"ميثاق مبادئ" يلزم مسلمي فرنسا بقيم الجمهورية ...حين يصعد صراع الهويات إلى الواجهة
tunigate post cover
عالم

"ميثاق مبادئ" يلزم مسلمي فرنسا بقيم الجمهورية ...حين يصعد صراع الهويات إلى الواجهة

2021-01-18 23:10

بعد أسابيع من التعبئة السياسية ضدّ ما وصفه “بالتطرف والانعزالية الإسلامية”، واللعب على أوتار النزعة القومية ومغازلة التيارات اليمينيّة، بدأتْ معالم مشروع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الاتّضاح والتجسد على شكل خُطوات قانونية وإجرائية، تسعى إلى تطويق المسلمين بحسب المراقبين، من خلال فرْض سلطة الدولة على المؤسّسات والهيئات الإسلامية والمساجد في البلاد.

فبالتوازي مع تمرير قانون تعزيز قيم الجمهورية الاثنين على لجنة برلمانية خاصة لمناقشته تمهيدا للمصادقة عليه، تمكّن الرئيس الفرنسي من انتزاع موافقة المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية بتبنّي “ميثاقٍ للمبادئ” يُقرّ جملةً من المواقف، أهمّها التأكيد على مبادئ الجمهورية والالتزام بها، والاعتراف باللائكية وعدم تعارضها مع الإسلام والمساواة بين المرأة والرجل، وكذلك رفْض توظيف الدين لغايات سياسية.

توظيف سياسي لقضية الانتماء

وجاء إعلان مجلس الديانة الإسلامية بقبوله إصدار ميثاق مبادئ ليُكرّس الضغوط التي مارسها ماكرون على المجلس، الذي يُعدّ أحد أهمّ الهيئات الدينيّة التي تُعنى بشؤون المسلمين في البلاد.

وينصّ الميثاق الجديد خصوصا على أنّ “مبدأ المساواة أمام القانون يلزم كل مواطن، ولا سيما المسلم في فرنسا على عيش حياته في إطار قوانين الجمهورية الضامنة لوحدة البلاد وتماسكها”.

مضامين الميثاق والإملاءات التي تضمّنتْه من جانب السلطات الفرنسية، تلتقي مع تحليل خبراء بشأن خفايا مشروع ماكرون الساعي لتشكيل نموذج فرنسي للإسلام يتناسب مع الخصوصيات الثقافية والاجتماعية “الوطنية”، ويتأقلم مع فلسفة الجمهورية والنظام اللائكي.

ويعكس التنصيص على مبدأ إلزام المسلمين بقيم الجمهورية محاولة سياسية وإيديولوجية خطيرة من جانب السلطات الفرنسية، لترسيخ الفكرة الرائجة عن المسلمين المنحدرين في غالبيتهم من أصول عربية وإفريقية، بضعف ولائهم لفرنسا وتكريسها كحقيقة قائمة باعتراف أكبر هيئة إسلامية، تمهيدا لتمرير حزمة من التشريعات والإجراءات أكثر صرامة، لتعمل على التضييق على الحريات الدينية للمسلمين، بحجّة ضمان انتمائهم وولائهم للجمهورية وقيمها.

ومن شأن الإجراءات الجديدة أنْ تُجسّد أخطر أهداف ماكرون في بسط سيطرة الحكومة ووزارة الداخلية على إدارة الشأن الديني للمسلمين، والتّحكّم بالمساجد والإشراف على الخطاب الديني بحجّة تجفيف منابع التطرّف، من خلال وضع مخطّطٍ لتأهيل الأئمة، وحظْر نشاط رجال الدين المُوفدِين من دول عربية وإسلامية، تحت ذريعة منع التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية لمسلمي فرنسا، فضلا عن مراقبة أي تمويلات أو تبرّعات تزيد قيمتها عن 10 آلاف يورو.

مشروع للإدماج القسري

حقائق المشروع تكشف بحسب الباحث والأكاديمي التونسي محمد الحاج سالم، عن مخطّط يتجاوز حدود تجفيف منابع التطرّف الديني إلى استهداف الإسلام، والتضييق على ملايين المسلمين من مرتادي المساجد، والهيئات التي تنشط في المساعدات الاجتماعية والعمل الخيري، ووضْعهم تحت رقابة أمنية وإدارية.

الحاج سالم اعتبر في تعليقه لبوابة تونس أنّ السلطات الفرنسية كانت قادرة بإجراءات أقلّ حدّة وكلفة، على عزل الجماعات المتطرّفة وأصحاب الفكر المتشدّد عن الجاليات المسلمة، دون اللجوء إلى ممارسات تعمل على انتهاك الحقوق الفردية والدينية وإغلاق عشرات المساجد بحجّة مخالفتها للقوانين.

ووصف محدّثنا المخطط الفرنسي بكونه عملية “إدماج قسري” في ما يسمى الهوية الفرنسية، وهي استمرار لسياسات يمينيّة سابقة أثبتت فشلها، مضيفا “لو كانت السلطة الفرنسية تسعى لإثبات حسن نواياها تجاه المسلمين لعملتْ على الاستئناس بالنموذج البريطاني في الإدماج الهادئ للأقليات المسلمة في المجتمع، عبْر سياسة تحترم حقوق الأفراد باختلاف خلفياتهم الدينية وتُثبتها (أو تَثْبيتها) كإطار للتّنوّع الثقافي في المجتمع، لذلك تجد أنّ الشرطة البريطانية تقوم بقبول المسلمات بين عناصرها مع احترام ارتداء الحجاب على سبيل المثال، ومثل هذه السياسات هي التي تدعم ولاء المسلم وارتباطه ببلد الإقامة وانتمائه إليه وإيمانه بقيمه”.

وأشار الحاج سالم إلى أنّ الكنائس الفرنسية والمؤسّسات المسحية تتمتّع باستقلالية في التصرف المالي وإدارة مُمتلكاتها الخاصّة، في حين تُفرض رقابة صارمة على المسلمين في مصادر تمويل الأنشطة الخيرية، وتوضع العراقيل أمام بناء المساجد.

“الإجراءات الجديدة تعكس ضغوطات من جانب قوى ولوبيات سياسية متطرّفة معادية للمسلمين، وهي تستحضر في مضمونها قضية الهوية المثارة منذ التسعينات، ما بين ثنائية الإسلام في فرنسا والإسلام الفرنسي وهو النموذج الذي يحاول ماكرون تطبيقه اليوم”، يضيف محمد الحاج سالم.

وبخصوص قضية ولاء المسلمين الفرنسيّين لقيم الجمهورية ومبادئها، تساءل محمد الحاج سالم “لماذا لا يُطرح هذا السؤال على يهود فرنسا، وهم الذين عُرف عنهم ارتباطهم بإسرائيل، بل إنّ كثيرا منهم يخدمون في الجيش الإسرائيلي ولديهم علاقات بالأحزاب السياسية في الكيان الصهيوني، ومع ذلك يُعتبرون مواطنين فرنسيّين”.

وشدّد مُحدّثنا على أنّ التشكيك في انتماء المسلمين في فرنسا وإعادة طرح قضية الهوية، تعكس محاولة النخب الفرنسية لاختلاق عدوٍّ حضاريٍّ جديدٍ وصراعٍ دينيٍّ مفتعلٍ.

ويخلص محدّثنا إلى أنّ المشروع الفرنسيَّ من شأنه أنْ يُغذيَ نزعاتِ التطرّف    وردِّ الفعل لدى الشباب المسلم نتيجة التضييق عليهم ومعاملتهم كإرهابيّين وأصوليّين مُفترضين حتّى يثبت العكس، كما أنّ باريس ستعمل على استغلاله وتوظيفه سياسيا للضغط على الدول العربية والمسلمة.

عناوين أخرى