صابر بن عامر
اختتمت، مساء أمس السبت، فعاليات الدورة العاشرة للمهرجان الدولي لأفلام حقوق الإنسان بتونس تحت شعار “الحقوق لا تتجزأ” الذي تنظّمه سنويا الجمعية الثقافيّة التونسية للإدماج والتكوين (أكتيف)، بتوزيع الجوائز، حيث ذهبت جائزة الفيلم الروائي الطويل مناصفة بين فيلم “سامية” إخراج ياسمين سمديريلي وهو إنتاج مشترك بلجيكي ألماني إيطالي، وفيلم “مستنزف بالأحلام” إخراج الشيخ مأمون من كوريا الجنوبية، فيما ذهبت جائزة الفيلم الروائي القصير إلى فيلم “لماذا تعود كل صيف؟” إخراج خولي سواريز من إسبانيا.

أهم الأخبار الآن:
أما جائزة الفيلم الوثائقي الطويل، فآلت إلى فيلم “غصة” إخراج هانيا خوري من لبنان. كما نوّهت لجنة التحكيم بفيلم “أب وابن وسانكارا” إخراج أندرياس لانداك من ألمانيا، وهو الذي أهدى التتويج للشعب الفلسطيني المقاوم.
فيما ذهبت جائزة الفيلم الوثائقي القصير للفيلم الإيطالي “بنات أفغانستان” إخراج إيمانويلا زوكالا.
وحصل فيلم “حدود” للمخرج الأفغاني سعيد محسن حسيني على جائزة أفلام التحريك.
الدفاع عن الحقوق عبر السينما
وانطلق حفل الاختتام بكلمة ريم بن منصور مديرة الدورة الحالية، والتي قالت في كلمتها “يسعدني أن أقف بينكم الآن وأعبّر عن كامل فرحتي واعتزازي ونحن نختتم الدورة العاشرة من المهرجان الدولي لأفلام حقوق الإنسان بتونس الكرامة تونس شاشة الإنسان، عشر دورات من العمل والالتزام واللقاءات والسينما والأفكار الإنسانية، بدأ هذا المهرجان كحلم وتحدّي، وأصبح اليوم موعدا ثقافيا راسخا ومكانا فريدا في طبيعته وشكله، نجح في أن يجد مكانه بين العديد من المهرجانات، لكنه ظل مميزا برؤيته والتزامه وهويته الإنسانية العميقة”.
وأضافت بن منصور: “خلال خمسة أيام من المهرجان عرضنا 55 فيلما من 32 دولة عربية وغربية -مع حلوب إسبانيا هذا العام ضيق شرف المهرجان- شاركنا فيها 18 مخرجا من مختلف دول العالم أثروا النقاشات من خلال تجاربهم وتفاعلهم مع الحضور والجمهور”.
وختمت كلمتها بالقول: “نحن فخورون لأننا استطعنا بناء مشروع يعبّر عن قيم الحرية والكرامة والعدالة من خلال الصورة، مشروع يجمع الفنانين والناشطين والحقوقيين والمفكّرين والطلبة والمواطنين حول قناعة واحدة: السينما يمكن أن تكون أداة قوية للتغيير”.
وكما انطلق المهرجان في الـ11 من الشهر من خلال أمسية طربية بصوت الفنانة التونسية درصاف الحمداني، حضرت الموسيقى في فعاليات حفل اختتام المهرجان الدولي لسينما حقوق الإنسان، حيث قدّمت فنانة الراب فاتن خالد مجموعة من أغانيها الشبابية التي تفاعل معها جمهورها.
أغان تعبّر عن ثورة الشباب ضدّ كل أشكال الظلم، وأخرى تنتصر للنساء وتدافع عنهنّ.
كما وقع عرض الفيلم التونسي “ما وراء الواقع” للمخرج بشير بوزيان، وهو من إنتاج هيئة الأمم المتحدة بتونس، و بطولة كلّ من فاطمة صفر، ونادية بوستّة، وعصام عبسي وعاطف بوزيدي.
ويسلّط فيه مخرجه الضوء على العنف المسلّط ضد النساء في وسائل التواصل الاجتماعي والشارع ووسائل النقل.
وقد أنجز الفيلم ضمن مبادرة هيئة الأمم المتحدة للمرأة في تونس، وذلك في إطار مشروع “تونس مدينة آمنة للنساء والفتيات” بهدف رفع مستوى الوعي حول العنف المسلّط ضدّ النساء.
ندوة فكرية عن البيئة في قابس والمرسوم 54
وعلى هامش المهرجان، نظّمت الجمعية الثقافية التونسية للإدماج والتكوين (أكتيف) بالشراكة مع شبكة أنهار لمهرجانات أفلام حقوق الإنسان، ندوة فكرية محورها “منظومة حقوق الإنسان في ظل الواقع الحالي”، جمعت ممثّلين عن المنظمات الحقوقيّة، ومخرجين وصحفيين ومديرين مهرجانات سينمائيّة، من جغرافيات مختلفة، ملتزمين بالقضايا العادلة، للتّفكير معا في التحدّيات الجديدة التي يطرحها تكريس حقوق الإنسان على أرض الواقع في تونس اليوم.
وشكّل هذا اللقاء فضاءً مفتوحا للحوار وتبادل القناعات والتجارب والرؤى، وهو دعوةً إلى العمل الجماعي من أجل أن تظلّ القيّم العالمية لحقوق الإنسان مصدر إلهام للجميع.
وانقسم برنامج الندوة إلى جزأين، قسم أوّل للمنظمات الحقوقية، وقدم فيه المتدخلون قراءة عن واقع حقوق الإنسان في الوقت الحالي، وقسم ثان خصص للسينما ودورها في الدفاع عن الحقوق.
وافتتحت الندوة بكلمة ريم بن منصور رئيسة الجمعية الثقافية التونسية للإدماج والتكوين، بالقول “نحتفي بمبدإ عدم قابلية الحقوق للتفريع، لأنّ الحريّة لا تكتمل دون مساواة وحقوق المرأة لا تنفصل عن الحقوق المدنية، وحقوق الطفل لا تزدهر في عالم يسوده العنف والحرب”.
ونوّهت بن منصور إلى أهمية السينما لنشر ثقافة حقوق الإنسان والدفاع عنها، قائلة: “نحن نؤمن أنّ الصورة قادرة على إيقاظ الوعي وإلهام التغيير، لذا سعينا إلى أن نجعل من الفن السابع أداةً للتفكير والتوعية والأمل”، وفق تعبيرها.
تلتها مداخلة مريم بوجلبان ممثلة منظمة العفو الدولية تحدّثت فيها عن تماهي شعار المهرجان الدولي لأفلام حقوق الإنسان “الحقوق لا تتجزأ” مع المادة الأولى للإعلان الدولي لحقوق الإنسان.
وأكّدت بوجلبان في مداخلتها أنّ العالم يعيش اليوم أزمة حقوقية، جراء صعود اليمين المتطرف في أمريكا والصمت الرهيب تجاه المجازر في غزة والسودان واليمن ولبنان والكونغو، وأنّ المجتمع الدولي مهّد لهذه الفوضى بالتواطئ والصمت.
وأضافت: “في تونس هناك أزمة حقوقية تتعلّق أساسا بحرية التعبير، وهي من أهم أهداف ثورة 2011، بالإضافة إلى ملفَي الهجرة واستقلال القضاء”.
وأردفت: “نعيش في تونس العديد من الانتهاكات مثل انتهاك الحق في التظاهر السلمي، والحق في بيئة سليمة وما تعانيه قابس خير دليل على صمت السلطة تجاه هذا الحق، بالإضافة الى التضييقات على حقوق التعبير من خلال المرسوم 54”.
أما المداخلة الثانية، فقدّمتها إيمان محمدي ممثلة الأمم المتحدة للمرأة، وفيها تحدّثت عن السينما كوسيلة لتعزيز حقوق المرأة، وأشارت إلى القانون عدد 58 لسنة 2017 الذي يشتغلون عليه لمزيد تعزيز حقوق النساء، في ظل التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمناخية، حيث أنّ كلّ المتغيرات تأثّر في حقوق النساء، وفق تقديرها.
وأكّدت محمدي أنهم يشتغلون حاليا على فكرة “الفضاء الآمن”، أي كيف يكون الفضاء العام آمنا للنساء على غرار الجامعة ووسائل النقل والشارع، مستعملين السينما وسيلة للتغيير والتأثير.
كما أشارت إلى أنه، وبعد عمل ودراسات انتهوا إلى تصوير الفيلم الوثائقي “ما وراء الواقع” للمخرج البشير بوزيان، المشار إليه آنفا.
وهو يتناول قصة حياة مصممة الأزياء التونسية التي تتعرّض خلال حياتها اليومية للعنف الجسدي والجنسي والمعنوي والرقمي، مسلّطا الضوء على الإثارة الدائمة على الأفراد.
السينما ذاكرة ومقاومة
فيما حمل الجزء الثاني من الندوة عنوان “السينما والذاكرة والمقاومة”، وتحدّث المتدخلّون فيها عن السينما أداة للتوعية والمقاومة والتغيير الاجتماعي.
وفي هذا السياق تحدّث المخرج التونسي الهادي كريسعان في مداخلة نوّهت بأهمية السينما وسيلة للتأثير ثمّ التغيير، “فالسينما فعل للمقاومة، لذلك اخترتها وسيلة للتعبير والإنصات لقضايا الناس”، وفق قول المخرج التونسي المقيم بإيطاليا.
وفي مداخلته أشار كريسعان إلى بداياته كممثل في إيطاليا، حيث اقتصرت أدواره على “المهاجر الذي لا يحترم القوانين وما ينجزه من فوضى”، “هذه الصورة النمطية للمهاجر أردت الاشتغال عليها، ولذلك اخترت السينما حتى تكون الكاميرا صوتا للجميع، لأنني أردت أن أحكي على المهاجرين من وجهتي نظري”، حسب تعبيره.
وأضاف: “في أوروبا، تحديدا إيطاليا، هناك الكثير من المغالطات، أولا بخصوص المهاجرين، ثم القضية الفلسطينية، فـ”الكيان الصهيوني” يدفع الكثير من الأموال لطمس الحقيقة، ولهذا قرّرت أن تكون الكاميرا والسينما وسيلتي لنقل حقيقة ما يحدث في فلسطين إلى أوروبا، ومن هنا ولد فيلم “الوديعة” الذي تحدّث أساسا على العلاقة الوثيقة بين الفلسطيني وشجرة الزيتون، وحقّق الفيلم تفاعلا إيجابيا، حيث عُرض في كان وفينيسيا وعدد من دول العالم”.
وأشار كريسعان إلى أنّ السينمائي المستقل في إيطاليا يُعاني الكثير بسبب قلة الموارد، “لأن المستقلين الأكثر حرية في طرح الأفكار، ولكن قلة الدعم تأثر أحيانا على الإنتاج”.
وختم الهادي كريسعان مداخلته بالإشارة إلى أهمية السينما صورة للحقيقة وانتصارا لكل القضايا العادلة.
ثراء المهرجان وتنوّع مواضيعه
وفي مداخلتها أشارت الإسبانية بيلار ألمينار إلى الثراء والتنوّع الذي شاهدته في المهرجان الدولي لحقوق الإنسان بتونس، منوّهة بقولها: “إسبانيا ورغم قربها الجغرافي من شمال إفريقيا، إلّا أنّ المهرجانات السينمائية التي ننظمها أقل ثراء ممّا وجدته هنا، فالأفلام من دول مختلفة، واكتشفت هنا جمالية الأفلام الإفريقية وتنوّع مواضيعها”.
وأضافت: “في مهرجان أفلام حقوق الإنسان بتونس شاهدت أفلاما بمواضيع جد متباينة، وتيقّنت أنّ المهرجانات في دولتي ليست بهذا الكمّ من ثراء المواضيع والمشاهد المتناولة”.
وعن “مهرجان هومين” الإسباني الذي تُديره بيلار ألمينار، قالت: “يختار المهرجان سنويا محورا للاشتغال عليه ضمن عروض الأفلام والنقاشات، وفي الدورة الـ16 التي أنجزت في 2025 عملنا على “تحقيق السلام”، وسيكون “حقوق الطفل والشباب” محور دورة 2026، والمهرجان من تنظيم “منظمة من أجل العدالة” -غير حكومية- بعثها عدد من المحامين والقضاة المهتمين بالعدالة وحقوق الإنسان عبر السينما، كما يتوجه المهرجان إلى التلاميذ والمؤسّسات التربوية والجمعيات المهتمة بدور الفن في الدفاع عن حقوق الإنسان.







أضف تعليقا