ميشيل فوكو.. التنوير ونقد النقد العقلاني في قراءة لد. عزمي بشارة

ميشيل فوكو

 

فوزي الصدقاوي

تندرج مساهمة فوكو في نقد الذات الإنسانية، ضمن النقد العقلاني الذي يستهدف آليات السيطرة والتحكم بالحداثة، وهي مساهمة من أجل تنوير يُــنظر إليه على أنّه مشروع لم يكتمل، خاصة أن الاجابة عن سؤال البدائل المجتمعية والسياسيّة، تُحمِّل المفكرين مسؤوليّة صياغةَ إجابة عمليّة قابلة للإنجاز، وأن وظيفة النظرية النقدية والأدب والفن وحدهما يُــريحان الإنسان من التناقضات التي يخلّفها الإعجاب بأعمال التدمير. فممارسة الهدم والبناء، عندهم لا تتعدى الممارسة النصية، وهي تسمح بادعاء الواقعية، لكونها تفعل كلّ ذلك في النصوص، وتخوض مغامراتها على نطاق التخييل. فالنقد إمّا أن يجد في عقلانيته معقولات تبرره، وإمّا أن يجعل في الردّ الأدبي والفني ما يكفيه لنقد سلطة العقل. ولا يتحقق تجاوز ذلك إلا بالممارسة والعمل والثورة.

لكن أمام السؤال عن البناء المجتمعي والسياسي البديل، وعند البحث عن البدائل الاجتماعيّة والفكريّة، سيواجه بعض المفكرين فخّ الاكتفاء بأعمال التفكيك، والرضى بها، مع التأكيد أن الدور الذي هم مضطلعون بأدائه، لا يزيد عن التفكيك، ولا يتعدى النصوص.
وفي هذا السياق يحاول عزمي بشارة أن يقرأ في موضوعة الدين عند فوكو، معالجة متماسكة، وإن بدا عند بعضهم أن المسألة الدينيّة يمكن العثور عليها في غياب موضوع الدين نفسه، ضمن أبحاث فكو، لكن أعماله المتأخرة بدت مهتمة بمسألة قمع الجــنس (من خلال عمليّة الاعتراف) في الطقوس الدينية.

يصف فوكو في مقابلة له (سنة 1966) عمل الفيلسوف بأعمال التنقيب الأركيولوجي، فهو يسأل ويعمّق السؤال، ليتعرّف على جذور الحفريات بتمامها، وهو مشغول بالسؤال أكثر من انشغاله بالاجابة، وحين يتحدث فوكو في شأن الدين، على المسار الفلسفي، يجد الاجابة في أن الله مات عند هيغل، بعد أن حلَّ العقل محلّه، ومات أيضا عند فيورباخ حين تحرر الإنسان، واتخذ مكانه، لكن نيتشة جعل مكانه فارغا بعد أن تحرر الإنسان من الإنسان ومن الله في آن. غير أنّ عزمي بشارة كان يجد في هذا الرأي قولا أو نصا أدبيا، يمكن تأويله على وجوه كثيرة، لاسيما أن الفيلسوف عند فوكو يبحث في نشوء الأفكار، والله والفضاء الذي نشأت فيه الطقوس، فالدين بالنسبة إلى فوكو قوّة سياسيّة، تعبّر عنها مؤسسة الدين، قويّة مثل الفاتيكان،
وكانت مقالة لفوكو لعام 1979، قد أثارت عن الثورة الإيرانية ضجة على الرغم من أنها كما يرى عزمي بشارة مقالة بسيطة وسطحية، اهتم فيها فوكو بـملامح ما سماه “الروحانية السياسية”، التي تجلت في ما جاد به الدين من إسناد ودعم لفائدة المقموعين والمهمّشين الذين تمردوا ضد سلطة غاشمة، وهيّ التي قدّمت إليهم الـ”تطور” والـ”تقدم” والتمدين” على أنّه من أهم إنجازاتها. فمنح روحانية الذين ذهبوا إلى مواجهة الموت في الثورة وضد قمعية الحداثة العلمانية في ظل الشاه، تقديرا إيجابيّا لأنّها روحانيّة انتصرت للمستضعفين والمهمّشين، خلافا لروحانية حكومة الكهنوت “الرجعية” كما يصفها، تلك التي كانت تنفّذ الإعدامات زمن كتابته للمقالة.

إنّ ما يعني فوكو هو تجنب الأحكام القيمية في حالة الثورة الإيرانيّة، لمجرد أنّ من تولى إدارة الحكم إثرها كانوا رجال دين. فهو يعنيه أن يقول إن “ثمة ثورات”، إذ لا يتعين مع فلسفة “ما بعد الحداثة” إخلاء القيمة من الأحكام العلميّة المستخلصة من الظاهرة المدروسة، (الثورة الإيرانية في هذه الحالة)، بل يتعيّن تفكيك تلك الأحكام نفسها.

كان فكر القرن التاسع عشر يُـدرك مخاطر، تحكم العقل بكلّ شيء، مثل الجمع والتوحيد النمطي والتعميمات المرتبطة بالإنسان فردا وجماعة، والمتعلق بالخصوصيات الثقافية والإثنية، أما مع فلسفة ما بعد الحداثة، فإنّه منذ نشوء الدولة الحديثة القادرة على السيطرة على مناحي الحياة، باتت الفلسفة تراقب وتنتقد فعل القوة الفائضة للعقلانيّة السياسيّة، فالعلاقة بين العقلانية وفائض القوة السياسية، برأي فوكو، لا يحتاج المرء لاكتشافها، إلى دليل ولا إلى معسكرات اعتقال. إنّ فكر ما بعد الحداثة يبدأ بمقولة أنّ علاقات القوة هي التي تشكل مصدر ما يبدو معرفة نظريّة وعلمية. فالمعرفة الحديثة مؤسسة على علاقات القوة، والمهمة هو أكتشاف كيف يحدث ذلك.

لم يتعامل فوكو مع عقلنة المجتمع في جملته وإنّما تولى فحص بعض مجالات الحداثة مثل بعض الظواهر غير الطبيعيّة : الجنون والمرض والانحراف.. وذلك بواسطة العلم والدين، لفهم تطوّر تكنولوجيات وإستراتيجيات من خلال ما تحدده وما تقصيه وما تثبته، وما هو طبيعي أو غير طبيعي وما هو عادي أو غير عادي، وهي آليات تحقق السيطرة الكلية على المجتمع. فالعودة إلى تاريخ الظاهرة بما هو أقدم من التنوير… تاريخ الجنون وتاريخ الجنس وغيرها، يساعد على تحديد نوع العقلنة المقصود وعدم الاكتفاء بالمصطلح في معناه العام. إن مثل هذه التحليلات المبدعة، مع أنّها ليست كتابة تأريخ بالمعنى المتخصص، فقد فتحت آفاقا جديدة لعلم التاريخ وللعلوم الاجتماعية. وهي برأي عزمي بشارة، النتائج الأكثر أهمية من جملة ما قدمه فوكو فهو يجدد الفكر بالسجال وطرح الأسئلة، ويبحث علميا في بعض المجالات التي أهملها العلم ويفحص الوسائل خَـلْف مؤسسات الرقابة والمرض والجنس، وما تصمتُ عنه “المصطلحات الموضوعية” وما وراء تاريخ نشوء الذات الحداثية خلال لعبة القوة السياسية. الأمر الذي يحمل فوكو على اتخاذ مسافة من عدم اليقين بشأن موضوعية العلم، لكون “الحقيقة العلميّة” في نهاية تحليله، نسبيّة.

وهو يستخلص أنّ الخطابات غير “العلمية”، بما فيها الخطاب الديني، له من “الاحترام” ما لغيره من الخطابات، طالما أنّ “الحقيقة العلميّة” تتسم بالنسبيّة. ويعتبر بشارة أنّ الرؤيّة التي يقدمها فوكو تعدّ أساسا فكريا لمسألة نظريّة العلمنة بوصفها سردية تنهض على مصالح سياسية ولها قوى ذات وجود اجتماعية، ويمكن لنقدها أن يكشف ما تعكسه من علاقات قوة سياسية. فالعلم في نظر فوكو لا يشكّل نقيض الدين، بل يتقاطع مع الدين في التصنيف الذي يستبعد الشاذ وغير العادي، فالعلاقة التي كانت في القرن السادس عشر، بين الطب الذي يعالج الجسد المسكون بالمرض وبين الدين الذي يعالج الجسد المسكون بالأرواح الشريرة، ليس بينهما تناقض، وإنّما بينهما تمايز مطّرد بصورة تدريجية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)- د. عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي، الدين والتدين، الجـــزء الثاني، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط 1، بيروت، 2015.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *