“ميدل إيست آي”: الانتخابات الجزائرية: طقوس سياسية محسومة وساحة للبقاء بدلا من التغيير

أسبوعان بعد انتهاء التصويت في  الجزائر على مقاعد البرلمان في الاستحقاق التشريعي 2026 وما يزال الجدل يُصاحب هذه العملية الانتخابية التي عرفت أضعف نسبة مشاركة في تاريخ المسار الانتخابي بالجزائر بواقع 21.24%

تجدد الجدل أيضا بعد الإعلان عن النتائج الأولية التي تصدرها حزب التحرير -وهو الحزب الحاكم- بفوزه بـ90 مقعدا بعد تراجع حركة مجتمع السلم والمستقلين.

في هذا السياق نشر موقع ميدل إيست آي مقالا للكاتبة أمل بوبكر الأستاذة في علم الاجتماع السياسي بجامعة إيكس مارسيليا تساءلت خلاله عن الفائدة  السياسية من إجراء انتخابات بينما النتيجة محسومة سلفا؟ 

حسب الكاتبة فإن انخفاض نسبة المشاركة، وضعف المؤسسة البرلمانية، والاتهامات التاريخية بالتزوير تُعد مؤشرات واضحة على طبيعة هياكل السلطة العليا، إلا أنها لا تفسر الدوافع التي تجعل الكثيرين يصرون على الانخراط في هذه العملية رغم إدراكهم محدودية تأثيرها.

 ففي حين تواصل الكيانات السياسية ممارسة “طقوسها الروتينية” من جمع للتوقيعات وتقديم للطعون، تبقى دوائر صنع القرار الفعلية محصورة بين مؤسسات النظام، والجيش، والرئاسة، تاركةً البرلمان في موقع ضعيف ومهمش.

هيمنة متوقعة وعزوف شعبي لافت

جاءت الانتخابات البرلمانية لتؤكد هذه الديناميكية؛ إذ لم تُشكل أي تهديد لمركز صنع القرار في البلاد. 

وبينما كانت عمليات فرز الأصوات جارية، كان من المتوقع، كما هو معلوم قبل يوم الاقتراع، أن تحافظ جبهة التحرير الوطني الحاكمة على أغلبيتها وسيطرتها على البرلمان.

وعلى مستوى المشاركة الشعبية، كشفت الأرقام عن عزوف واسع رغم إعلان الحكومة يوم الاقتراع عطلة رسمية مدفوعة الأجر لتشجيع نحو 25 مليون ناخب لاختيار 407 أعضاء في مجلس النواب. 

وقد جاءت الإحصائيات كالتالي:

  • الساعة العاشرة صباحا: لم تتجاوز نسبة المشاركة 3% (وفقا لوكالة أسوشيتد برس).
  • النسبة الإجمالية الأولية: استقرت عند أقل من 21% حتى بعد تمديد التصويت لساعة إضافية (وفقا لإذاعة الجزائر)، مسجلة تراجعا عن نسبة 23% التي سُجلت في الانتخابات التي سبقتها بخمس سنوات.

ولا ينبغي تفسير هذا الامتناع على أنه مجرد لا مبالاة سياسية، بل هو انعكاس لواقعية المواطن الجزائري الذي قد يلجأ إلى ممثليه المنتخبين للوساطة أو

حلّ مشكلات يومية عالقة، لكنه بات يميز بوضوح بين هذا الدور الخدمي وبين السلطة التشريعية الحقيقية.

غربلة المرشحين: بين النزاهة والإقصاء

 حسب المقال المنشور في ميدل إيست آي، تولّت الدولة الجزائرية  هندسة المشهد الانتخابي من خلال عملية تدقيق صارمة قبل فتح مراكز الاقتراع. وقد أسفرت هذه العملية عن المعطيات التالية:

  • فحص 854 قائمة انتخابية؛ قُبل منها 793 ورُفضت 61 قائمة.
  • المصادقة على 9,854 مرشحا، من بينهم 2,032 امرأة.
  • أكثر من نصف المرشحين المقبولين هم دون سن الأربعين، وأكثر من 4,600 منهم من حملة الشهادات الجامعية.
  • من أصل 2,370 طعنا قُدم ضد قرارات الرفض، لم يُقبل سوى 120 طعنا فقط.

غالبا ما تُبرر قرارات الرفض بأسباب أخلاقية أو قانونية (كالأموال المشبوهة، السوابق القضائية، أو التوقيعات غير المستوفية للشروط)، مما يمنح السلطة فرصة لتقديم نفسها كحامية لنزاهة الانتخابات. ومع ذلك، يرى العديد من المرشحين أن هذا الرفض يمثل طعنا في سمعتهم الشخصية.

وفي هذا السياق، صرّح المشرع الإسلامي عبد الوهاب يعقوبي، ممثل الجزائريين بالخارج، أن القانون تحول إلى “سلاح للإقصاء الجماعي”. 

وبدوره، تساءل سعيد أولحاج، مدير مدرسة ابتدائية ومستقل مُستبعد: “لا علاقة لي بالمال المشبوه. كيف سينظر إليّ طلابي وأولياء أمورهم بعد أن شوّهت السلطة الانتخابية سمعتي وشرفي؟”.

الجدير بالذكر أن مقصلة الإقصاء لم تقتصر على المعارضة، بل طالت مرشّحين من التشكيلات الموالية وأعضاء برلمان حاليين، بما في ذلك نواب من حزب حركة المجتمع من أجل السلام وأحزاب مؤسسية أخرى، مما يؤكد أن القرب من السلطة لا يمنع الفحص، بل يغير فقط طبيعة ما يجب على المرشح إثباته.

معضلة المعارضة وكلفة المقاطعة

في ظل هذه المعطيات، يُطرح التساؤل حول سر عودة أحزاب المعارضة للمشاركة بعد مقاطعات سابقة. أحزاب بارزة مثل جبهة القوى الاشتراكية، تجمع الثقافة والديمقراطية، حزب العمال، وجيل جديد، لم تعد بدافع “التفاؤل البرلماني”، بل هربا من التشريعات الجديدة التي تفرض تكاليف باهظة على المقاطعة، تصل إلى حد “حلّ الحزب” قانونيا إذا تخلف عن المشاركة في انتخابات وطنية متتالية.

في جزائر 2026، أصبحت المشاركة شرطا للبقاء أكثر من كونها تناقضا سياسيا. فالحملات الانتخابية باتت من المساحات القانونية النادرة التي تتيح لأحزاب مثل (FFS) المطالبة بالإفراج عن السجناء السياسيين، ولـ”حزب العمال” التنديد بسياسات التعدين والمطالبة برفع الأجور، دون الاصطدام المباشر بالإطار المؤسسي، حتى وإن كانوا يدركون عجز البرلمان عن تغيير موازين القوى.

مفاهيم التجديد: شباب في الواجهة وتهميش في القاعدة

روّج الخطاب الرسمي لانتخابات الخميس بوصفها عملية “تجديد”، مسلطا الضوء على الكوتا الممنوحة للشباب (تحت 40 عاما) والنساء والخريجين، مع تقديم الدعم المالي للمستقلين.

إلا أن هذا التجديد بدا شكليا؛ إذ تم إقحام الشباب في الانتخابات كواجهة (مرشحين) من خلال نظام الحصص، بينما ظلت فئة الشباب كقاعدة انتخابية مهمشة، يغلب عليها عدم الثقة في الأحزاب وقلة الانخراط فيها.

وينطبق هذا المنطق على أغلبية الممتنعين عن التصويت؛ حيث تمر فرص الحصول على السكن، ودعم البطالة، والموارد التنموية عبر الشبكات العائلية، والوسطاء المحليين، والمكاتب الإدارية، وليس عبر الأيديولوجيات الحزبية.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *