بقلم: منجي الفرحاني
*مخرج وفنان تشكيلي
على هذه الأرض الممتدة في أقاصي الجنوب، يتجلى الوجود في أبهى تناقضاته، كأنك تقف أمام لوحة زيتية رسمتها يد قلقة؛ تتجاور فيها الألوان الفاقعة مع الظلال الحبرية المعتمة.
الأرجنتين ليست مجرد جغرافيا، بل هي حالة مشروخة، تمارس الطرد والإقصاء في العلن، بينما يولد من أحشائها النور الذي يهتدي به السائرون في عتمة هذا العالم.
أهم الأخبار الآن:
تبدأ الحكاية من الملاعب الخضراء، تلك المساحات التي تحوّلت في الآونة الأخيرة من ميدان للشغف العفوي إلى مسارح مهندسة بعناية، وهي النقطة التي أشعلت غضبا عالميا غير مسبوق. لقد بات قطاع واسع من العالم ينظر بكراهية ونفور إلى ليونيل ميسي وفريقه، ومن خلفهم الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)؛ لأنّ الجماهير شعرت بأنّ كرة القدم فَقَدت عذريتها وتلوثت بروح “البيزنس” والمجاملة الفاضحة.
هناك، تحت أضواء كاشفة مبهرة، يجلس ميسي فوق عرش نسجته خيوط المال وحسابات التسويق، حيث تُطوّع القوانين وتُصنع ركلات الجزاء على المقاس لضمان بقائه الأبدي في بؤرة الضوء وتجنيب الفيفا خسائر بملايين الدولارات.
لقد تحوّل ميسي في نظر الملايين من أسطورة كروية إلى “ابن مدلل” لمنظومة ترتب النتائج خلف الكواليس، وتوجّ ببطولات وجوائز فردية يرى الكثيرون أنها سُلبت قسرا من لاعبين كادحين استحقّوها بجهدهم لا بنفوذهم الإعلامي.
وما زاد من حنق العالم وكراهيته لهذا الفريق، هو السلوك الأخلاقي للاعبيه؛ حيث سقطت الأقنعة لتكشف عن وجه يتّسم بالغرور والاستعلاء، وتورّط الاتحاد الأرجنتيني في قضايا فساد مالي وغسيل أموال، ممّا جعل انتصاراتهم تبدو في عيون الشعوب المنصفة كأنها مسرحية تجارية مهندسة مسبقا مفرغة من شرف المنافسة الشريفة.
لكنّ هذه الغطرسة والعنصرية الحالية المتكرّرة في الملاعب ليست وليدة الصدفة، بل هي صدى لخطوات تاريخية غائرة في الطين والدم.
فلو نبشنا في ثنايا الذاكرة، لسمعنا أنين ثلث شعب من ذوي البشرة السمراء، تمّ محو وجودهم بالتدريج صامتا؛ سِيق رجالهم كدروع بشرية في حروب انتحارية، ورُكِن نساؤهم في أحياء الأوبئة المعزولة، حتى اختفت ملامحهم من دفاتر الإحصاء الرسمية لتشييد وهم قسري يسمى “النقاء الأوروبي الأبيض”.
هذا الوهم نفسه هو الذي فتح الأبواب ليلا لاستقبال ضباط النازية الفارين.
ومن هنا تنبع المفارقة الصارخة: بلد ينظر باستعلاء نحو جاره البرازيلي النابض بالألوان، مطلقا نعوت “القردة” ليداري في حقيقة الأمر عقدة نقص جينية وأصولا مكبوتة تثبتها تحاليل الدم المعاصرة.
ولكن، وهنا تتجلى المعجزة الفريدة لهذه الأرض، فإنّ الرحم الذي ضاق بالتنوّع عرقيا وصنع منظومة المجاملات كرويا، اتّسع إنسانيا لينجب للعالم أيقونات خارقة للحدود، كأنّ الأرض تكفّر عن خطاياها بتقديم القديسين والمتمردين.
من هذا الركام، يبرز إرنستو “تشي” غيفارا؛ الطبيب الأرجنتيني الأرستقراطي الذي لم تسجنه حدود بلاده.
تراه في الخيال كالنسمة المتمرّدة، يخلع معطف الرفاهية ويحمل بندقيته ليعبر الأدغال والمحيطات، مدافعا عن إنسان لا يعرفه، ليتحوّل وجهه ذو اللحية الكثيفة والبيريه ذات النجمة اللامعة إلى إرث كوني مشاع لكل من يرفض القيد والعبودية.
وعلى الجانب الآخر من الشارع، يركض دييغو أرماندو مارادونا؛ المتمرّد الأكبر وشاعر الفقراء الذي كتب ملحمته بالقدم اليسرى.
دييغو كان النقيض التام لـ”ميسي الفيفا”؛ لم يكن بطلا مصنوعا في مكاتب الرعاة، بل كان ثورة مشاعر متحركة خرجت من طين العشوائيات.
عندما راوغ دفاع إنجلترا عام 1986، كان يثأر لدموع أمهات الجنود في حرب الفوكلاند؛ سحر العالم لأنه ظل قريبا من المحرومين، ثائرا ضد إمبراطورية الفيفا الفاسدة، ومناصرا لكل القضايا العادلة والمستضعفين في الأرض.
وفي عتمة الصمت، يجلس الكاتب إرنستو ساباتو، حارس الضمير الأخلاقي.
ساباتو لم يكتب لترف الكلمات، بل غاص في نفق النفس البشرية المظلم ليخرج لنا بتقريره التاريخي الفاجع “أبدا مجدّدا”، ممسكا بمشرط العدالة ليفضح جرائم الديكتاتورية، جاعلا من قلم الكاتب الملتزم النخاع الشوكي لكرامة الإنسان التي لا تقبل المساومة.
وقبل أن ينغلق أفق الرؤية، تطلّ علينا من فوق العرش الأوروبي الملكة ماكسيما، كأنها خيوط الشمس اللاتينية الدافئة التي أذابت جليد القصور الشمالية في هولندا.
ماكسيما قدّمت للعالم صورة مغايرة للأناقة؛ تلك التي تجوب أفقر بقاع الأرض لتمكين النساء والفقراء اقتصاديا.
وفي غمرة ذلك الحضور الملكي، تبرز لقطتها الشهيرة التي سحرت قلوب الملايين حين قلّدت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بطريقة ساخرة ومبطنة.
في تلك الحركة العفوية، لم تكن مجرد ملكة تكسر وقار البروتوكول، بل كانت الروح اللاتينية المتمردة الساخرة الكامنة في أعماقها تعرّي نرجسية القوة؛ مبرهنة على أنّ الأناقة الحقيقية هي تلك التي تملك الشجاعة لتضحك من تضخّم الأنا لدى طواغيت السياسة.
في المحصلة، تبدو الأرجنتين في ختام هذا النضال كالموجة المتلاطمة؛ بلد يمارس خطيئة الإقصاء في ملاعبه وتلاحقه لعنة المجاملات الكروية، لكنه يمنح الإنسانية أعظم أسلحتها في المقاومة والأدب والجمال الساخر.
إنها تذكّرنا بأعمق الدروس: أنّ النور الأشد بريقا، قد ينبثق أحيانا من الشقوق الأكثر عتمة.
***
*منجي الفرحاني: مخرج سينمائي وفنان تشكيلي وكاتب تونسي الأصل، يقيم في هولندا، ويشتغل على تقاطع الصورة والسرد في أعماله بين السينما والكتابة والفن التشكيلي.



أضف تعليقا