ها أَنَا ذَا الرئيس الذي كنتم توعدون!!!
tunigate post cover
رأي

ها أَنَا ذَا الرئيس الذي كنتم توعدون!!!

الكثير ممّن اصطفوا بالأمس القريب وراء رؤية الرئيس، اختاروا اليوم الالتحاق بجوقة الأصوات الغاضبة من مسار يجنح نحو منعرج المجهول
2022-06-03 19:55

يوما بعد يوم تكبُر كرة الثلج في تونس ويضيقُ البلد بأهله بعد أن خاب ظن الكثيرين بوطن يتّسعُ للجميع لا منتصر فيه سوى “الشعب ” الذي راهن على ثورة تهبه ما كان محروما منه ومحرّما عليه.

 اليوم يتضح جليا أن التونسيين لم يتقدّموا قيدَ أُنملة نحوَ ما كانوا يصبون إليه في وقت خرج فيه المشهد عن السيطرة بسبب الصّداع الدستوري والقانوني المؤلم في رأس الطبقة السياسية على خلفية مشروع وضع أسسه الرئيس قيس سعيّد غير مكترث بمواقف الأحزاب، مما أثار المخاوف من العودة إلى الاستبداد وحقبة ما قبل يناير 2011 .

وحتى من اصطفوا بالأمس القريب وراء رؤية الرئيس، اختاروا اليوم التغريد خارج سرب قرطاج بل وفضّل طيف كبير منهم الالتحاق بجوقة الأصوات الغاضبة من مسار يجنح شيئا فشيئا نحو منعرج المجهول.

التغول السياسي

فالصدام بين سعيّد وحزام المعارضة بلغ ذروته هذه الأيام لكون مشروع إعادة هندسة المجال السياسي اختزل الرئيس في صورة الحاكم المنكبّ على ترسيخ حكم الفرد الواحد واغتيال الديمقراطية ضاربا عرض الحائط بالدستور والمشرعين والقضاء والنظام الانتخابي والإعلام، وظلّ من معبده “قصر قرطاج” يهاجم خصومه متهما إياهم ببيع ذممهم والاستقواء بالأجنبي ويتوعّدهم باستفتاء 25 يوليو المقبل الذي سيُنقذ البلاد ويحفظ مصالح الشعب ويترجم إرادته وفق رؤيته.

آخر فصول تغوّله وفرض إرادته تحت شعار “من أجل الشعب والــــواجــــب الــشــعــبــي”، أعاد سعيّد استباحة حرمة المؤسسة القضائية، فبعد حلّه المجلس الأعلى للقضاء واستبداله بآخر مؤقت، نفّذ الرئيس في عتمة اللّيل ما سماها بعملية التطهيرّ باعفاء 57 قاضيا من مناصبهم دون محاكمة معتمدًا سياسة تشهير ظلت تمارس بشكل واضح قبل ذلك على خصومه مـن السياسيين، وهي في الواقع ضربة استباقية حذرت منها “جبهة الخلاص الوطني” لأنها زجّ مفتعل بالقضاء في مغامرة إيقاف قيادات الصف الأول المعروفة بمعارضتها للانقلاب.

اتساع جبهة الداخل 

خطوة تبدو مدروسة في توقيت دقيق تدور فيه معركة إسـقـاط الاسـتـفـتـاء في الـدسـتـور الجديد المرتقب، لكن الذي يجب أن يدركه الرئيس سعيّد ومن تبعه أن الجبهة السياسية التي أعلنت مرحلة نضالية ضد المشروع الشعبوي الساعي إلى تدمير الدولة، آخذة في الاتساع والتأثير على الرأي العام في مستوياته المؤسساتية والمدنية والشعبية.

الاتحاد العام التونسي للشغل أحد اللاعبين الرئيسيين في البلاد، تناغم بدوره تكتيكيا مع جبهة الخلاص الوطني وتخندق في الجبهة الرافضة المشاركة في الحوار الوطني الذي اقترحه الرئيس للإعداد لتأسيس “جمهورية جديدة”، معتبرا إياه “شكليا” يقصي القوى المدنية والسياسية في البلاد.

فمعركة المنظمة الثقيلة بتاريخها والتي قالت إنها تتعرّض للاستهداف، فرضت التّصعيد على الرئيس محمّلة إياه مسؤولية بروز مؤشرات خطيرة جدا على الممارسة الديمقراطية وعلى السلم الاجتماعي، كما رفعت المنظمة سقف تهديداتها بالدعوة  إلى إضراب وطني في 16 من الشهر الحالي احتجاجا على إصلاحات حكومية مقترحة بينها تجميد الأجور، في تصعيد قد يعيق جهود الحكومة للتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي.

عيون الخارج

الجبهة الخارجية بدورها ظلت متربصة بكل خطوة يخطوها الرئيس على طريق تقويض المؤسسات الديمقراطية وتعزيز حكم الرجل الواحد مثلما عبر عنه المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس على خلفية عزل عشرات القضاة ، ومن قبله لجنة البندقية  حين اصطدم بها سعيّد وطالب أعضاءها بمغادرة البلاد لانتقادها توجّهه بإجراء الاستفتاء على دستور جديد..

وفي كل مرة يتجرّأ الرئيس على الوقوف أمام كلّ الرياح العاتية التي تهبّ عليه من الداخل والخارج وهو يرفع بيده حجّة “سيادة تونس لا تقبل الوصاية والمساومة”، أما اليد الثانية فتعبث بتجربة كاملة مهّدت تدريجيا إلى فتح فضاء متعدد لبناء الانتقال عبر سنّ دستور رسّخ حقوق الإنسان والحريات العامة والفردية ودعم أركان الدولة المدنية وأتاح لمختلف النّخب السياسية التداول السلمي على السلطة حتى استوى المعمار السياسي للتجربة قائمًا.

البحث عن بيعة

الأكيد الآن  أنّ النهر الذي يقف على ضفّتيه الرئيس ومعارضوه لا يستهان بعمقه الجارف مادام سعيّد اختار فرض شرعية يروّج لها بكونها نابعة من إرادة شعبية تطالب بدستور جديد استنادا  إلى ما أفرزته استشارة إلكترونية عبر الإنترنت بالكاد شارك فيها 500 ألف شخص.

الآن وبعد أن انتهت المرحلة الأولى من الرّزنامة السياسية للرئيس التي تتطابق مع التواريخ الرمزية التونسية، يَنتظر سعيد استكمال فرض رؤيته للنظام الدستوري والسياسي بطريقة وصفها رئيس جبهة الخلاص الوطني أحمد نجيب الشابي كمن يبحث عن بيعة من الرأي العام.

وإذا كان سعيّد يدعي بأن مشروعه يمنح السلطة للشعب في حين أنه يؤسس نظاماً سياسياً رئاسياً يركز الحكم بين يدي رئيس جمهورية منتخب بالاقتراع العام، فإن مثل هذه “الرؤية الطوباوية” ستعيد صياغة نظرة ازدراء مجتمعي ونقمة متعاظمة إزاء رئيس سيعيد رمي الكرة في ملعب “الشعب يريد” دون أن يتحمّل مآلات مغامرته السياسية الرغبويّة.

لقد أثبت رئيس الجمهورية وفق ما يسميّه الفيلسوف الفرنسي برتراند میهوست بـسياسة “التناقض اللفظي” أنه لا يرى خسائره بسبب سياسته العمودية التي منحته تلك النشوة للاستمتاع بشرعيّة توجهاته وقداسة أفكاره الأمر الذي يجعل المرء يصاب بحيرة  واضطراب: من أين يستمدّ سعيد جرأته على ازدراء مؤسسات الدولة ؟

وأمام هذه الكومة الشاهقة من التحديات المعقّدة التي تفرض على الجميع الوقوف على مستويات في غاية الدّقة  والخطورة في سياق مرحلة تعاني فيها البلاد فشلا في الحوكمة والتسيير برسم أرقام اقتصادية مُفزعة وواقع اجتماعي مُنهار في ظل تدهور خطير لمنسوب حرية الإعلام والتدخل في شؤون القضاء، يختزل سعيد كل هذه المشكلات في الجانب الدستوري مؤكدا أنها لا تُحلّ إلا بتأسيس الجمهورية الجديدة، عندها يطمئن قلب الإخشيدي ليعلن من القصر خطابه الأخير مقهقها: هذه تونس التي كنتم تحلُمون …

!!! ها أَنَذَا الرئيس الذي كنتم توعدون 

الرئيس#
قيس سعيد#
مقال رأي#

عناوين أخرى