رأي

نتنياهو.. “مشروع متطّرف” يتهاوى في إسرائيل وخارجها

محمد بشير ساسي
مع دخول الحرب المدمرة على غزة شهرها التاسع، ما تزال عديد الأسئلة المتعلّقة بسياقاتها العسكرية وتداعياتها السياسيّة بلا إجابات واضحة وقاطعة داخل إسرائيل، ولا أحد يعرف على وجه اليقين أين تتّجه بوصلة الأحداث والتطورات، بينما يتواصل عجز تل أبيب في حسم “المعركة المُرهقة” ضدّ المقاومة، وما يزالُ رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يطاردُ سرابَ الأهداف التي أعلنها من القضاء على حماس إلى استعادة الرّهائن الإسرائيليين وضمان ألا تشكّل غزّة تهديدا لإسرائيل في المستقبل، دون أن تُظهر أية مؤشّرات ملموسة على قرب تحقّقها على أرض الواقع…
لعبة التوازنات
وما من شكّ أن العدوان الوحشي المستمرّة، بقدر ما فرض واقعا جديدا يستحيل معه العودة إلى المعادلات السابقة في العالم والمنطقة وعلى مستوى الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، فإنه وضع الكيان الصهيوني أمام خيارات سيّئة ضعضعت أركان إستراتيجيتها وأدخلها في مرحلة “التّيه” أكثر من أيّ وقت مضى.
فمنذ البداية وحفاظا على لعبة التوازنات في المشهد الإسرائيلي، شكل نتنياهو مجلس حرب يضم وزير الدفاع يوآف غالانت ورئيسان سابقان للأركان العسكرية وهما بيني غانتس وغادي آيزنكوت ووزير الشؤون الإستراتيجية رون ديرمر. وحكومة الطوارئ هذه تعد أضيق هيئة سياسية وأمنية في إسرائيل، معنية باتخاذ القرارات السياسية زمن الحرب.
كما خطّط نتنياهو عبثا “لتبرير الانتقام” من هجوم 7 أكتوبر 2023 المُزلزل على مستوطنات غلاف غزة، إذ استدعى النّصوص التوراتية القديمة ترسانته المساندة لتأجيج المشاعر الدينية عند الجمهور الإسرائيلي من أجل استعادة ثقته بحكومته وجيشه “الذي لا يقهر”.
وقال في خطاب متلفز بعد أكثر من أسبوعين عن بدء حرب الإبادة على قطاع غزة: نحن أبناء النور بينما هم أبناء الظلام، وسينتصر النور على الظلام”. وأضاف نتنياهو “سنحقق نبوءة إشعياء، لن تسمعوا بعد الآن عن الخراب في أرضكم، سنكون سببا في تكريم شعبكم، سنقاتل معا وسنحقق النصر”.
كما وظّف نصا دينيا آخر، حين قال “يجب أن تتذكروا ما فعله عماليق بكم، كما يقول لنا كتابنا المقدس. ونحن نتذكر ذلك بالفعل، ونحن نقاتل بجنودنا الشجعان وفرقنا الذين يقاتلون الآن في غزّة وحولها وفي جميع المناطق الأخرى في إسرائيل”.
عزلة دولية
يوما بعد يوم، تحوّلت “الحرب المصيرية “التي ستغيِّر وجه الشرق الأوسط كما روج لها نتنياهو إلى عبء ثقيل أو إن صحّ القول”وحل” يتمرّغ فيه وحكومته الأكثر تطرّفا في تاريخ إسرائيل في ظل حالة التصدع داخل المجتمع الإسرائيلي والخلافات الحادة في مجلس الحرب ومع المؤسسة العسكرية، عدا عن ذلك العزلة الدولية غير المسبوقة التي تعيش على وقعها تل أبيب في الفترة الأخيرة بسبب:
 – الضغوط الدولية: تبنّي مجلس الأمن الدولي مشروع قرار أميركي ينص على “وقف إطلاق نار دائم والانسحاب التام من غزة، وتبادل الأسرى والإعمار، وعودة النازحين، ورفض أي تغيير ديمغرافي للقطاع”.
– الحراك الديبلوماسي: اعتراف خمس دول وهي (إسبانيا-النرويج- إيرلندا- سلوفينيا – أرمينيا) بدولة فلسطينية “مستقلة”،في انتظار اتخاذ دول أخرى، حيث يبلغ الآن العدد الإجمالي للدول المعترفة بفلسطين 148 دولة من أصل 193 دولة عضوا في الأمم المتحدة.
وبقدر ما تمثل هذه الخطوات التاريخية” مكسبا مهما لفلسطين وللقضية الفلسطينية، فإنها في الوقت ذاته تعدّ “أداة سياسيّة وديبلوماسية” إضافية للضغط على إسرائيل وعلى نتنياهو وحكومته “المارقة”.
 – الحصار القانوني: صدُور عدة أوامر مُلزمة بين أروقة محكمة العدل الدولية تطالب إسرائيل بمنع وقوع أعمال إبادة جماعية بحق الفلسطينيين وضمان دخول إمدادات الغذاء الأساسية لسكان غزة دون تأخير، بالإضافة إلى إعلان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان تقديمه طلبات لاستصدار أوامر اعتقال بحق نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت بتهم ارتكاب جرائم حرب وإبادة ضد الإنسانية…
– التعاطف الشعبي: مساهمةُ حرب الإبادة الصهيونية – التي  خلفت كارثة إنسانية مروّعة فاقت كل حدود العقل البشري – في تغيير المزاج الشعبي وميل بوصلة التعاطف صوب فلسطين وقضيتها العادلة، إذ لم تكن الأخيرة حاضرة ومؤثرة في المشهد كما هي حاضرة الآن بعد تحوّلها من قضية مركزية في عيون المسلمين وفي منطقة الشرق الأوسط إلى قضية مركزية في العالم بأسره..
مشهد متصدع
بدى واضحا أنّ نتنياهو لم ولن يكترث بكل هذه الضغوط والمنغّصات وتعمّد الهروب أكثر إلى الأمام والتمسّك بتنفيذ خطته لليوم التالي للحرب التي أشارت وفق الوثيقة التي طرحها في 23 فبراير الماضي للمجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابينت) إلى أنه “بعد القضاء على حكم حماس وقوتها العسكرية في قطاع غزة”، تأتي مرحلة انتقالية غير محددة زمنيًا، يخضع فيها القطاع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية، تمامًا كما هي الحال في الضفة الغربية المحتلة.
وتقوم إسرائيل خلال هذه المرحلة الانتقالية بعمليات عسكرية في جميع أنحاء القطاع وقت ما تشاء، وستبني كذلك جدارًا أمنيًا فوق الأرض وتحتها يمتد على الحدود بين قطاع غزة ومصر، وستعمل على إنهاء نشاط وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” في القطاع. أما مسألة إعادة اعمار قطاع غزة فستجري فقط بعد نزع السلاح من القطاع، بوساطة دول تقبلها إسرائيل.
وعلى صعيد الإدارة المدنية للقطاع، رأت الوثيقة أن هذه الإدارة سوف تستند قدر الإمكان إلى عناصر محلية غير مرتبطة بدول أو بأجسام تؤيد “الارهاب”.
بعد الفشل في إقامة إدارة مدنية من سكان محليين في غزة تكون بديلًا عن حكم حماس، وصمود الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة ونسف مخطّط تهجيره من القطاع إلى شبه جزيرة سيناء كما خطط نتنياهو، وضعَ إسرائيل أمام تخطبات عسكرية وسياسية مزدوجة تفجرت معها خلافات حادة بين رئيس الحكومة وأنصاره من اليمين المتطرف وداخل مجلس الحرب، ومع المؤسسة العسكرية والأمنية .
ولتشخيص أزمة الثقة غير مسبوقة بين القيادتين السياسية والعسكرية في إسرائيل، يمكن الوقوف على عدة مستويات مؤثرة في دائرة المشهد الداخلي المتصدّع:
 – حل مجلس الحرب: بعد انتهاء المهلة التي أعطاها لرئيس الحكومة ببلورة إستراتيجية سياسية للحرب وبعدها، نفّذ
رئيس حزب “المعسكر الوطني “بيني غانتس وعده بالخروج من حكومة الطوارئ، حيث شدّد في خطاب الاستقالة على ذكر نفس المسوّغات التي ذكرها سابقا بكون نتنياهو يمنع إسرائيل من تحقيق “نصر حقيقي” في الحرب، بسبب اعتبارات سياسية ضيقة، لا علاقة لها بمصالح إسرائيل القومية.
لم يضيّع نتنياهو كثيرا من الوقت، حيث وضعه انسحاب غانتس وآيزنكوت -كما كان متوقعا- أمام خيار حلّ مجلس الحرب الذي كان بمثابة “خطوة استباقية” لمنع المتشدّديين وزيري الأمن القومي إيتمار بن غفير، والمالية بتسلئيل سموتريتش من ملئ فراغ الوزيرن المستقيلين خوفا من تغوّلهما السياسي وتأثيرهما على المؤسسة العسكرية وسير القتال ما يُدخل الحكومة في صدام معهما ينتهي بإسقاطها هي الأخرى.
ورغم أن حل مجلس الحرب ليس له أي صبغة ولا ينطوي على أبعاد دستورية”، إلا أن الخطوة برأي مراقبين تعني أن “الإجماع الإسرائيلي” الذي تشكّل مع بداية الحرب قد تم كسره. والآن بات نتنياهو يشعر بالقلق أكثر من أي وقت مضى لأنه في مأزق كبير سيدفعُه لمواجهة الفشل وحده، بعد أن فقد الشرعية وجزءا كبيرا من المساحة التي كان يناور فيها، وهو ما أفقد الولايات المتحدة الحلفاء السياسيين وكذلك الكيان السياسي الذي كانت تتعامل معه من أجل تسوية الموقف الراهن في غزة، زد على ذلك السجال الأخير بين واشنطن وتل أبيب على خلفية اتهام نتنياهو إدارة جو بايدن بحجب الأسلحة والذخائر عن إسرائيل.
وفي مساعيه للإنفراد برسم قرار السلم والحرب، دون تأثير جهات ائتلافية أخرى” يتطلّع نتنياهو  -على خطى رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير خلال حرب 1973- إلى تشكيل مجلس جديد باسم “المطبخ الصغير” برئاسته ومشاركة وزيري الدفاع يوآف غالانت، والشؤون الإستراتيجية رون ديرمر، ورئيس حزب “شاس” أرييه درعي، ورئيس مجلس الأمن القومي، تساحي هنغبي.
 – ضغوط المعارضة: استغلت المعارضة الإسرائيلية مناخ الاخفاقات السياسية والعسكرية ليرفع زعيمها يائير لبيد سقف الضغوط على نتنياهو مطالبا إياه بحل حكومته بدلا من حلّ مجلس الحرب، مؤكدا أن لديه الوسائل وسيعمل من أجل إسقاط الحكومة.
وقال لبيد إن حكومة نتنياهو مجنونة وتخوض صراعات داخلية وعاجزة عن فعل أي شيء ولا تهتم بالجنوب ولا بالشمال. واعتبر زعيم المعارضة أن الحكومة الحالية تقوّض أمن إسرائيل، وأن نتنياهو يبيعُ الجنود في ظل الحرب المستمرة في قطاع غزة.
وتلعبُ المعارضة على وتر الاتصالات مع أحزاب اليهود المتزمّتين دينيا (الحريديم) من أجل تقديم موعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي في ظل الخلافات والاتهامات المتبادلة داخل الائتلاف الحكومي، آخرها ما يتعلق بـ”قانون الحاخامات”، ممّا أضطر نتنياهو لإزالة القانون من جدول أعمال لجنة القانون والدستور البرلمانية التي كان مقرراً أن تصوّت عليه الأربعاء بالقراءة الأولى، بعد إدراكه أن لا أغلبية له في اللجنة ولا في الهيئة العامة.
واعتبر رئيس حزب شاس آريه درعي أن نتنياهو “المتخبط” غير قادر على السيطرة على ائتلافه داعيا لدراسة فرصة الانسحاب من الحكومة والتصويت على سحب الثقة منها عبر الكنيست.
 – خلافات داخل اليمين: لم تقتصر حالة الانقسام بخصوص قانون “تجنيد الحريديم” بشكله الحالي على الإئتلاف الحكومي وإنما امتدت إلى حزب نتنياهو “الليكود”، كما دخل حزب بن غفير “القوة اليهودية” على خط الخلافات، حيث أعرب أعضاؤه عن رفضهم للقانون.
وطفى على السطح سجال بين نتنياهو وبن غفير مغلّف باتهام حزب الليكود وزير الأمن القومي بـ”تسريب أسرار الدولة”. وبرز ذلك الاتهام على خلفية إشارة بن غفير إلى أنه كان سيقبل التصويت على مشروع “قانون الحاخامات”، لو أن نتنياهو وافق عليه.
ورد بن غفير على نتنياهو بالقول إن حزبه يدعم تشريع قانون جهاز كشف الكذب وتعميمه على أعضاء المجلس الوزاري المصغر، شرط أن يشمل أولئك الذين لديهم منظمٌ لعمل القلب، قاصدا بذلك نتنياهو الذي خضع قبل أكثر من عام لعملية زرع منظم لعمل القلب.
 – صدام مع الجيش: أجّجت عمليات المقاومة الخلافات والتوتر بين القيادتين السياسية والعسكرية لتصل ذروتها إلى تبادل الاتهامات بسبب أعباء الحرب المستمرة على قطاع غزة وطول أمدها – دفعت العديد من القادة العسكريين إلى إعلان استقالتهم-، إذ تفيد الأرقام الرسمية التي تسمح الرقابة العسكرية الإسرائيلية بنشرها بمقتل أكثر من 660 جنديا وضابطا إسرائيليا وإصابة ما يتجاوز 3800 آخرين..
في آخر فصول التوتر والارتباك، هاجم نتنياهو القيادة العسكرية للجيش الإسرائيلي بعد أن أعلنت عن “هدنة تكتيكية” في مدينة رفح جنولب قطاع غزة “دون التنسيق معه” حسب قوله، وأكد أن هذه الهدنة “غير مقبولة”، وأنه “سمع عنها عبر الإعلام”.
 واتهم نتنياهو الجيش باختطاف قرار الدولة، مشيرا أن “هناك من يريد تغيير أهداف الحرب (على قطاع غزة) بقرارات انهزامية في إشارة لغانتس وآيزنكوت.
تصريحات نتنياهو قابلتها رد قوي من قبل رئيس حزب العمل الإسرائيلي، يائير غولان، أكد فيه على إستحالة تدمير حركة وإطلاق سراح المحتجزين في الوقت نفسه، وهو الرأي ذاته الذي أفصح عنه غادي آيزنكوت الوزير السابق في مجلس الحرب بكون (حماس) فكرة ستقاتلها إسرائيل لسنوات عديدة قادمة.
وبنفس التصور، أقرّ المتحدث باسم جيش الاحتلال دانيال هاغاري بأن الاعتقاد بإمكانية تدمير حركة حماس وإخفاءها هو ذر للرماد في عيون الإسرائيليين”.
ولفت هاغاري في مقابلة مع القناة الـ13 الإسرائيلية- إلى أن حماس فكرة وحزب، وأنها مغروسة في قلوب الناس، ومن يعتقد أن بإمكاننا إخفاءها فهو مخطئ.
ويبدو أن الأثمان الباهضة التي تدفعها المؤسسة العسكرية في الحرب وفق تصريح المتحدث باسم الجيش، دفع قادة عسكريون متقاعدون على غرار الجنرال الإسرائيلي المتقاعد يسرائيل زيف إلى القول بأن الجيش لديه شعور بأن إسرائيل استنفدت الغرض من الحرب ويقترب من إنهاء المهمة التي حددتها الحكومة، وأنه سيصل لنقطة يخوض فيها حرب عصابات.
يضاف إلى النزيف الحاصل بسبب عدم تحقيق الأهداف العسكرية في قطاع غزة، عجز الجيش عن إيجاد الطريقة المثلى للتعامل مع الجبهة الشمالية المشتعلة وتهديدات صواريخ ومسيّرات حزب الله التي تحطم الشعور بالأمن وفق ما تسرّبه تقارير إعلامية عبرية، الأمر الذي اضطر وزير الشؤون الدينية الإسرائيلي مايكل مالكيلي إلى القول بأن وزارته تتجهّز لسيناريوهات دفن طارئة استعدادا لاحتمال اندلاع حرب في الجبهة الشمالية التي تخلّى نتنياهو عن سكانها مثلما اتهمه  بذلك الوزير السابق بمجلس الحرب بيني غانتس.
– مظاهرات عائلات الأسرى: في أعقاب حديث تقارير أميركية عن 50 من أصل 120 أسيرا إسرائيليا محتجزين لدى الفصائل الفلسطينية في غزة ما زالوا أحياء، تصعّد يوما بعد يوم عائلاتهم من احتجاجاتها المطالبة باتفاق تبادل أسرى مع الفلسطينيين ووقف إطلاق نار في غزة قبل نفاد الوقت.
وتتناغم هذه الاحتجاجات مع أصوات تتعالى مطالبة بإسقاط حكومة اليمين وإجراء انتخابات مبكرة، عبر
مظاهرات في شوراع تل أبيب ومحيطها والقدس المحتلة ومدن أخرى في إسرائيل.
بالتوازي مع كلّ هذه التحركات لم يجد نتنياهو من حيلة سياسية إلا التحذير من “حرب أهلية” بين الأشقّاء على خلفية المطالبة بانتخابات مبكرة، وظل عبثا يعدُ بإعادة المحتجزين جميعا الأحياء والأموات على حد سواء، مؤكدا أن وجود الجيش داخل غزة يخلق فرصا لتحقيق هذا الهدف.
وقد تشكلت ملامحُ خطاب عنيف بالمجتمع الإسرائيلي، انعكس في المظاهرات ضد نتنياهو وتخطي الحواجز الشرطية واقتحام منزله. وهذا المشهد الذي حذر من تكراره رئيس جهاز الأمن العام “الشاباك” رونين بار، يحمل في طياته دلالات مستقبل الاحتجاجات، وما تحمله من رسائل ومضامين خلافية، تشير إلى حتمية اتساع دائرة الصدام والمواجهة مع الشرطة الإسرائيلية، وكذلك إلى تطورات قد تفضي لمواجهة وأعمال عنف بين الإسرائيليين أنفسهم، وسط الانقسامات بين مؤيد ومعارض لسياسات حكومة نتنياهو بكل ما يتعلق بالحرب على غزة.
واكتسبت ظاهرة العنف الجامح من قبل الشرطة الإسرائيلية ضد المتظاهرين اليهود زخما غير مسبوق خلال ولاية وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي عمد خلال الحرب على غزة إلى تسييس جهاز الشرطة وتوظيفه لأجندة الحكومة وأيديولوجية اليمين المتطرف.
يفهم مما سبق أن  المشهد الداخلي في إسرائيل يتفاعل بدرجة عالية من التوتر مع كيفية إدارة الحكومة للحرب المرهقة على قطاع غزة والجبهة الشمالية الملتهبة مع حزب الله في ظل تعاظم المخاوف من تلاشي المكانة العسكرية للكيان الصهيوني في منطقة الشرق الأوسط وخطر عزلته الدولية التي تتسع دائرتها يوما بعد يوم.
وأمام هذه الكومة من التحديات المتعددة، يبدو أن نتنياهو ما يزال ينثر أوهامه وعبثه مع زمرة من المتطرفين بأنه الوحيد القادر على تحقيق الأحلام الاستعمارية الاستيطانية ومشروع “إسرائيل الكبرى” من أجل تحقيق هدفه الأول وهو البقاء في المشهد السياسي وتثبيت أركان حكومته المتهاوية.
لكن على الأرض الواقع، دخل نتنياهو  في نفق مظلم بعد أن تقاطعت مصالحه مع المؤسسة العسكرية وتكونت ضدّه جبهة داخلية ضاغطة ما بين لمعارضة والشارع تتهمه وحكومته المتطرفة بقيادة إلى المجهول أو بالأحرى إلى “زوال” وفق تعبير الكاتب الصحفي والمحلل السياسي الأميركي توماس فريدمان، حيث تواجه اليوم خطرا وجوديا”. وربما في المستقبل سيُذكر نتنياهو بكونه الأسوأ بين 14 رئيس وزراء عرفتهم إسرائيل خلال 76 عاما بعد أن ألحق أكبر قدر من الضرر