هل سحب “البودكاست” البساط عن البرامج الحوارية الإذاعية والتلفزيونية؟

هل سحب "البودكاست" البساط عن البرامج الحوارية الإذاعية والتلفزيونية؟

صابر بن عامر

بلغة الأرقام بات البودكاست في تونس ظاهرة إعلامية تفوّقت بل وسحبت البساط عن الحوارات الفنية والثقافية في الإذاعات والتلفزيونات.

عدديا تقول الأرقام إنّ تونس سجّلت خلال السنوات الأربع الأخيرة بروز أكثر من 250 بودكاست تُصنّف ضمن 5 قطاعات: إعلام بديل، وإعلام استقصائي، وبودكاست متخّصص في الحريات الحقوقية، وآخر في القضايا الاجتماعية وخامس ثقافي.

ويرى محلّلون أنّ الإقبال المتزايد يعكس حاجات الجمهور لمثل هذا الصنف من الإعلام الإلكتروني، فالبودكاست يقدّم السرد والتعمق والتفاصيل التي يعجز عنها الإعلام التقليدي، وهو مساحة لمناقشة مواضيع مسكوت عنها أو لا تُطرح بعمق كافٍ في المنصات الكلاسيكية.

بوابة تونس فتحت ملف البودكاست في تونس، وطرحت على الصحفيين والفاعلين الثقافيين أكثر من سؤال، أولها، هل غيّر البودكاست المشهد؟ وهل ترى فيه بديلا عن الإعلام التقليدي، وأخيرا هل ترى فيه نفسك؟ فكان هذا التحقيق.

حافظ الشتيوي: الوافد الرقمي كسر ديكتاتورية الوقت الفاصلة بين الإشهارات

وفي الخصوص يقول الصحفي حافظ الشتيوي: “تسلّل “البودكاست” بصمت ليخلق إعلاما بديلا في تونس، ساحبا من الإعلام التقليدي أثمن ما يملك: “العمق، الرصانة، وجاذبية الفكرة”، مدعوما بترسانة من المؤشرات الرقمية”. ويضيف: “رغم أنّ برامج الـ”توك شو” التلفزيونية تعيش خريفها بعد هجرة الفئة الشبابية (15-35 سنة) نحو منصات يوتيوب وسبوتيفاي وتيك توك، إلّا أنّ البودكاست لم يسحب بساط “الجمهور العام” بالكامل؛ بل انتزع حصريا “الحوارات الدسمة” الثقافية، الحقوقية والاستقصائية، تاركا الشاشات الكلاسيكية غارقة في مستنقع الصراخ والجدال العقيم اللاهث خلف “البوز”.

ويوضّح: “لقد أحدث الوافد الرقمي ثورة هيكلية ومضمونية؛ فكسر “ديكتاتورية الوقت” الفاصلة بين الإشهارات، وأعاد صياغة مفهوم النجومية؛ فلم يعد المنشط أو “الكرونيكار” المشاكس هو نجم الحلقة، بل صانع المحتوى الذي يقدّم إنتاجا رصينا”.

ومع ذلك، يقرّ الشتيوي: “يظل البودكاست إعلاما مكمّلا وبديلا في آن واحد؛ هو بديل في المساحات الحرة والملفات الجريئة التي تخنقها الرقابة الكلاسيكية، لكنه ليس بديلا مطلقا. فالإعلام التقليدي ما زال يحتكر سلاح “الآنية” والبث المباشر للأحداث العاجلة، والوصول الفوري للجمهور العريض، في وقت يصطدم فيه البودكاست التونسي بجدار معضلته الكبرى: “التمويل والاستمرارية”.. إنها مرحلة تعايش مشوّق بين إعلام يبحث عن البقاء، ومستقبل يفرض نفسه بقوة الفكرة”.

وعن شخصه وتجربته يختم حافظ الشتيوي تصريحه لبوابة تونس، بقوله: “شخصيا كانت لي بعض التجارب في إعداد وتقديم البرامج الثقافية، وكذلك في الإشراف على ورشات للبودكاست بنادي الصحافة للطلبة،  والتي أعتزّ بها سواء في الإعداد أو في التقديم، وكنت أجد متعة في اختيار المواضيع ومحاورة الضيوف أو اختيار من يحاور الضيوف، وكنت أسعى كذلك إلى الوقوف على المونتاج إلى حين بث الحلقة، وهي تجربة رائعة ومختلفة عن التلفزيون”.

أسماء بن دالي: البودكاست لم يلغ الإعلام التقليدي إنما مكمّلا له

بدورها ترى المُستشارة في البيداغوجيا الحديثة والكاتبة أسماء بن دالي أنّ البودكاست غيّر فعلا المشهد الإعلامي في تونس، “لأنّه أصبح مساحة حقيقية للتحليل النقدي والتعمّق في المواضيع بطريقة لا يتيحها أحيانا الإعلام التقليدي السريع”، وفق تقديرها.

كما تعتبره “منح الفرصة لأصوات جديدة ولمحتويات متخصّصة في الثقافة والصحة والقضايا الاجتماعية والسياسية”، وهو توجّه تراه مهما جدا في المرحلة القادمة.

لكن في المقابل، تلاحظ صاحبة كتاب “الضياع.. محنة الفراغ” الناطق باللغة الفرنسية أنّ جزءًا كبيرًا من الجمهور لم يعد يستهلك الحلقات كاملة، بل يكتفي بمقاطع قصيرة أو  “Reels” لا تتجاوز دقيقة واحدة، وهو ما قد يؤدّي أحيانا إلى فهم ناقص أو منحرف عن الفكرة الأصلية.

لذلك ترى أنّ “التحدّي اليوم ليس فقط في إنتاج المحتوى، بل أيضا في طريقة استهلاكه”.

ومع ذلك، لا تعتقد بن دالي أنّ البودكاست ألغى الإعلام التقليدي، بل أصبح مكمّلا له، فكل وسيلة تمتلك نقاط قوة مختلفة، ويمكن أن تدعم الأخرى بدل أن تلغيها، وفق تصريحها لبوابة تونس.

وهي ترى أيضا أنّ هذا التطوّر يفرض على الصحفيين والإعلاميين تكوينا أكثر في الإعلام الرقمي وتقنيات السرد الجديدة، لأنّ ما نراه اليوم يعتمد كثيرا على مجهودات الهواة رغم النجاح الكبير الذي تحققه بعض التجارب.

وتختم أسماء بن دالي تصريحها لبوابة تونس بقولها: “أرى أنّ مستقبل الإعلام سيكون لمن يجمع بين المهنية والحرية والقدرة على مخاطبة الجمهور بلغة عميقة وقريبة منه في الوقت ذاته”.

فيصل العويني: النزوع نحو الفردانية والنفور من المشاهدة الجماعية أنعش البودكاست

أما الصحفي فيصل العويني فقد أكّد أنّ انتشار البودكاست في تونس والعالم، هو قطعا ظاهرة جلية من حيث تزايد أعداده، ويشمل البودكاست مواضيع مختلفة منها الثقافي والاجتماعي والسياسي والرياضي والطبي.

وأضاف: “كان التحوّل من الإعلام التقليدي إلى البودكاست سببه البحث عن منصات جديدة تقترح بدائل مختلفة، وتقدّم حوارات بمساحات أكثر تحرّرا وجرأة في طرح الأسئلة وفي تقديم الأجوبة، كما أنّ الإطار التقني الذي يقدّم فيه البودسكات لا يتطلب ميزانيات ضخمة عكس الحوار في الإعلام التقليدي”.

وفي السياق، يقول: “والتحوّل نلاحظه حتى صلب الإعلام التقليدي، وذلك باعتماده البودكاست في بعض البرامج، سيما في الإعلام التلفزيوني والإذاعي التونسي والأجنبي”.

ووفق تقديره، يشكّل البودكاست نمطا إعلاميا مختلفا ولد في سياق التحوّل الرقمي والتكنولوجي والنزوع نحو الفردانية والنفور من المشاهدة الجماعية للمنتوج الإعلامي.

نزعة فردانية، يقول عنها العويني: “وجدت ضالتها في محمل إعلامي جديد يتحدّث لغة المشاهد، ويتيح له فرصة التفاعل عبر التعليقات بكل حرية، وبالتالي فإنّ البودكاست صنع للمشاهد بديلا عن الإعلام التقليدي”.

في المقابل، وعكس سابقيه لا يرى فيصل العويني نفسه في بعض برامج البودكاست، مبرّرا ذلك بقوله: “باعتبار أنّ جزءًا من المشرفين عليه يعملون وفق قاعدة ما يطلبه المشاهدون، وهو ما يعتبره أمرا خطيرا، وفق اصريحه لبوابة تونس.

راوية مرموش: البودكاست يتيح للمتلقي اختيار الوقت المناسب للمتابعة

وغير بعيد عمّا أقرّه محاورينا السابقين ترى المخرجة التلفزيونية والسينمائية راوية مرموش أنّ البودكاست غيّر المشهد الإعلامي بشكل واضح في السنوات الأخيرة.

وعن تجربتها الشخصية تقول: “لم أعد أتابع البرامج الحوارية التلفزيونية كما كنت في السابق، بينما أستمع إلى العديد من حلقات البودكاست لساعات طويلة دون أن أشعر بالملل”.

وهي ترى في هذا النوع من المحتوى يمنح مساحة أكبر للنقاش والتعمق في المواضيع، بعيدا عن ضيق الوقت الذي يفرضه التلفزيون أو الإذاعة التقليدية.

كما أنّ البودكاست -والكلام دائما لمرموش- يتيح للمتلقي اختيار الوقت المناسب للاستماع وأحيانا المشاهدة، سواء أثناء العمل أو القيادة أو ممارسة الرياضة.

وتتابع: “وهذا ما يجعله أكثر مرونة وقربا من حياة الناس اليومية، إضافة إلى ذلك، يتميّز البودكاست بالبساطة والحرية في طرح المواضيع، ممّا يجذب جمهورا يبحث عن محتوى مختلف وأكثر عمقا”.

ومع ذلك تقرّ مخرجة مسلسل “وادي الباي” أنه ورغم نجاح برامج البودكاست في تونس، إلاّ أنها تجزم أنه لن يُلغي الإعلام التقليدي نهائيا، بل سيجبره على التطوّر ومواكبة التغيرات الجديدة.

وتختم مخرجة فيلم “الفيرمة” تصريحها لبوابة تونس، بقولها: في رأيي، إنّ مستقبل الإعلام سيكون أكثر اعتمادا على المحتوى الصوتي، لذلك أرى أنّ الراديو والبودكاست سيحافظان على مكانة مهمة في السنوات القادمة، خاصة لدى الأجيال الشابة التي تفضل المحتوى الرقمي والمرن”.

محمد سفينة: البودكاست يبقى نمطا إعلاميا “مترفا” عكس الإعلام التقليدي

وفي تعريفه بالبودكاست يقول الصحفي محمد سفينة: “هو برنامج يبث عبر الإنترنت يمكن الاستماع إليه في أيّ وقت ومن أيّ مكان باستعمال الهاتف أو الحاسوب، لكنه لا يرتبط بموعد بث محدّد، ومن هناك فهو صنف نمط جديد من الإعلام  مرتبط بالطفرة الجديدة للتطوّر الإلكتروني، وهو بذلك يمثل إضافة نوعية في المشهد الإعلامي”.

لكنه -الكلام دائما لسفينة- لا يمكن أن يحلّ محلّ الإعلام التقليدي على الأقل في هذه الفترة لاختلاف التوجهات، حيث أنّ الإعلام التقليدي يظل أكثر قربا من الأحداث ومرتبطا بها سواء منها السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية، فيما يبقى البودكاست نمطا إعلاميا “مترفا” يصاغ على مهل خارج إطار السبق والسباق من أجل الظفر بالمعلومة.

ورغم ذلك، لا ينكر محمد سفينة أنّ البودكاست مثّل نقلة نوعية في المشهد الإعلامي، باعتباره نمطا جديدا بمقاييس وتقنيات جديدة.

وهو يرى أنّ كل صحفي يبقى معنيا بهذا النمط الإعلامي الجديد الذي يشترط ذكاء الصحفي، وسعة معارفه، وحسن إدارته للحوار لشدّ المشاهد أو المستمع، خاصة وأنّ المغريات في الفضاء الافتراضي كثيرة ومتنوّعة، وفق تقديره.

عفاف مليك: إيقاع المتلقي في فخّ الدمغجة أخطر تهديدات البوداكست

وعلى غرار محمد سفينة وراوية مرموش ترى الصحفية والإعلامية عفاف مليك أنّ المشهد الإعلامي السمعي البصري، سيما التقليدي منه، تغيّر برمّته في تونس، سواء على مستوى الكيف أو الكم.

وتضيف: “في مجمله لم يعد يحاكي تطلعات المتلقي في ما يخصّ نقل الواقع اليومي، وأصبح عدد كبير منه يعيش في عالم موازي، تتّسع فيه الهوة كل يوم بين ما ينتظر منه من نقل للقضايا اليومية كغلاء المعيشة ومشاكل البنية التحتية، وبين ما يطرحه من برامج لبيع أدوات الطبخ والملابس ومواد التجميل.. أو البرامج الترفيهية التي يقدّمها في غالب الأحيان منشطون يفتقرون إلى التكوين الأكاديمي وغير مشبعين بالثقافة العامة الكافية، فيجد المشاهد أو المستمع نفسه أمام محتوى خاو من المعلومات المفيدة”.

إعلام، وصّفته مليك، باللاهث وراء نسب المشاهدة حتى  يكسب ثقة المستشهرين ليضمن بقاءه، فخسر في المقابل ثقة المتابعين.

وضعية مهّدت الطريق للتونسيين -كما هو الأمر في العديد من البلدان- لتقبّل فكرة ما يعرف اليوم “بالبرودكاست“ الذي أغرق وسائل التواصل الاجتماعي بمواضع مختلفة، موجّهة إلى كل الأنماط والأعمار، وفق مليك.

وتنسب الصحفية التونسية نجاح بعض برامج البودكاست إلى تمكنّها من معرفة ما يحتاجه المتلقي في ما يتعلق بالغوص في المسائل المسكوت عنها، سيما المواضيع الحارقة والحينية دون قيود.

وتضيف: “ففي أيّ مكان أو زمان عبر الهاتف الجوال تجد بسهولة مواضيع متنوّعة”.

وهي ترى “في الظاهر أيّ مقارنة سترجح كفة البرودكاست على حساب الإعلام التقليدي، في حين أنّ الموضوع أخطر ممّا يبدو بكثير”، وفق تقديرها.

وتفسّر: “الإعلام العمومي مهما كان مستوى ما يقدّمه خاضع بالضرورة للرقابة، وحتى إن لم يكن مفيدا فهو ليس بخطير، في حين أنّ وسائل التواصل الاجتماعي مفتوحة للجميع والرقابة تقتصر على نقاط معينة، لكنها لا تراقب مستوى المحاورين ولا حالتهم النفسية ولا مرجعياتهم وأهدافهم”.

وتخلص عفاف في نهاية تصريحها لبوابة تونس أنه “إذا لم يمتلك المتلقي حدا أدنى من الوعي لاختيار الجيد من الرث، فمن الممكن أن يقع في فخ الدمغجة والتلقي السلبي لمعلومات مغلوطة عبر برامج لا يمتلك مقدّموها سوى الكاريزما مع ديكور راقي، ليتمكّنوا من سلب العقول وكسب الثقة العمياء لمن ثقافته محدودة، مع تمرير رسائل سلبية للأطفال والشباب، وهو أخطر ما في بعض برامج البودكاست التي اكتسحت المشهد في تونس وخارجها”.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *