جولته منذ اللحظات الأولى من بدء عمليتها العسكرية لتبسط سيطرتها الكاملة على إقليم ناغورني قره باغ، فإن ذلك لم يهدّئ من خواطر الاتحاد الأوروبي الذي وقّع اتفاقا لمضاعفة واردات الغاز الطبيعي من أذربيجان، حيث يسعى الاتحاد لكسر قبضة موسكو على إمدادات الطاقة، وسط مواجهات بشأن الغزو الروسي لأوكرانيا.

لكن مع تغيّر الموقف الروسي من الصراع في السنوات الأخيرة، يمكن بموسكو الدخول على خط الاتفاق “الأوروبي – الأذري” والتأثير على موقف أذربيجان – الطريق البري الرئيسي لروسيا إلى الجنوب – التي أصبحت شريكا أكثر أهمية من أرمينيا حليفتها المسيحية التقليدية في المنطقة بعد تغيير يريفان موقفها وتحالفها مع الغرب، خاصة الولايات المتحدة.

  – تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية: شهدت دول الاتحاد الأوروبي واحدة من أسوأ أزماتها الاقتصادية منذ نشأته، بعد توقّف تدفّق الغاز والنفط الروسي الذي كانت تعتمد عليه الاقتصادات الأوروبية، فضلا عن أزمة الغذاء ونقص السلع والمحاصيل الاستراتيجية، ما أدى إلى ارتفاع أسعارها وارتفاع معدّلات التضخم والبطالة مقابل تراجع معدلات التشغيل، ومن المتوقّع تراجع الاقتصاد الألماني عام 2023 لينكمش الناتج الإجمالى للبلاد بنسبة (0.7-1.4%) وسط ارتفاع معدّلات البطالة والإفلاس، ما يضيف المزيد من الأعباء عليها.

وكذلك تشهد فرنسا وبريطانيا اضطرابات مستمرة احتجاجا على ارتفاع الأسعار، ما أسفر عن أزمات اجتماعية عقب الإضرابات المتعددة ولاسيما بين العاملين في قطاعي الصحة والنقل، في ظل توقعات بتراجع النمو الاقتصادي الأوروبي العام الحالي، ما يمثّل المزيد من الأعباء الاقتصادية على الدول الرئيسية بالاتحاد، ولاسيما في ظل المساعدات العسكرية والاقتصادية المكثفة التي تقدّمها لأوكرانيا.

    – الهجرة غير النظامية: تثير هذه الظاهرة مخاوف كبيرة في

أروقة السياسية الأوروبية، لكونها أعقد المشاكل التي يواجهها التكتّل الأوروبي، حتى أنه ينظر إليها أكبر من أزمة خروج

بريطانيا، ويمكن أن تكون قوة تفكّك الاتحاد تفكيك الاتحاد الأوروبي [AM1] وفق تصريح مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل.

وعزا المسؤول الأوروبي ذلك إلى الاختلافات الثقافية والسياسية العميقة داخل الاتحاد الأوروبي وعجزها على المدى الطويل عن التوصّل إلى سياسة مشتركة، إذ إن بعض الدول تتبع (النمط الياباني)، ولا تريد الاختلاط ولا المهاجرين ولا قبول أشخاص من الخارج.

– تداعيات جائحة كورونا: أظهرت جائحة كورونا أن حريّة انتقال الأفراد بين دول الاتحاد لم تُترجَم إلى نقل إمكانات مجابهة الجائحة بصورة فعَّالة أثناء وصول أعداد الوفيات إلى الذروة؛ فرغبةً منها في حصر انتشار الوباء، فضَّلت الدول الأكثر نجاحا في مواجهة الجائحة “ألمانيا مثلاً”، تشديد قيود الحركة على مساعدة الدول الأكثر تضررا (مثل إيطاليا وفرنسا) من منطق الشراكة والمصير الأوروبي المشترك. وقد أثارت هذه الخيارات الشكوك حول وجود إيمان حقيقي بالمشروع الأوروبي من الناحية الوجدانيّة والعقائديّة.

استمرار البناء

معلوم أنه خلال فترات الأزمات، تدخل الدول والتجمّعات السياسية والاقتصادية في مرحلة مراجعات لديناميكيات عملها وسلسلة تحالفاتها، بل ربما لسبب وجودها وماهيتها.

ومن المقرر أن تناقش القمة الأوروبية في إسبانيا يومي

يومي و6 أكتوبر الحالي على طاولتها عدّة ملفّات مهمة أبرزها 

توسعة عضوية الاتحاد باقتراح من رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال، وذلك للمرة الثامنة منذ تأسيسه، والأولى منذ التوسعة الأخيرة عندما انضمت إليه كرواتيا قبل عشر سنوات.

والواقع أن رئيس المجلس الأوروبي لا يملك الصلاحية ليتخذ وحده مثل هذا القرار الأساسي، خصوصا أنه سبق أن قال بنفسه إن الأمر لا يقتصر على تحديد جدول زمني للتوسّع، بل يقتضي استيفاء الشروط اللازمة من لدن الدول المرشّحة، وأن تكون الدول الأعضاء جاهزة للموافقة على زيادة عدد أعضاء النادي الأوروبي (27 دولة).

وتتمتع دول حاليّا بوضع مرشّح رسمي للعضوية في الاتحاد الأوروبي، وهي تركيا وأوكرانيا ومولدوفا وألبانيا والبوسنة والهرسك والجبل الأسود ومقدونيا الشمالية وصربيا، في حين أن هناك دولتين مرشّحتين محتملتين هما جورجيا وكوسوفو.

خلاصة القول يقف الاتحاد الأوروبي أمام خيارات ملحّة للإصلاح في ظلّ التعقيدات الراهنة والأزمات المتعدّدة التي ستُحدّد خلال السنوات القادمة مدى قوة التكتّل في التعامل مع فضائه المضطرب، وترتيب الأولويات لمواجهة التحدّيات في ظل التحوُّلات الجوهريّة في النظامين الإقليمي والدولي.

وحتى وإن تواجه هذه الأطروحات إشكالات، فإن طريق الاتحاد يقتضي عدم الرجوع إلى الوراء ويفرض الاستمرار في البناء وتعزيز القيم التي تجمع بين الأوروبيين، بالإضافة إلى الخيارات التي ستحدد مستقبل الاتحاد الأوروبي مثلما أشار لذلك

الرئيس الأسبق للمفوضية الأوروبية رومانو برودي على أوروبا في كتابه “أوروبا الحلم والخيارات” الذي يُعتبر بمثابة وثيقة موجزة ومكثفة حول التحديات الكبيرة التي تواجه أوروبا وشعوبها في القرن الحادي والعشرين.