رأي عرب

هجوم برّي محتمل.. من استراتيجية “جز العشب” إلى وهم الحسم

أنيس العرقوبي

تحت أنظار العالم، يحشد الاحتلال الإسرائيلي قواته على أسوار قطاع غزة المحاصر  استعدادا لهجوم بري محتمل يهدف من خلاله إلى “اجتثاث” جذور المقاومة  حسب زعم قادة من الكيان الذين أكّدوا ضرورة الثأر لهجوم الـ7 من أكتوبر الجاري.

وردّا على عملية طوفان الأقصى، سارع  رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتوعد حركة حماس “بالسحق والتدمير”، فيما تواصل قواته استهداف القطاع عن طريق القصف الجوي ما أسفر عن ارتقاء 5791 شهيدا، منهم 2360 طفلا و1292 امرأة، و217 مسنا، وإصابة 16297 آخرين.

وإلى الآن، تشن القوات الإسرائيلية غارات جوّية على غزة استهدفت مبانيَ آهلة بالسكان ومدارس ومحطات المياه في خطوة وصفت بأنها تمهيد لعمليات تهجير قسرية من أجل إجبار سكان غزة (2.2 مليون نسمة) على التوجه إلى الجنوب وذلك بعد أن أصدر  الاحتلال دعوات إلى إخلاء المنازل.

من جز العشب إلى وهم الحسم

رغم إعلان الاحتلال الإسرائيلي تأجيل عمليته البرّية المرتقبة -استجابة لضغط الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية- إلى حين الإفراج عن الرهائن المحتجزين لدى المقاومة والمقدر عددهم بـ222، يبدو أنّ الكيان ماض في ترتيب اجتياح بري كبير يستهدف حركة حماس والفصائل المقاومة الأخرى في القطاع.

وتشير تقارير دولية إلى أن الاحتلال يعتزم تجاوز كل الحدود التي رسمها لنفسه قبل تاريخ 7 أكتوبر الجاري أي أنه سيحاول تغيير استراتيجيته المعهودة في التعامل مع فصائل المقاومة من “جز العشب” إلى الحسم النهائي.

واعتاد الاحتلال منذ 2007 على شنّ عمليات عسكرية برّية محدودة عبر التوغل في قطاع غزة مع استباقه بقصف جوي واسع النطاق موجه إلى ما يقول إنّه مقدرات وتمركزات حيوية للفصائل المقاومة، وهذه العمليات كان القصد منها ضرب قدرة المقاومة وتحجيمها، أي أن الاحتلال يهدف من ورائها إلى احتواء الصراع مخافة دخوله في مغامرة لا يمكن التنبؤ بعواقبها.

وتركزت العمليات العسكرية السابقة داخل غزة على اغتيال قادة المقاومة واستهداف الأنفاق والبنى التحتية قصد تضييق الخناق على حماس ودفعها إلى التفكير في إعادة إعمار القطاع بدلا من بناء قوة قادرة على تهديد الأمن الإسرائيلي.

وجزّ العشب يعني تقليم أظافر المقاومة دون اقتلاعها، فالاحتلال لا يريد حكم غزة  التي تعد من أكثر بقاع الأرض اكتظاظا والمتاخمة لسيناء المصرية، أي أن درجة المخاطر ستكون عالية وذلك في حال لم تهيّئ بديلا يحكم تلك المنطقة.

اجتياح بري

لا تتجاوز الخيارات المتاحة حاليا أمام الكيان، الخطوتين، لكلتيْهما ثمن لا يمكن تقديره قبل خوض غمار الحرب المحتملة.

الخيار الأول يتركّز أساسا في بدء عملية برية شاملة وواسعة النطاق لم يعتد الاحتلال  خوضها خاصة مع تطوّر القدرات القتالية لفصائل المقاومة، وهذه العملية التي يروج لها الكيان -بأنها قد تكون أكثر دراماتيكية- لا تستهدف حماس والجهاد فقط، بل ترمي إلى ردع حزب الله اللبناني ومن ورائه إيران.

وسيخوض الكيان هذه الحرب وهو يعلم أن أطوارها قد تكون صعبة وشاقة وطويلة الأمد فيما ستكون تكلفتها باهظة، لكنه في المقابل يريد أن يثأر لصورته في الداخل والخارج بعد أن مرغت المقاومة أنفه في التراب في عملية مباغتة وصادمة في آن واحد.

ويعوّل الاحتلال في هذه الحرب على الدعم الأمريكي والغربي منقطع النظير لوجستيا (عتاد وعدة) ومعنويا (تصريحات الدعم والتضامن)، لذلك ترمي قيادات الكيان -رغم تلكئها- إلى خوض المغامرة من أجل بدء عملية “تطهير” واسعة تهدف إلى تصفية قادة الحركة وإزاحة حماس عن الحكم في غزة، إضافة إلى التأكد من عدم حصول الفلسطينيين على أسلحة قادرة على تهديد الكيان.

وتقول تقارير إعلامية من داخل الكيان إن هذا الخيار  بات يقلق قيادات الاحتلال بعد تأخره، مشيرين إلى أنّ الهزيمة قد تكون الضربة القاضية التي ستفتح جبهات تهدد الوجود الإسرائيلي في المنطقة.

بدورها، تضع تقارير دولية في الحسبان قدرة المقاومة على إدارة معارك الشوارع واستخدام تكتيكات الحروب الدفاعية ما يقلل من شأن الهجمات الإسرائيلية في القطاع، مؤكدة صعوبة الحسم في الطرف الأقوى حيث تبقى نتائج الحروب في ميادين القتال مرتبطة بدهاء القادة العسكريين وما يستخدمونه من تكتيكات قتالية، يمكن أن تقلب موازين القوى.

وتقول هذه التقارير إن الأنفاق ستُشكل جزءًا حيويا من استراتيجية حماس القتالية، مشيرة إلى أنّ المجندين الإسرائيليين سيواجهون مقاتلي المقاومة داخل منطقة حضرية مكتظة بالسكان ما يعني أنّ الخطط العسكرية ستسقط على أرض المعركة وبالتالي سنشهد إعادة سيناريوهات مثيلة للعراق وأفغانستان وحتى أوكرانيا.

ولا يملك الكيان الإسرائيلي في هذه الحالة سوى خيارين أيضا، فإما أن يدمر جميع المباني في قطاع غزة أو يخوض معركة طويلة الأمد مع أشباح المقاومة الذين يجيدون المراوغة والترصد والتفخيخ.


وفي سياق القراءات المتعددة للهجوم البري المحتمل، يؤكد مراقبون أنّه “بغض النظر عن مدى نجاح العملية في هزيمة حماس قوة عسكرية تدير القطاع، فإن الضرورة السياسية ودعم السكان للمقاومة سيستمران”، ما يعني أن عملية الاحتلال لن تجلب المنفعة للإسرائيليين بقدر ما ستعيد ترتيب الأوراق للفلسطينيين.


ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أنّ المقاومة أمر وجودي في قطاع غزة وأن سكان تلك المنطقة على درجة عالية من التكيف مع الأحداث لاعتبارات أهمها إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية عن قيادة المقاومة في فلسطين والمحافظة على جذوتها.

عملية محدودة

الخيار الثاني، هو التوجه نحو عملية برية محدودة قائمة على توغل قوات الاحتلال في قطاع غزة جزئيا كما حدث في 2012 حينما حشد الكيان 57 ألف مجند من قوات الاحتياط ونشر قوات برية على طول حدود غزة، لكن الغزو البري لم يحدث مطلقا.

هذا الخيار قد تدعمه الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وسط تصاعد التحذيرات من توسع دائرة الصراع إقليميا.
وتؤكد وكالات أنباء عالمية أن إحدى الأولويات الأمريكية تتمثل في إتاحة مزيد من الوقت للمفاوضات بشأن إطلاق سراح الرهائن الذين أسرتهم حماس خلال هجومها، خصوصا بعد الإفراج غير المتوقع عن أسيرتين أمريكيتين.

وكان وزير الدفاع لويد أوستن شدد خلال العديد من المكالمات الهاتفية مع نظيره الإسرائيلي على ضرورة الاستعداد للتأثيرات غير المباشرة للهجوم البري والتي تتضمن مخاطر اتساع نطاق الصراع في المنطقة ومصير الرهائن والأزمة الإنسانية.

ومع أن خيار العملية البرية المحدودة في  القطاع يخالف دعوات الداخل الجريح الذي يبحث عن الانتقام والتشفي، يبقى التوغل في أجزاء غزة أسهل الأمرين بالنسبة إلى القيادات وعلى رأسها نتنياهو الذي يبحث عن خروج آمن من المأزق.

وتقول تقارير من داخل الكيان، إن هذا الخيار يطرح بشدة في الدوائر الضيقة لسلطة الاحتلال إذ أنّ الاجتياح البري الشامل يتطلب خططا وتحضيرا وهذا الأمر لم يستعد له الكيان، إضافة إلى أنّه لا يملك إلى الآن بديلا لما بعد الهجوم البري.

وتشير التقارير ذاتها إلى أنّ المقاومة التي باغتت الاحتلال في عملية غير مسبوقة قد وضعت في حساباتها ردا إسرائيليا واسع النطاق وتتوقع منه شنّ هجوم بري، وبالتالي فإنها أخذت جميع الاحتياطات ووضعت الخطط اللازمة للتحرك دون عوائق، ونصبت الأكمنة للقوات الإسرائيلية أثناء تحركها في غزة.

من جهة أخرى، يعلم الاحتلال الإسرائيلي أن الاجتياح البري الشامل لا يمكنه دحر المقاومة في غزة لاعتبارات جغرافية أهمها غياب المناطق المحيطة بالقطاع التي من الممكن أن يتوجه إليها مقاتلو حماس خاصة مع توجس الجانب المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي.

قد تبدو تكلفة الحرب مشطة لسكان غزة الذين يرزحون تحت الحصار منذ عام 2007 وقد تكون الخسائر البشرية هي الأكبر في تاريخ الصراعات بين المحتل والمقاومة في القطاع، إلا أن هزيمة المحتل أنكى في كلا الحالتين.

فمنذ الـ7 من أكتوبر الجاري، مني الكيان الإسرائيلي بهزائم مذلة؛ الأولى نفسية ناجمة عن الصدمة التي أحدثها هجوم المقاومة المباغت والثانية في عدد القتلى من جانبه، أما الثالثة فهو بصدد تلقيها إذا هم بالهجوم الشامل أو رضي بعملية محدودة، فكلاهما سيحملان له الخيبة.