هل تحول اتفاقية ترحيل المهاجرين غير النظاميين تونس إلى شرطي لحدود إيطاليا؟
tunigate post cover
تونس

هل تحول اتفاقية ترحيل المهاجرين غير النظاميين تونس إلى شرطي لحدود إيطاليا؟

عمليات ترحيل المهاجرين غير النظاميين من إيطاليا إلى تونس تكشف الستار عن اتفاقية مقايضة بالمساعدات الاقتصادية ... فهل تحولت تونس إلى حارس مأجور لسواحل أوروبا ؟
2021-11-30 15:17

يشير تصاعد نسق عمليات ترحيل المهاجرين غير النظاميين وتواترها من إيطاليا باتجاه تونس خلال الأسابيع الأخيرة، إلى تنسيق كامل ما بين الجانبين يتجاوز مجرد الإطار الأمني لاستلام المرحلين والتعامل معهم، نحو ترتيبات متكاملة سياسية وتنظيمية ترتبط بهذا الملف.

ما لا يقل عن 3 رحلات أسبوعية بدأت المطارات التونسية وخاصة مطار طبرقة في استقبالها، محملة بعشرات المرحلين من المهاجرين غير النظاميين من التونسيين بالدرجة الأولى، إلى جانب بعض الجنسيات الإفريقية الأخرى، وسط ظروف مزرية ومعاملة سيئة تفتقد إلى أبسط المعايير الحقوقية حسب ما كشفه النائب بمجلس نواب الشعب مجدي الكرباعي في تدوينات نشرها على صفحته الخاصة بفيسبوك.

معطيات قد تؤكد التخمينات والتسريبات التي تتحدث عن تفعيل اتفاقية غير معلنة بين تونس وإيطاليا لترحيل المهاجرين غير النظاميين، وإلزام تونس باستقبالهم في مقابل حزمة من المساعدات المالية.

حارس مأجور لحدود إيطاليا وسواحلها

تكشف هذه الاتفاقية غير المعلنة عن تخلي إيطاليا الواضح على غرار مثيلاتها من الأقطار الأوروبية، عن مسؤولياتها الأخلاقية والإنسانية والقانونية تجاه ملف المهاجرين غير النظاميين، وإلقاء العبء برمته على دول جنوب المتوسط، وهو ما يفسر حسب المراقبين جانبا من الضغوط السياسية الإيطالية التي مورست على تونس منذ العام الماضي في هذا السياق.

ووفق معلومات رسمية توصل إليها تحقيق صحفي إيطالي ونقلها النائب التونسي، فقد قدمت روما مساعدات بقيمة 8 ملايين يورو لتونس من إجمالي حزمة مالية تقدر بـ 30 مليون يورو في الفترة ما بين 2021 و 2023 بهدف التصدي للهجرة غير النظامية، وهو ما يكشف عن جانب خفي من الاتفاقية التي تجعل من الجانب التونسي مجرد حارس مأجور لحدود إيطاليا وسواحلها.

وبينما تسدل السلطات التونسية ستارا من الصمت والتعتيم على الاتفاقية ومضمونها، تبدي الجهات الحقوقية والمتابعون لقضايا الهجرة تخوفات حقيقية من تبعات هذه السياسة على الصعيد القانوني، وانعكاساتها على صورة بلادنا في الأوساط الحقوقية والإنسانية، ما قد ينتهي بتصنيفها ضمن قائمة الدول التي تشكل خطرا على المهاجرين.

وجهة لترحيل المهاجرين

في حديثها لبوابة تونس، ترى الكاتبة الصحفية المختصة في قضايا الهجرة أمل الصامت أن فتح تونس مطاراتها لقبول المهاجرين المرحلين من إيطاليا، يتناقض مع كل المواثيق الدولية وحقوق الإنسان، ويكشف عن تحولها إلى “مجرد شرطة حدود للدولة الإيطالية”.

وأشارت الصامت إلى أن انخراط تونس في تنفيذ السياسات الإيطالية الموجهة ضد المهاجرين غير النظاميين يبين غياب أية مقاربة سياسية ووطنية لمعالجة هذه المعضلة، والاكتفاء بتحولها إلى وجهة لإعادة إرسال المهجرين المرحلين.

وبينت أمل الصامت أن ظاهرة الهجرة غير النظامية ترتبط بالواقع الاقتصادي والاجتماعي المتدهور سواء في تونس أو في غيرها من بلدان القارة السمراء، ما يدفع آلاف الشباب إلى الهروب من هذا الواقع، متسائلة “كيف تقبل تونس بإعادتهم إلى الوضع الذي أجبروا على الفرار منه في ظل غياب أدنى الحقوق والظروف الملائمة للحياة الكريمة؟”.

 وأضافت محدثتنا “لا أرى أي مبرر لقبولنا بإعادة هؤلاء المهاجرين بهذه الشاكلة وهذه الترتيبات، في ظل الاتفاقيات الدولية التي تقر جملة من الضمانات والحقوق لفائدتهم والتي تتعمد الحكومة الإيطالية تجاهلها”.

المقايضة بالمساعدات المالية

وتعليقا على مضمون اتفاقية ترحيل المهاجرين غير النظاميين وصفت أمل الصامت مضمونها بالمقايضة مقابل المال، معتبرة أن سياسة الرئيس قيس سعيد أصبحت تنتهج منطق مقايضة المواقف والاتفاقيات والالتزامات مقابل المال.

وتطرقت الصامت في هذا السياق إلى الانتقادات التي تتعرض لها تونس على خلفية تعاملها مع المهاجرين واللاجئين الذين يصلون إليها، وتقصير المؤسسات الرسمية في مساعدتهم ورعايتهم وتوفير ظروف إدماجهم، وهي مهام باتت تتكفل بها منظمات المجتمع المدني، مضيفة “إذا كانت الدولة لا تقوم بواجبها تجاه المهاجرين غير النظاميين على أرضها فماذا تنتظر منها بالنسبة إلى المرحلين من الأراضي الإيطالية؟”.

وترى الكاتبة الصحفية التونسية المختصة في قضايا الهجرة أن هذه السياسة التي تنتهجها تونس تمهد لتنفيذ المشروع الذي رفضه الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي قبل سنوات، والذي يهدف إلى تحويل تونس إلى قاعدة استراتيجية بالمتوسط لتجميع المهاجرين غير النظاميين بمراكز احتجاز وإقامات جماعية، وفق ما وصفته باتفاق مقايضة أو تبادل نافع ومصالح يمكن إيطاليا من التخلص من عبئ المهاجرين غير النظاميين، في مقابل مساعدات اقتصادية وتسهيلات للحصول على قروض من الهيئات المالية الدولية على غرار صندوق النقد الدولي.

هذه الترتيبات والاتفاقيات على حساب قضايا المهاجرين تشكل مسا خطيرا بالسيادة الوطنية وفق محدثتنا، باعتبار أنها تفتح الباب أمام الجانب الإيطالي للتدخل في قراراتنا وفرض الشروط والابتزاز وتوظيف ورقة المساعدات المالية ومسائل أخرى مثل ملف التأشيرة.

انتهاك لمبدئ حماية المهاجرين  

من جهة تتفق نهلة الحبشي المديرة التنفيذية للمعهد العربي لحقوق الإنسان مع المخاوف المثارة بشأن اتفاقية ترحيل المهاجرين غير النظاميين، التي تكرس محاولة إيطالية للتنصل من مسؤوليتها وتحميل تونس كل التبعات القانونية والأخلاقية.

وذكرت الحبشي بأن الحكومة التونسية ملزمة بمقتضى معاهدات دولية بعدم تعريض المهاجرين واللاجئين للخطر، وهو ما يتعارض بشكل صارخ مع الترتيبات الحالية مع إيطاليا لترحيلهم.

وعبرت محدثتنا عن معارضتها لهذا الإجراء من منطق حقوقي، باعتباره يمثل انتهاكا لحقوق هذه الفئات من الأشخاص نظرا لأن أدفاق الهجرة غير النظامية غالبا ما تكون مختلطة وتضم طالبي اللجوء لأسباب سياسية أو إنسانية واقتصادية، ما يجعل من ترحيلهم بمثابة الإجراء التعسفي.

وقالت نهلة الحبشي “يفترض أننا كدولة مطالبون بالتعامل مع المنظمات والهيئات التي تعنى بهذه الفئات من المهاجرين وطالبي اللجوء، إلى جانب نصوص المعاهدات الدولية التي تنص على منحهم الحماية، في حين أن تونس تقوم بإعادتهم بشكل عشوائي دون تمييز أو فرز للحالات ما يمثل خرقا فاضحا للقانون الدولي”

وبشأن التكهنات المثارة عن تفعيل قاعدة تجميع المهاجرين المرحلين من أوروبا، استبعدت الحبشي إمكانية تنفيذ المشروع الذي رفض رسميا خلال عهدة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي المقترح، نتيجة افتقاد بلادنا للإمكانيات المادية واللوجستية الضخمة التي يتطلبها هذا المخطط، إلى جانب مسألة المعارضة التي يقابل بها من منظمات المجتمع المدني والقوى الحقوقية.

بالمقابل أبدت محدثتنا مخاوفها من تحول قضية ترحيل المهاجرين من إيطاليا إلى منطلق لتسييس ملف الهجرة غير النظامية وتوظيفه “كأداة للمقايضة مع الجهات الأوروبية مقابل المساعدات الاقتصادية”. 

إيطاليا#
اتفاقية ترحيل المهاجرين غير النظاميين#
المعاهدات الدولية#
تونس#
حماية طالبي اللجوء#

عناوين أخرى