ميزانية تونس 2026.. هل تفتقد حكومة الزعفراني لرؤية اقتصادية شاملة؟ (الجزء الثاني)

محمد بشير ساسي 
في الوقت الذي تُطلَقُ فيه شعارات لمشروع قانون مالية يعكسُ خيارَ الدّولة الوطنية الثابت في التنمية العادلة والتضامن بين الجهات، تقفُ الحكومة التونسة أمام رهانات دقيقة من أجل إيجاد حلول مستدامة لاستقرار المالية العامة والحفاظ على الخدمات العامة الأساسية.

زيادة الموازنة

غير أنّ تلك الطموحات المرجوّة وفق عديد الخبراء، تتعرضُ لعدة عوائق هيكلية ومالية تمسّ مصداقية التنفيذ على أرض الواقع بالنظر إلى ضغوط اقتصادية هائلة تفرضُ نفسها على أرض الواقع، وتحتاجُ إلى جُهد مضاعف للتعامل مع تداعياتها على الوضع العام ككُلّ.
وتشير المعطيات المُعلنة إلى أنّ مشروع الميزانية لسنة 2026 أقرّ ميزانية بقيمة 1477 مليون دينار لفائدة وزارة المالية، أي بزيادة، بنسبة 6% مقارنة بسنة 2025، كما أقرّ أيضا الترفيع في ميزانية وزارة الصحة لسنة 2026 بنسبة 8.8%، لتبلغ 4350 مليون دينار مقابل 4000 مليون دينار خلال سنة 2025، علما أن ميزانية الوزارة تمثّل 5.4% من ميزانية الدولة لسنة 2026.
وقد أوضح أحد المسؤولين بوزارة الصحة أن 65.6% من ميزانية الوزارة، ستخصّص لنفقات التأجير، المقدّرة بـ2861 مليون دينار، في حين ستوجَّه 17.9% لنفقات الاستثمار، أي ما يعادل 780 مليون دينار.
وبيّن المسؤول أن الزيادة في ميزانية 2026 ستوجَّه أساسا إلى تمويل الانتدابات الجديدة، إذ من المنتظر القيام بـ4000 انتداب، إلى جانب ترسيم 4400 خطة مهنية و100 خطة عون متربص داخلي في الطب، وذلك في إطار دعم الأقسام الاستشفائية، وخاصة أقسام الاستعجالي.
ووفق ما صرّحت به وزيرة المالية خلال جلسة مشتركة للجنة المالية والميزانية لمجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم، خصّصت لمشروع مهمّة المالية لسنة 2026، تشمل الميزانية الديوانة، والجباية، والمحاسبة العمومية، ومصالح الميزانية، والدين العمومي والقيادة والمساندة.
وتمثّل نفقات التأجير 80% من مجموع نفقات المهمة، فيما تمثل نفقات الاستثمار 10% بنسبة تطور في حدود 45% تعهّدا و20% دفعا.

مفارقة واضحة

بالنظر إلى جملة الأرقام والنسب المعلنة، فإن موازنة تونس 2026 يراها شق واسع من الخبراء، مفارقة واضحة بين ما تعلنه الحكومة من التوجه نحو الاعتماد على الموارد الذاتية وبين الواقع الفعلي الذي يكرّس اللجوء إلى الاقتراض الداخلي والخارجي، ما يثير مخاوف من تراجع الاستثمار في قطاعات التنمية الحيوية.
وهذا التوجه في الحقيقة، يضع تحديّات حقيقيّة أمام تحقيق النمو المستدام وتحسين مستوى المعيشة، وسط ضغوط مالية متزايدة تواجه الاقتصاد.
ويكشف مشروع الموازنة أنّ الحكومة التونسية ستلجأ إلى الاقتراض من الداخل والخارج لتغطية العجز المالي وضمان استقرار المالية العامة والحفاظ على الخدمات الأساسية جراء محدودية مواردها.
– الاقتراض الداخلي: من المنتظر أن تعتمدَ الحكومة في 2026 على مزيد من الاقتراض الداخلي، حيث تعوّل على طلب تمويل مباشر استثنائي من البنك المركزي التونسي بقيمة 19.1
مليار دينار (6.4 مليار دولار)، من بينها 11 مليار دينار (3.72 مليار دولار) بشكل مباشر في خطوة تهدف إلى سدّ العجز المالي بسبب مصاعب المالية العامة وشحّ التمويل الخارجي.
ويعكسُ هذا النّوع من الاقتراض توّجها متكرّرا نحو البنك المركزي التونسي للمرة الثالثة على التوالي بعد أن اقترضت الدولة 7 مليار دينار (2.37 مليار دولار) في 2025 والمبلغ نفسه في 2024 لسداد ديون عاجلة.
وستحتاجُ تونس إلى تمويلات داخلية وخارجية تقارب 27 مليار دينار في 2026، وهو ما يقترب من حجم التمويلات في العام الحالي، وقد تصدرُ صكوكا بقيمة سبعة مليارات دينار (2.3 مليار دولار) في العام المقبل لأول مرة.
ويحذّر الخبراء من أنّ الاعتماد المتجدّد على الاقتراض المحلي بكثافة قد يؤدي إلى استنزاف الموارد المتاحة، وربما يحوّل تركيز القطاع المصرفي من تمويل الاقتصاد الحقيقي إلى تغطية عجز الميزانية.
ولجأت الحكومة في 2025 إلى الاقتراض المباشر من المركزي وسحبت 2.3 مليار دولار ساعدت في سداد ديون خارجية بنهاية سبتمبر قبل موعد استحقاقها. وتقول تونس، بعد رفض شروط صندوق النقد الدولي مقابل قرض بقيمة 1.9 مليار دولار عام 2023، إنها تعمل على تطبيق نموذج الاعتماد على الذات.
– الاقتراض الخارجي: تخطّط الحكومة التونسية للعودة إلى السوق المالية الدولية في عام 2026، وتعدّ هذه العودة الأولى من نوعها منذ 2019، جزءا من خطة الحكومة لتنويع مصادر التمويل وتغطية الاحتياجات المتزايدة لتمويل ميزانية الدولة”، وفق موقع البورصة المتخصص في الشأن المالي والاقتصادي.
وتعول “الحكومة التونسية وفق المصدر نفسه على جمع 1375 مليون دينار، من السوق المالية الدولية”، كما تنوي تونس إصدار سندات بقيمة 470 مليون دولار في 2026، وهو أول إصدار منذ 2019، ما يشير إلى خطّة حكومية لاقتراض نحو نصف مليار دولار في شكل سندات ضمن التمويل الخارجي لسدّ عجز الميزانية.
ووفق موقع البورصة المختص فإن “تونس تبرمج اقتراض 2.9 مليار دينار في شكل قروض خارجية من عدة جهات مانحة وأطراف إقليمية، موزّعة بين 68 مليون يورو من صندوق النقد العربي، و58 مليون يورو من البنك الدولي، و22.5 مليون يورو من البنك الإفريقي للتنمية، ونحو 500 مليون يورو من البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد، و10 ملايين يورو من الوكالة الفرنسية للتنمية، و300 مليون يورو من شركاء ماليين آخرين.

“ضريبة” زوكمان

إلى جانب الاقتراض تضمّن مشروع قانون مالية 2026 ضرائب ورسوما جديدة، ومن المفترض أن تصل موارد الجباية إلى 47.8 مليار دينار (16.2 مليار دولار)، بزيادة 3.3 مليار دينار عن 2025.
وتنوي الحكومة إقرار ضريبة جديدة تحت مسمى “الضريبة على الثروة” على طريقة “ضريبة زوكمان” بحيث تشمل مكاسب الأشخاص الطبيعيين بما في ذلك المكاسب الراجعة بالملك لأبنائهم القصّر الذين في كفالتهم من العقارات ومن المنقولات، وتحتسب بنسبة 0.5% في ما يخص المكاسب التي تراوح قيمتها بين 3 ملايين دينار (نحو مليون دولار) و5 ملايين دينار (1.71 مليون دولار) و1% في ما يخص المكاسب التي تفوق قيمتها 5 ملايين دينار مع مراعاة اتفاقيات تفادي الازدواج الضريبي المبرمة مع البلدان الأخرى عند الاقتضاء.
ووفقا لمشروع قانون الموازنة، فإن هذه الضريبة الجديدة تطبق على قيمة العقارات والأصول التجارية والمنقولات المكتسبة بجميع أصنافها بما في ذلك الأموال المودعة في البنوك والمؤسسات المالية أو البريد التونسي وسندات القيم المنقولة ورؤوس الأموال في أي منطقة من التراب التونسي بغض النظر عن مكان إقامة الذي تتوفر فيه الشروط سواء داخل البلاد أو خارجها. ويتوقع وفق مشروع قانون الموازنة أن تبدأ تونس بداية من جانفي القادم بتوظيف هذه الضريبة.
وينتقدُ العديد من الخبراء طبيعة الموازنة مشيرين إلى أن زيادة الموارد الجبائية بنسبة 3.3 مليار دينار (أكثر من الزيادة في إجمالي قيمة الموازنة للدولة) تجعل موازنة 2026 “جبائية بامتياز.
ويؤكد هؤلاء أن فرض الضرائب والأتاوى الجديدة يزيد تكلفة الإنتاج على المؤسسات، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار التي ستنعكس على جيوب المواطنين وتضعف القدرة التنافسية للمؤسسات بالخارج.
ويربطون هذا الوضع بتراجع الصادرات في 2025، حيث شهدت الشركات التونسية ركودا نتيجة ارتفاع تكلفة الإنتاج وصعوبة التمويل وضعف المنافسة الدولية.
كما يشيرون إلى أن تصنيف تونس الأخير في مؤشر مناخ الأعمال يُظهر أنها تحتل مراتب متأخرة جدا، مما يعكس محدودية قدرة القطاع الخاص على النمو في ظل ضعف التمويل.

أجور العام والخاص

في الجانب الاجتماعي تضمن مشروع الموازنة إقرار زيادة في أجور ورواتب موظفي القطاعين العام والخاص وجرايات المتقاعدين بعنوان سنوات 2026 و2027 و2028 على أن تُحدَّد نسبة الزيادة بأمر حكومي، وأشارت الوثيقة إلى بلوغ عدد موظفي القطاع الحكومي 687 ألف عون.
وأقر مشروع قانون الموازنة للعام القادم تسهيلات لتحفيز انتداب القطاع الخاص للمعطّلين عن العمل من حاملي شهادات التعليم العالي تتمثل في تكفل الدولة بمساهمة المؤجر في النظام القانوني للضمان الاجتماعي بعنوان الأجر المدفوع للأجراء من خريجي الجامعات بنسبة تصل إلى 100% خلال السنة الأولى و80% خلال العام الثاني مع خفض النسبة تدريجياً لتصل إلى 20% خلال العام الخامس من فترة التوظيف.
يلاحظ مما تقدم أنه خلال 15 عاما تضاعفت الميزانية أكثر من خمس مرات، في حين لم يتضاعف الناتج المحلي سوى مرة ونصف تقريبا. وهذا التفاوت في وتيرة النمو بين الإنفاق والإنتاج هو أصل العجز المزمن الذي تعرفه المالية العمومية.
فالتوسع المالي لم يكن ناتجا عن توسّع في النشاط الاقتصادي، وهو ما دفع البلاد اليوم إلى أن تواجه أكثر من مجرد عجز مالي، بل عجز في نمذجة إدارة المال العام.
واليوم يبدو أنّ النقاش لم يعُد يقبل أن يظل حبيسا في حجم الموارد أو أبواب الإنفاق، بل يجب أن نفتح نقاشا في معنى الميزانية نفسها: هل هي أداة لخدمة التنمية أم لتسيير التزامات اليومية للدولة؟
لقد أصبحت المالية العمومية مرآة تعكس أزمتنا في عمقها السياسي والاقتصادي، والتي يمكن التعبير عنها بأننا في حلقة مفرغة من الإنفاق دون أثر، والتمويل دون مردودية.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *