ثقافة

موسوعة شاملة توّثق للمرة الأولى الإرث الفني الكامل لعبد الحليم حافظ

في إحدى مشاهد فيلم “حليم”، الذي جسّد فيه الراحل أحمد زكي شخصية الفنان عبد الحليم حافظ، يتحدث العندليب الأسمر في حوار صحفي عن إرثه الموسيقي قائلا: “ما يعنيني هو أن يظل فني وتاريخي من بعدي وتستمر أغنياتي في الحياة”.

ربما لم يتوقّع أحمد زكي أنّ هذا الحوار الوارد في السيناريو نقلًا  عن مقولة حقيقية لعبد الحليم حافظ، كان بمثابة نبوءة سيكتب لها أنْ تتحقّق بعد عدة سنوات، في شكل موسوعة جامعة للأعمال الكاملة للعندليب.

هذا الإنجاز يعد حصيلة جهد بحثي وتوثيقي استمر 6 سنوات، عكف على تنفيذه الباحث المصري عمرو فتحي وصدر بمناسبة الذكرى التسعين لميلاد العندليب.

إرث فنّي متفرّق  

تطلّب توثيق أعمال عبد الحليم حافظ جهدًا معمّقًا، وبحثًا مستفيضًا من عمرو فهمي الذي نبش طوال سنوات في كل ما يمتّ لعبد الحليم بصلة، امتدادا من أوراقه الشخصية والوثائق الفنية المحفوظة لدى أصدقائه من الملحّنين والشعراء وشركات الإنتاج وأعضاء الفرقة الماسية، إلى الحوارات الصحفية والمناظرات وجلسات التسجيل والبروفات وملفّات الإذاعة المصرية.

يقدّر التراث الفني الذي تركه عبد الحليم بمئات الأعمال، ما بين الأغاني المملوكة للإذاعة المصرية والممنوعة من التداول التجاري إلى أغاني الأفلام والقصائد والأدوار الطربية، إلى جانب أغاني نادرة قدّمها في بداية مشواره، إلى التسجيلات الغير معروفة التي يمتلكها صديق عمره ومدير شركة صوت الفنّ مجدي العمروسي.

منذ رحيل عبد الحليم سنة 1977، لم يهتم المؤرخون الفنيّون بتدوين أغانيه باعتبار أنّ أغلبها محفوظة في التسجيلات الإذاعية أو التلفزيونية بصوته، وكذلك في خزينة الأفلام.

وباستثناء محاولة وحيدة قام بها مدير أعماله مجدي العمروسي، بإصدار كتاب ضمّ ما يزيد عن 231 أغنية لعبد الحليم، فإنّ العمل الموسوعي الذي أنجزه المؤرّخ عمرو فتحي يعدّ الأوسع والأكثر شمولاً.

وعلى عكس ما يتوقّعه القراء والمتابعون فإنّ الموسوعة لم تتضمّن مجرّد إحصاء ترتيبي أو فهرس جاف لأعمال العندليب، وسنوات صدورها وفريق عملها تأليفًا وتلحينًا، وإنّما الباحث حرص على التحقيق في تفاصيل كل قصة ترتبط بأغنيات عبد الحليم والظروف المحيطة بتأليفها، والمشاجرات والمشاحنات التي وقعت بسبب بعض الأعمال، والفرقة التي قامت بأدائها معه للمرة الأولى، إلى جانب المعلومات والروايات التي وثّقها من عائلة العندليب وأصدقائه.

عمل عمرو فتحي على تقسيم المسيرة الفنية لعبد الحليم ضمْن موسوعته إلى أربع محطات كبرى بدلا من الأسلوب الكلاسيكي المرتبط بالتسلسل التاريخي لكل أغنية أو عمل.


حبيبتي من تكون…الفصل

تنطلق المدونة منذ سنة 1951 وصولا إلى سنة 1981، على الرغم من أنّ عبد الحليم توفي قبلها بأربع سنوات، إلا أن المؤرخ يخصّص فصلاً كاملاً لرواية قصة أغنية “حبيبتي من تكون”، التي صدرت على الاسطوانات في تلك السنة بعد رحيل العندليب.

وتتضمّن الموسوعة ثلاث مراحل فنية رئيسية لعبد الحليم، والتي شهدت ذروة شهرته وتألقه، تسبقها مرحلة تمهيدية تمتد من سنة 1951 حتى 1954، واتّسمت بتقديمه للأغنيات القصيرة، ومشاركته في برامج غنائية للإذاعة، وخلال هذه الفترة قدّم العندليب 24 أغنية لحّنها كلها عبد الحميد توفيق زكي.

تبدأ المرحلة الذهبية الأولى في مسيرة العندليب الأسمر مع أغنية “صافيني مرة”، والتي يصفها حليم نفسه بأنها التي “أدارت رؤوس الناس”. 

وبحسب عمرو فتحي فإنّ عبد الحليم بدأ في تلك المرحلة طريقه نحو الغناء المتْقن، بعد أنْ أجاد التحكّم في ثبات الصوت، والربْط بسلاسة بين الجواب والقرار، والانتقال من مقام إلى آخر بسهولة.عرفت هذه الحقبة تعاونًا فنّيا مع عدد من كبار الملحّنين والشعراء، على غرار مرسي جميل عزيز، وحسين السيد، وكمال الطويل، ورياض السنباطي، إلى جانب الموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي قدّم لعبد الحليم حافظ أغنية “توبة إن كنت أحبك تاني”.


الأغاني الوطنية

وتخلّلت هذه المرحلة بزوغ نجم عبد الحليم في الأغنية الوطنية، عبر تعاون مع الثنائي صلاح جاهين وكمال الطويل.تبدأ المرحلة الثانية من سنة 1962 إلى حدود 1966 بحسب المؤرخ، وتميّزت بكونها مرحلة اكتسب فيها عبد الحليم مزيداً من الفهم لمقومات النجاح الفنّي والجماهيري، وتعاونه مع شعراء وملحّنين من مختلف الأذواق، في سياق الانفتاح على تجارب مختلفة، كان أهمّها تقديم أغنيات بالفصحى على غرار “لا تكذبي” لكمال الشناوي، و”لست قلبي” و”حبيبها”.

“أنا كل ما أقول التوبة” و”سواح” و”على حسب وداد قلبي”، أغنيات مختلفة الطابع ذات ميزة شعبية، قدّمها عبد الحليم حافظ انطلاقا من سنة 1966، بعد المنافسة التي فرضها الفنان محمد رشدي من خلال تعاونه مع الشاعر الكبير عبد الرحمان الابنودي، ما دفع العندليب للتعاون مع “الخال” لتقديم أعمال على تلك الشاكلة، ضمْن مسار التنويع والتجديد.استمرّ تعاون الابنودي مع عبد الحليم، خاصة بعد سنة 1967 حيث قدّم عددًا من روائع الأعمال ذات النزعة الوطنية، أشهرها “المسيح” و”عدى النهار” و”ابنك يقلك يا بطل” و”عاش اللي قال”.

الملك وبيان الانقلاب

يورد المؤرّخ ضمْن كتابه عددًا من المواقف الاستثنائية التي عايشها عبد الحليم، وكان أخطرها سنة 1971 أثناء وجوده بالمغرب، حيث كان بصدد تسجيل إحدى أغنياته بالإذاعة، عندما فوجئ باقتحام المكان من طرف مئات من العناصر العسكرية التي أعلنت قيام انقلاب على الحكم الملكي.قدّم أحد الضباط بيانا عن الحركة الانقلابية، وطلب إلى عبد الحليم إذاعته بصوته وهو ما رفضه لعدّة اعتبارات شخصية وسياسية.

ورغم التهديد الذي تعرّض له العندليب من العناصر العسكرية لإذاعة البيان تحت تهديد السلاح، إلا أنّه تمكّن من إقناع قادة الانقلاب بأن إذاعة البيان بصوته ستكون له نتائج عكسية، فقد يفهم من الأمر ارتباط النظام المصري بالعملية الانقلابية، فضلا أنه من الضروري أنْ يخاطب شخص مغربي المواطنين بلهجتهم ليشرح لهم الموقف.

لم تنجح المحاولة الانقلابية وخرج العندليب سالمًا من بين بنادق العسكر المغاربة، لكن الموقف ظلّ ماثلا في ذهن الملك الراحل الحسن الثاني الذي تكفّل بعلاج العندليب، وجلب له أطباء فرنسيّين متخصّصين إثر تعرّضه لنزيف في المعدة سنة 1972.