مهرجان الجمّ السيمفوني... احتفاء بالمرأة التونسية عزفا وغناء
tunigate post cover
ثقافة

مهرجان الجمّ السيمفوني... احتفاء بالمرأة التونسية عزفا وغناء

مهرجان الجمّ للموسيقى السيمفونية يختتم دورته الـ35 محتفيا بالمرأة التونسية صوتا وعزفا في حضور للأب المؤسّس محمد الناصر
2022-08-14 15:02

صابر بن عامر
في احتفاء بالمرأة التونسية في عيدها الوطني الذي يُوافق الـ13 من أوت/ أغسطس من كل عام، أسدل الستار مساء أمس السبت بكولوسيوم الجمّ، على فعاليات النسخة الـ35 من مهرجان الجم الدولي للموسيقى السيمفونية، وسط حضور جماهيري محترم العدد من السياح والتونسيين وأبناء الجم، الذين كرّموا على طريقتهم مؤسّس المهرجان الرئيس التونسي السابق محمد الناصر صيف عام 1986.

ومحمد الناصر (21 مارس/آذار 1934)، سياسي تونسي، شغل منصب الرئيس المؤقّت للجمهورية التونسية خلال عام 2019 بعد وفاة الرئيس الأسبق محمد الباجي قايد السبسي، فيما نُصّب سابقا رئيسا لمجلس النواب التونسي منذ 4 ديسمبر/كانون الأول 2014 إلى 25 جويلية/يوليو 2019.

وهو قبل كل ذلك أصيل مدينة الجمّ التابعة لولاية المهدية شرقي تونس ومؤسّس مهرجانها السيمفوني العريق، والذي يعدّ واحدا من أشهر مهرجانات تونس، يقام كل صيف في مدرج الجمّ التاريخي الذي بُني في القرن الثالث ميلادي.

وعن هذا المشروع الذي ولد كبيرا وعاش أصيلا، قال الرئيس محمد الناصر في تصريح خاص لبوابة تونس: “كان حلما راودني حين كنت رئيس بلدية الجمّ سنوات الثمانينات، تمنّيت أن أجمع بين هذا المعلم التاريخي التليد، الكولسيوم، وبين الموسيقى العالمة والحالمة، فكان مهرجان الجمّ للموسيقى السيمفونية الذي ما انفكّ يكبر ويترسّخ في الذائقة التونسية، حتى بات لدينا اليوم تينور وسوبرانو تونسيون وتونسيات لحما ودما، وعازفون وعازفات مهرة، وهو ما يُلج صدري ويمحني الطمأنينة على مصير شبابنا الموسيقيّ الخلاقّ… شكرا لكل من آمن بالفكرة ودعّمها وأضاف إليها من روحه وخياله”.

أصوات تونسية تنشد الفرح

ولأنّ الحدث كان استثنائيا ليلة أمس السبت تزامنا مع حدثين أولهما وطني، وهو احتفاء تونس بعيد المرأة، وثانيهما جهوي، وهو احتفاء الجمّ باختتام النسخة الـ35 من مهرجانها السيمفوني، أتى العرض متنوّعا جامعا بين عدة مدارس أوبيرالية ألمانية وفرنسية وتونسية.

عرض قال عنه المدير الفني للمهرجان مبروك العيوني: “اخترناه بعناية كي يكون متزامنا مع عيد المرأة التونسية في يومها الوطني، وفيه تواصل عشاق الموسيقى السيمفونية مع روائع أوبيرالية قدّمت بأنامل نسائية خالصة، وهي سابقة في تاريخ المهرجان”.

وهو ما تمّ، فعليا، عبر افتتاحه من قبل الفنانة التونسية رحاب الصغيّر بوصلة غنائية جمعت فيها بين لغة الضاد ولغة موليار، قبل أن تعتلي الخشبة مجموعة “رفلكتور” الألمانية بقيادة لاعب البيانو الشهير كامبيل غالاغار بالتعاون مع جمعية “تونس 88” التي تضمّ مدارس موسيقية أوبيرالية من عدة ولايات تونسية، على غرار باجة وسوسة وصفاقس وقبلي وغيرها، تحت قيادة تونسية خالصة أمّنها المايسترو فادي بن عثمان.

وفي تصريح خاص لبوابة تونس بعد انتهاء العرض قال بن عثمان: “بفضل جمعية “تونس 88″ كان هذا التمازج بين الموسيقى العالمية لباخ وغالاغار الذي ألف معزوفة خاصة لشباب تونس الأوبيرالي مستندا إلى اللهجة التونسية ليمنحها موسيقاه العالمية، وهو ما يُحسب لعرض الليلة، إلى جانب ذاك الصعود الرشيق للسوبرانو التونسي الواعد أماني الكعلي”.

وعن صعودها الأول على مسرح الجمّ قالت السوبرانو أماني الكعلي، التي غنت لموزار “ملكة الليل”، في تصريح خاص لبوابة تونس: “ما عشته اليوم هو حلم ومشوار طويل بدأ يتحقّق، وسأعقبه بإذن الله بمشروعي الخاص قريبا”.

وضمّ الأوركاستر، الذي قدّم أشهر المعزوفات العالمية والتأليفات الأوبرالية الجديدة، ما يزيد عن 50 منشدا ومنشدة (كورال) وعشرين عازفا وعازفة من تونس وخارجها في تآلف عزفي جمع بين خبرة المكرسين وطموح الهواة.

من حلبة الموت إلى مسرح الحياة

وكان مسرح الجمّ حلبة لمصارعة الوحوش ومسرحا داميا تتمزّق فيه أجساد العبيد وأسرى الحرب وكبار المجرمين الذين تجاوزوا القانون، كما كانت جدرانه شاهدا على النبلاء الرومانيين الذين أدمنوا الصّراعات الدامية، وخصّصوا لمشاهدتها أغلب وقتهم.

غير أنه اليوم أصبح مكانا لالتقاء الفنانين ومسرحا شهيرا لأهم الحفلات الموسيقية في تونس والعالم، إذ تقام فيه سنويا مهرجانات وحفلات لأهمّ الفرق العالمية الأوبيرالية، وهو الذي استضاف وما يزال يستضيف عدة أسماء عالمية، على غرار المغنية الأميركية الملقبة بـ”الديفا” باربرا أندريكس والموسيقي الإيطالي الشهير ريكاردو موتي.

كما استقبل المسرح عديد الفرق الموسيقية العربية والعالمية، مثل الأوركسترا السيمفونية التونسية، والأوركسترا السيمفونية الوطنية الجزائرية، وأوركسترا روما الفيلهارمونية، وأوركسترا بودابست الغجر السيمفوني، وأوركسترا سينفونيكا دي روما.

مهرجان باذخ يجمع بين الذائقة الفنية الرفيعة وأصالة المعمار التليد، فتُضاء الشموع في كل صيف في مختلف أروقته مشكّلة لوحة فريدة تجمع بين سحر الأثر التاريخي وإبداع الفن المعاصر.

أفريكا… آلهة تونس وإفريقيا

وقبل الاختتام الرسمي للنسخة الـ35 من مهرجان الجم الدولي للموسيقى السيمفونية، دعت اللجنة المنظّمة للمهرجان الصحافيين وبعض السفراء والدبلوماسيين المعتمدين في تونس وضيوف المهرجان إلى جولة في المتحف الأثري بالجم، وهو متحف تونسي يقع في قلب المدينة التي كانت تسمّى قديما تيسدروس.

وعنه قال المؤرّخ فتحي كزّار: “أُسّس المتحف في العام 1970، وشهد أعمال تجديد وصيانة في 2002، وهو يقع بمحاذاة العديد من المسارح الرومانية القديمة، وآخرها مسرح الجمّ، الأكبر والأحسن حفظا، وهو مسجلّ في التراث العالمي”.

وأضاف: “يقدّم المتحف مجموعة هامة من اللوحات الفسيفسائية الرومانية، تغطّي مرحلة تمتدّ من القرن الثاني إلى القرن الخامس ميلادي، وتجمع جزءا كبيرا من القطع المكتشفة في المدينة، بينما نُقلت قطع أخرى للعرض في المتحف الأثري بسوسة وخاصة في المتحف الوطني بباردو”.

ويوجد بالمتحف أيضا العديد من اللوحات الفسيفسائية الأخرى تحمل أشكالا هندسية ومشاهد تصويرية، مثل صور الحيوانات البريّة ومشاهد صيد وأخرى في الحياة البريّة، خاصة لوحتان فسيفسائيتان وُجدتا أثناء حفريات “بيت موكب ديونيسوس”: الأولى عنوانها نمر يهاجم أخدرين اثنين، والثانية عنوانها أسود تلتهم خنزيرا بريا.

وعن ذلك يقول كزّار في تصريح خاص لبوابة تونس: “ما يميّز فسيفساء الجمّ عن فسيفساء بقية الجهات التونسية؛ دقّة الاشتغال بأحجار ذات ألوان طبيعية، ثم مواضيعها التي تعكس ما كان يدور في القصر من معارك بين المُصارعين والحيوانات الضارية، وأخيرا إبراز الفصول الأربعة في جلّ اللوحات الفسيفسائية القديمة”.

وبمحاذاة المتحف الأثري بالجمّ تتربّع دار أفريكا، وهي الآلهة التي منحت اسمها إلى تونس، ومن ثمة إلى القارة الإفريقية، وفق كزّار.

والدار أُعيد تشكيلها حديثا بحجمها الحقيقي، وهو منزل أرستقراطي فخم شُيّد حوالي عام 170 ميلادي، واكتشف صدفة في بداية التسعينات.

وسمّي بهذا الاسم لوجود لوحتين من الفسيفساء رُسمت في وسطها داخل حلية بيضويّة، كلّ من الربّة أفريكا وولاية إفريقيا، ولا تعرف تمثيلات غيرهما للقارة الإفريقية.

وتحتوي الدار على العديد من اللوحات التفسيرية، كتلك التي تدلّ على تقنيات البناء أو الفن والوضع الاجتماعي للفنان ومشكل الفسيفساء.

تونس#
مهرجانات#
موسيقى#

عناوين أخرى