أثار تلويح رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد مجدّدا بالفصل 60 من مجلّة الإجراءات الجزائيّة ردود فعل كثيرة حول نوايا الرئيس من وراء حرصه على الإشارة إلى هذا الفصل.
من بين هذه الردود تعليق الناشط الحقوقي والمحامي أنور القوصري حول الموضوع.
أهم الأخبار الآن:
فقد اعتبر القوصري مجلّة الإجراءات الجزائيّة سلاحا موروثا من الاستعمار.. “يقع صقله كلما اقتضت الحاجة من قبل الاستبداد الجاثم.. ولمصلحته”، وفق تعبيره.
وأشار القوصري في تدوينة مطوّلة على حسابه بفيسبوك، اليوم الأربعاء 20 مارس، إلى أن كثيرا من التونسيّين يتناسون أن المجلة الجزائية التونسية وضعتها فرنسا سنة 1913 (قبل بداية الحرب العالمية الأولى) وأن الباي أبصم عليها بأمر عليّ في 9 جويلية من السنة نفسها.
وأضاف أن كثيرين يتجاهلون أن العقلية التي قادت الاحتلال في وضعها آنذاك خضعت لظروف الواقع التي تطلّبت من هذا الاحتلال إحكام السيطرة والتحكم في المجتمع التونسي وفي التونسيّين قبل الحرب العالمية المرتقبة ضدّ الانفلاتات الممكنة الموجهة إلى سلطة الاحتلال وأعوانه… وذلك بانتهاج سياسة الردع بالانتقام والعقاب وحتى التنكيل بالتصفيات الجسدية “القانونيّة”.
وبيّن أن الفصول المتعلقة بحماية سلطة الاستعمار وأعوانه كانت كثيرة وتصدّرت المجلة الجزائية الفصول المتعلقة بالتآمر.
وأشار إلى أن ذلك كان بالتعريف المطاطي لتلك الجرائم لإضفاء صبغة قانونية على انتهاك الحقوق والحريات كيفما تقتضيه مصلحة الاحتلال.. ومن بينها طبعا “التآمر” ضد الاحتلال الفرنسي وهو يعني طبعا مكافحة الاستعمار، وفق تعبيره.
وشدّد القوصري على أن المجلّة حافظت على العقليّة نفسها التي قادت من وضعوها رغم إدخال بعض التنقيحات جزئيا في العديد من فصولها بعد الاستقلال بل وشُددت عدة فصول وأضيفت أخرى لمصلحة الاستبداد، وفق تقديره.
وقال الناشط: “طبعا بقي التوجه العام هو الردع بالانتقام والعقاب وحتى التنكيل بالتصفية والاعتداء على الحقوق والحريات.. والحال أنه كان من المفروض تغييرها بعد الاستقلال.. بانتهاج عقلية الوقاية والإصلاح العصرية.. وإعادة تعريف الجرائم.. لكن إرساء نظام الحكم الفردي حال دون ذلك.. فمصلحته ضد معارضيه والتحكم في المجتمع بالخوف من العقاب.. جعلاه يتمسك بإرث المستعمر”.
وتابع: “وبالتالي تأسس القضاء التونسي على هذه العقلية الوظيفية الردعية الرسمية.. وبانتهاج التأويل الشاسع للنصوص الجزائية لتلبية مصلحة السلطة السياسية خلافا لمبدإ التأويل الضيق ولمصلحة المتهم… وكان هذا تحت الإشراف المباشر لتلك السلطة وبتعليماتها.. وفي ظل سلطة الشرطي على المجتمع عوضا عن القاضي الذي يصدر الأحكام”.
ولفت القوصري إلى عدم تنقيح المجلّة بعد الثورة خاصّة أن الأمر يتعلق بالحقوق والحريات!! وذلك بإعادة تعريف الجرائم وحذف تلك التي وضعت لتأبيد الاستبداد.. وإلزام القاضي بالتأويل الضيق للنص الجزائي وإقرار العقوبات البديلة وغيرها وفق تقديره.
وبيّن أن من تقلّدوا السلطة خلال العشريّة السابقة كان هذا من آخر اهتماماتهم وكانت لهم أولويّات أخرى.
وأكّد القوصري في تدوينته، أن تلك الفترة شهدت تعامل القضاء بصفة عامة بعقلية أقل ردعا وأقل انتقاما وأقل تصفية.
وقال: “شهدنا مجلسا أعلى للقضاء شرعيا ومستقلّا لأنه منتخب من المهن القضائية وغير معين من السلطة التنفيذية وتحت أوامرها المباشرة وغير موظف لخدمة سياستها عند الطلب.. رغم وجود {كولوارات} (أروقة) هنا وهناك.”
واعتبر الناشط أنه بعد الانقلاب وإرساء سلطة الحكم الفردي من جديد.. رجعت المجلة سلاحا في يد السلطة السياسية للتنكيل بالمعارضين والتحكّم في المجتمع بالخوف من “الحاكم”.
وبيّن أن ذلك تدعّم بالمراسيم، وقال: “كأن ما وضعه الاستعمار من نصوص ردعية وانتقامية ونظام الاستبداد من بعده لم يعد يكفي على غرار المرسوم 54”.
وتابع: “وتحطم الرقم القياسي التاريخي في عدد قضايا التآمر… في هذا الوقت القصير الشعبوي، ولا تغركم خرافة تطبيق القانون على الجميع وعلى قدم المساواة بينهم.. فهي كلمة حق يراد بها باطل”.
وتساءل القصوري: “هل طبق القانون على جماعة العلو الشاهق الذين خرجوا عن الشرعية الدستورية والمؤسساتية؟
وهل هو يطبق على هؤلاء الذين يطبلون له.. باقتراف الجرائم باستمرار صباحا مساء ويوم الأحد.. ضد معارضي العلو الشاهق.. لمزيد التنكيل بهم.. ولتبرير الاعتقالات والاعتداءات على الحريّات… بترويج الافتراءات والأخبار الزائفة؟”.
وختم بالقول: “الوضع الحقيقي الحالي ليس دولة القانون والمؤسسات… بل هو قانون القوّة ولا قوة القانون…
وهذا باستعمال سلاح موروث من الاستعمار… يقع صقله كلما اقتضت الحاجة من طرف الاستبداد الجاثم.. ولمصلحته”.



أضف تعليقا