ثقافة

مهرجان الحمامات يختار منى نورالدين ويرفض فاضل الجعايبي.. ما القصة؟

أثار عدم اختيار مسرحية “آخر البحر” لفاضل الجعايبي ضمن برمجة الدورة الـ58 من مهرجان الحمامات الدولي -المزمع انعقادها في الفترة الممتدّة بين الخامس من جويلية الجاري وحتى الثالث من أوت القادم- موجة انتقادات واسعة، على خلفية إقصائها لدواع أخلاقية، لاحتوائها بعض الألفاظ النابية.

معتقلو 25 جويلية

تدوينة لاذعة

ففي تدوينة فيسبوكية، كتب الأكاديمي والناقد المسرحي التونسي عبدالحليم المسعودي: “العقل الثقافوي الذي يمارس الرقابة على مسرحية “آخر البحر” لفاضل الجعايبي، ويحرمها من المشاركة في برنامج مهرجان الحمّامات الدولي بتعلّات أخلاقوية، لا يستأهل أن يكون مسؤولا عن الشأن الثقافي في مؤسّسة ثقافية بحجم المركز الدولي المتوسّطي للحمامات”.

وأضاف: “لا أظنّ أنّ هذا العقل يفقه شيئا في المسرح التونسي، أو في تاريخه الإبداعي والنضالي، أو في فاعلية العلاقة بين المسرح وجمهوره”.

وشدّد على أنّ “هذا القرار يُبرهن عن تلك البذاءة الذهنية الرسوبية والنكوص الارتدادي المتخفّي باسم الأخلاقوي على حساب بناء الوعي العامّ نقديا وتفكيكيا عبر الفنّ الجّاد، وعن ذلك الفقر المدقع لفهم التحوّلات الفكرية والجمالية التي تعيشها تونس منذ الثورة”، وفق ما نقله عنه موقع العربي الجديد.

كلام المسعودي، أثار تفاعلا واسعا، حيث جرت مشاركته ومقاسمته والتعليق عليه بشكل لافت، خصوصا من قِبل المسرحيين، الذين ندّدوا بالمنع، فيما قال بعضهم إنّه تعرّض لتجربة مماثلة.

ليس إقصاءً بل تكريما

من هناك، أوضح مدير مهرجان الحمامات الدولي نجيب الكسرواي، في تصريح له لوكالة تونس إفريقيا للأنباء (وات)، موقف المهرجان من الأخبار المتداولة على صفحات التواصل الاجتماعي حول رفض إدراج عمل فاضل الجعايبي الجديد “آخر البحر” ضمن برمجة الدورة الـ58 للمهرجان، حيث أكّد أنّ كل ما قيل ويقال لا أساس له من الصحة.

وشدّد الكسروي، بقوله: “لم نرفض عمل فاضل الجعايبي، ولكننا من بين العملين اللذين تقدّمت بهما مؤسّسة المسرح الوطني التي ترجع بالنظر لوزارة الشؤون الثقافية للمشاركة في الدورة الـ58 لمهرجان الحمامات الدولي، وهما: “آخر البحر” و”رقصة سماء”، اخترنا العمل المسرحي “رقصة سماء” للمخرج الطاهر عيسى بالعربي الذي تشارك فيه الفنانة منى نورالدين”.

وأضاف: “يأتي اختيار “رقصة سماء” في إطار قرار الهيئة المديرة للمهرجان، وباستشارة اللجنة الفنية، وحرص المهرجان على تكريم القامة الفنية منى نورالدين (مواليد 1939) التي كانت شاركت في افتتاح مسرح الهواء الطلق، وفي الدورة التأسيسية لمهرجان الحمامات الدولي في الـ31 من جويلية عام 1964، وفي العرض الافتتاحي الأول لمسرحية “عطيل”.

وأشاد الكسراوي، بقوله: “شرف لنا أن تكون الفنانة القديرة منى نورالدين حاضرة في دورة الاحتفال بالستينية، التي هي دورة تكريم لهذه الفنانة وللمسرح التونسي عموما”.

وحول ما يروّج عن أسباب أخلاقية وأخلاقوية لرفض عمل فاضل الجعايبي، قال: “أؤكّد أننا في مهرجان الحمامات الدولي بعيدون كل البعد عن هذه الممارسة”، مبرزا أنّه في تواصل مستمرّ مع المدير العام للمسرح الوطني معز مرابط الذي رشّح العملين اللذين أنتجهما المسرح الوطني، ولم تقع معه إثارة هذه المسألة بتاتا أو طرحها أصلا، وفق تصريحه لوات.

كما شدّد على أنّ الحديث عن إلغاء عمل فاضل الجعايبي ليس له أساس من الصحة، مضيفا: “سيما، أننا لم نوجّه للمدير العام للمسرح الوطني إلّا مشروع عقد عرض العمل المسرحي “رقصة سماء” فقط الذي برمج رسميا في هذه الدورة”.

وفي سياق متّصل، قال: “أؤكّد أنّ برمجة الأعمال المدرجة ضمن فعاليات المهرجان لا تتمّ وفق أهواء مدير المهرجان، ولكنها تنطلق من الرأي الاستشاري للجنة الفنية، ولقرار الهيئة المديرة التي تأخذ بعين الاعتبار عدة مقاييس، من بينها الموازنة المالية والفنية للمهرجان، والتي يجب أن يتوفّر فيها الحضور المسرحي والكوريغرافيا، ومختلف الأنماط الثقافية والفنية لهندسة برمجة متكاملة”.

بين “آخر البحر” و”رقصة سماء”

و”آخر البحر”، لفاضل الجعايبي، المقتبسة من أسطورة ميديا الإغريقية، تستعرض في ثلاث ساعات قصّة امرأة يمنية يدفعها البحث عن حياة أفضل لمغادرة اليمن إلى تونس، باعتبارها بلدا يتمتّع بالحقوق والحريات واحترام المرأة، لكنها تواجه فيه واقعا لا يقلّ سوءًا عن ذلك الذي تركته وراءها.

والمسرحية التي عُرضت للمرّة الأولى في جانفي 2024، هي خامس مسرحية يُقدّمها فاضل الجعايبي (مواليد 1945) بعد الثورة التونسية، وهي استكمال لمسرحياته الأربعة: “تسونامي” (2013)، “العنف” (2015)، “الخوف” (2016)، و”مارتير” (2020)، التي يتناول فيها الواقع التونسي بعد 2011.

أما مسرحية “رقصة سماء” للمخرج الطاهر عيسى بن العربي، فتدور أحداثها بين الواقع والخيال وبين الذاتي والموضوعي، وتحكي قصة حبّ وسط ويلات الواقع وإكراهاته.

وتجمع المسرحية عددا من الممثّلين المسرحيين المحترفين، تتقدّمهم الممثلة المخضرمة منى نورالدين، إضافة إلى هاجر حمودة، خالد الزيدي، لزهر الفرحاني، عبدالكريم البناني، شيماء الزعزاع، حمزة الورتتاني، منير الخزري، إيمان المناعي، وآمنة المهبولي.

وتدور قصة المسرحية حول شخصية “هالة”، وهي امرأة مسجونة في عالم العائلة تؤمن بالتضحية من أجل زوجها، ولكنها تكتشف أنّ جوهر الحبّ أعمق كثيرا من العادات والأعراف الاجتماعية، فتعيش حالة من التمزّق بين الموجود والمنشود، وبين عالم المثل والواقع الذي تعيشه.

وفي تداخل بين الواقع والخيال تبدأ “هالة” بقراءة رواية فتقع في حبّ الكاتب المصاب بداء السرطان، تعشقه ويبلغ بها الحب أعلى درجاته، لكنه يستسلم للموت، ويترك لها حسرة ولوعة، وإنتاجه من الشعر والنثر.

وتُعرّج المسرحية وسط الأحداث، على ما يجري في الزمن الحاضر من صراعات وحروب وأوبئة وانهيار للقيم الأخلاقية، وكيف أنّ العالم يعيش فعلا أزمة حبّ، تعبّر عنها شخصيات المسرحية انطلاقا من تجارب ذاتية وصولا إلى انعكاساتها على وطن بأكمله.