لا ينطلق يومُ التونسيّ فعليا إلا بعد احتساء “جرعة قوية من الإسبريسو”، تمنحه نشاطا ومزاجا عاليين وتحفزه على استكمال أعماله دون كسل أو خمول. هذا “المشروب السحري” الذي يرافق صباحات الكثيرين ممن لا توقظهم غير رائحة القهوة، ولا يعكر مزاجهم إلا خبر ندرتها أو فقدانها في السوق وحتّى ارتفاع أسعارها. ويستهلك التّونسي نحو 1.4 كغ من القهوة بصفة سنوية، هذا “العشق ” الذي لم تزد أسعاره فحسب بل أصبح عملة نادرة، إذ يجد نفسه اليوم أمام طوابير طويلة يتوق إلى اقتناء ما تيسر من ملاذه اليومي لعل الحظ يكون حليفه. وتصل واردات البلاد سنويا إلى حوالي 30 ألف طن من حبوب القهوة بمعدّل ألفين و500 طن شهريا. كما تحتل تونس المرتبة التاسعة في قائمة الدول العربية الأعلى إنفاقا للقهوة سنة 2023، إذ أنفقت الأسر التونسية نحو 224 مليون دولار على شراء القهوة وفق بيانات صادرة عن الشركة الألمانية المتخصصة في بيانات السوق والمستهلكين “ستاتيستا” . وعرفت البلاد مدّا وجزرا في التزود بمادة القهوة خلال السنوات الماضية بسبب الاضطراب الحاد في نسق توريدها، ما جعل السوق المحلية تعيش ضغوطا بسبب شح هذه المادة. والجمعة الماضي، شرعت وزارة التجارة في تونس في اعتماد تسعيرة جديدة للقهوة حسب أصنافها تهم فقط الاستعمال المهني (أي داخل المقاهي)، فيما تم الحفاظ على أسعار القهوة المعلبة المخلوطة والصافية بالنسبة إلى الاستهلاك العائلي، وهي في حدود 20 دينارا للكيلوغرام الواحد من القهوة و11 دينارا للبن المخلوط. وحُدّد سعر الكلغ الواحد من القهوة بالنسبة إلى المهنيين بـ 34.5 دينارا للقهوة الصافية وبـ 20 دينارا للقهوة المخلوطة **زيادة يتحمل “المستهلك” أعباءها في تصريحه لـ”بوابة تونس” دعا رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك لطفي الرياحي “المهنيين من أصحاب المقاهي إلى الحد من زيادة أسعار القهوة،” موضحا أن “الزيادة الأخيرة سيتحمّل أضعافها المستهلك بنحو 300 مليم للفنجان الواحد فيما لا تتجاوز الزيادة التي تحملها المهني 150 مليما فقط الذي يعتمد بدوره على منتجات مدعمة على غرار الحليب.” وشدد الرياحي على: “ضرورة تجمِيد الترفيع في أسعار مادة القهوة”. ولفت إلى أنّ “مثل هذه الزّيادات قد تكون متبوعة بزيادات مماثلة في عدد من المنتوجات والخدمات.. وهو أمر مقلق”، وفق تقديره. وفي تصريحه لإذاعة موزاييك الخاصة قال مدير عام المنافسة والأبحاث الاقتصادية بوزارة التجارة حسام الدين التويتي الاثنين إن الوزارة تسعى إلى عودة استقرار تزويد السوق إلى مستويات العرض العادية. وتابع أنّه “تم برمجة توريد شحنات إضافية من القهوة وستصل شحنة بـ450 طنا هذا الأسبوع تليها شحنات متتالية تقدر بـ4آلاف طن سيتم توريدها في نوفمبر المقبل.” وأشار التويتي إلى أن 70 بالمائة من كميات القهوة المروجة في السوق تستعمل من قبل الصناعيين، بينما تُخصص 30 بالمائة منها للاستهلاك الأسري. كما لفت إلى أنّ” القهوة الموجّهة إلى الاستعمال المنزلي ستكون معلّبة في علب وأكياس من فئة 250 غراما، وذلك لضمان توفير كميات القهوة للاستهلاك العائلي.”. وفي تصريحات سابقة له أكّد وزير التجارة سمير عبيد أن 3 شحنات من القهوة ستصل إلى تونس قبل نهاية سنة 2024. وقال إنّ الوزارة ستعمل على تنظيم مسالك التوزيع لضمان ديمومة النشاط في القطاعات الصناعية وتوفير هذه المادة بأسعار مدروسة. من جانبه أكّد نائب رئيس الغرفة الوطنية لأصحاب المقاهي صدري عزوز أنه “لا مفرّ من ترفيع المقاهي في أسعارها بعد قرار وزارة التجارة الأخير بالترفيع في أسعار هذه المادة للمهنيين. ** عوامل مناخية عالمية وذكرت تقارير إعلاميّة أن نقص مادة القهوة دخل هذه السنة عامَه الرابع وأن أكبر شركات تجارة القهوة تعرف عجزا غير مسبوق محبو القهوة لم يرق لهم خبر نقص مشروبهم “السحري” الذي اضطرهم أيضا إلى دفع المزيد من المال لاحتساء فنجان من “الكافيين”. وأرجعت التقارير ذلك إلى استمرار الظروف المناخية غير الملائمة على غرار “ظاهرة النينيو” وهي ظاهرة تؤدي إلى تغيير مواعيد المطر ودرجات الحرارة الطبيعية، وقد تخلق ظروفا قاسية مثل الجفاف أو هطول الأمطار بشكل استثنائي، أضرت بالمحاصيل التي تزود دول العام بالقهوة. ويقول خبراء إن التأثيرات لهذه الظاهرة تفاقمت بسبب تغير المناخ على المدى الطويل وهو ما يثير قلق مزارعي “البن”. تعتبر هذه التوقعات أخبارا غير مرحب بها بالنسبة إلى محتسي القهوة، الذين يدفعون بالفعل المزيد مقابل مشروبهم اليومي. يواجه العالم نقصاً في صنف الروبوستا الأرخص ثمناً مع استمرار الظروف الجوية لظاهرة “إل نينيو” في الإضرار بالمحاصيل في جنوب شرق آسيا **ضاربة في التاريخ ويحتفي سكان العالم بالقهوة وخصص له “يوم عالمي” -1 أكتوبر من كل سنة- ذكرى تخلد هذا المشروب الذي تعددت أشكاله بين التركي والأمريكي والفرنسي والعربي ليتخذ اليوم أشكال عصرية جديدة حولته من مشروب ساخن إلى آخر بارد مع إضافة نكهات مختلفة .. واتخذت القهوة مسميات عديدة فقد أطلق عليها قديما “خمر الصالحين” وأسماها التونسيون منذ عقود بـ”الشاذلية”. ووفق روايات يتناقلها التّونسيون بينهم فإن الولي الصالح “أبو الحسن الشاذلي” (1196-1258) هو أوّل من أدخل القهوة إلى تونس وأول من أسس فكرة الاحتساء الجماعي للقهوة لتنسج فيما بعد دول أخرى على منواله وأن أول مقهى جماعي أنشئ في عصره سنة 1240. علاقة التونسيين بالقهوة ضاربة في التاريخ، حتّى إنّها كانت حينها تجمع الشعراء والمتصوفة حولها إما لقراءة.


أضف تعليقا