ثقافة

نجوم تونس والوطن العربي يغنّون ذكرى في ذكراها

تشهد سهرة افتتاح مهرجان الأغنية التونسية في نسختها الحادية والعشرين التي تنطلق فعالياتها، مساء غد الثلاثاء 7 مارس، بفضاء مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة بالعاصمة تونس، تكريما باذخا للفنانة التونسية الراحلة ذكرى محمد (1966–2003) بمناسبة الذكرى العشرين لوفاتها، واستذكارا لبداية تجربتها الفنية التي تزامنت مع انطلاق المهرجان في بدايات ثمانينات القرن الماضي.

معتقلو 25 جويلية

وكلّفت إدارة مهرجان الأغنية الموسيقار التونسي عبدالرحمن العيادي قيادة الفرقة الموسيقية في ليلة تكريم ذكرى، وهو الذي لحّن لها معظم أغانيها في تجربتها التونسية، أبرزها: “لمن يا هوى ستكون حياتي”، “حبيبي طمّن فؤادي”، “إلى حضن أمي يحنّ فؤادي”، “ودّعت روحي معاه من يوم ما ودّعني” وغيرها من الأغاني التي كتب معظم كلماتها الشاعر الراحل حسونة قسومة.

وتُشارك في الحفل مجموعة من أشهر الأصوات التونسية والعربية، وهي: صابر الرباعي، محمد الجبالي، يسرى محنوش، صفاء سعد، غازي العيادي، ملكة الشارني، نوال غشام، آية دغنوج، آمنة دمق، وألفة بن رمضان من تونس، وهاني شاكر ومحمد الحلو وإيهاب توفيق من مصر، ونيكولا سعادة وسعد رمضان من لبنان، والشاب جيلاني وخالد الزواوي من ليبيا.

ويُنتظر أن تشهد سهرة تكريم ذكرى تقديم نماذج من إنتاجاتها التونسية والليبية والمصرية والخليجية.

مسيرة نجاح لم تكتمل

ذكرى الفنانة، كانت أكثر من مجرد شابة صاحبة حنجرة قوية وصوت مخملي بل كانت صاحبة طاقة إبداعية مشعّة تشقّ حدود اللهجات واختلاف الأنماط الموسيقية العربية، وتحقّق انتشارا عربيا ونجاحا قياسيا في وقت وجيز.

شاءت الأقدار أن تغيب ذكرى الإنسانة في حادثة تراجيدية لتبقى نهاية القصّة معلقة، لأنّ ذكرى الفنانة لا تموت.

رحلت ذكرى في عنفوان شبابها وفي مرحلة شهدت فيها مسيرتها الفنية أوج العطاء والانتشار، إلّا أنّ منعرج القصة لم يحل دون تخليد اسم ذكرى بين أسماء كبار الفنانين في تونس والمنطقة العربية.

بداياتها الأولى كانت من تونس ومرّت أيضا بمهرجان الأغنية التونسية سنة 1987، حيث شاركت بأغنية “حبيبي طمّن فؤادي” وتحصّلت آنذاك على المرتبة الثالثة.

كان جمهورها الذي يُتابعها باهتمام يتوق إلى المزيد، وكان ينتظر من فنانة موهوبة ومطلوبة من أغلب الملحنين من تونس ومصر وليبيا والخليج العربي، أكثر فأكثر، لكنّها تركت عشرات الأغاني المتنوّعة وما لا يقل عن 16 ألبوما، وهو رصيد مهمّ من حيث الكم إذا اعتبرنا أنّها غادرت في سن السابعة والثلاثين، لكنّه يصبح مبهرا إذا تأمّلنا جودة أغانيها والأثر الذي شيّدته في الأغنية العربية بمختلف لهجاتها، لتتربّع ملكة على مختلف عروش اللهجات العربية بمختلف أنماطها الموسيقية.

ذكرى ليست مجرّد ذكرى، بل هي نجمة استثنائية استحقّت أكثر من لقب فني من جمهورها والمبدعين والنقاد، فهي “أميرة الطرب العربي” و”صاحبة الصوت الخارق للعادة”.. وغيرها من الألقاب.

عشرون سنة مرّت على رحيل ذكرى محمد.. وصوتها ما يزال بين عشّاقها، وأجيال من الأصوات العذبة التي تردّد أغانيها وتتطلّع إلى مسيرتها الحافلة بالمغامرات الفنية الناجحة.

فنانة استثنائية صوتا ومسيرة

ذكرى الفنانة الاستثنائية لم تكن في حاجة إلى فرصة للنجاح بل كانت حين تصدح بصوتها أيقونة تخترق بإشعاعها حواجز الخرائط العربية، وتتلاعب بتمكّن لكناتها ولهجاتها وتروّض مقاماتها وتصقل عربها وطبقاتها.

ورغم الأزمات الاجتماعية والعاطفية التي عاشتها فإنّ موهبة ذكرى محمد كانت أرحب من أن تنحصر في نمط موسيقي واحد، لذلك انطلقت رحلة الانتشار “الهجرة الفنية” نحو ليبيا مباشرة بعد فقدان والدها.

لتُغادر بآلامها وأحلامها إلى أفق أرحب، فالتقت بالشاعر الليبي علي الكيلاني الذي أعجب بصوتها ولم يتردّد في منحها أول أغنية “وأشهد”، لتنطلق إثرها في تأثيث رصيد زاخر من الأغاني الليبية على غرار “حبي النقي” و”عليّا ادلّل” و”نفسي عزيزة”، ولاقت نجاحا كبيرا بعد تعاملها مع الملحن خليفة الزليطني والشاعر عبدالله منصور وأيضا مع محمد حسن وسليمان الطرهوني وغيرهم من كبار الفنانين الليبيين.

في مصر كان أول لقاء لذكرى بالملحّن هاني مهنا الذي أنتج لها ألبومين “وحياتي عندك” سنة 1995 و”أسهر مع سيرتك” سنة 1996، ونجحت صاحبة الصوت القويّ التي وهبها الله إمكانيات استثنائية تجعلها تغنّي كلّ الألوان الموسيقية دون استثناء، وأصبحت المطربة التي يحبّها الجمهور العربي، بعد أن أبدعت في أداء الأغاني الخليجية وقدّمت العديد من الأغاني الثنائية مع أكبر نجوم الخليج على غرار محمد عبدة وطلال مداح وأبوبكر سالم، وتوّجت في العديد من المناسبات كأفضل مطربة خليجية.

ومن أشهر أغانيها الخليجية نذكر “مافيني شي”، “ألف عمر”، “وينك أنت”، “علمني الحب”، و”المسافر”، كما سجّلت حضورا ناجحا في عدّة أوبيرات غنائية على غرار “الحلم العربي” و”بغداد لا تتألّمي”.

وتواصلت رحلة نجاح وتألّق ذكرى مع “الأسامي”، “الله غالب”، “مش كل حب”، و”المحبة”، إلى جانب أغنية ثنائية جمعتها بالفنان المصري إيهاب توفيق “ولا عارف”.

كما سجّلت مشاركتها في العديد من المهرجانات كمهرجان قرطاج الدولي، ومهرجان أوربت بالأردن، ومهرجان ليالي التلفزيون، وهلا فبراير وليالي دبي، ومهرجان الدوحة.

وكانت لها أيضا العديد من الإطلالات التلفزيونية التي تحدّثت فيها بتلقائيّتها المعهودة وبابتسامتها التي كانت تخفي الكثير من الخوف من المجهول.. ليكون هذا المجهول نهاية لم يحبّها جمهورها، ولم يكن ينتظرها، وهي في منتصف العمر والعطاء.

وليكون ألبوم “يوم ليك ويوم عليك” الألبوم رقم 16، والأخير في رصيد وحياة فنانة.. لن تنسى.

جمع وإعداد: صابر بن عامر