من فلسطين 1948 إلى الطوفان ..عندما تقاوم غزة “سردية” النكبة 

الخامس عشر من ماي، ليس مجرد رقم دوري في رزنامة السنوات، بل شق غائر في ذاكرة العقل العربي، وجرحٌ يأبى التخثر منذ 78 عاما. تاريخ يحمل رجع الصدى الممتد لأشد الانكسارات العسكرية والسياسية مرارة في التاريخ العربي المعاصر.

لم تعد نكبة 1948 مجرد “ذكرى” تُستحضر للرثاء، بعد أن تحول مجددا على أرض غزة إلى سردية حيّة تحدث من قلب المأساة عن “تغريبة فلسطينية معكوسة”.

الحبر البريطاني للمشروع

لم يكن إعلان دافيد بن غوريون قيام كيان الاحتلال، سوى الحبر الأسود الذي خُتمت به مسودة الخطيئة التأسيسية، والتي استغرقت حياكتها نصف قرن من الزمان.

ففي مؤتمر بازل عام 1897، وُضعت المخططات الأولى لسرقة الجغرافيا، عبر الاعتماد على موجات الهجرة الاستيطانية الكثيفة كأداة لـ “الاستئصال الديمغرافي”.

لعبت القوى الاستعمارية الأوروبية، وتحديدا بريطانيا، الدور الرئيسي في تبني المشروع الصهيوني، ففي نوفمبر 1917، صدر “وعد بلفور”؛ العقد غير الشرعي الذي “منح من لا يملك لمن لا يستحق”.

ومع دخول فلسطين حقبة الانتداب البريطاني سنة 1921، بدأت عملية ممنهجة لتغيير الملامح الديموغرافية للأرض على مدار ربع قرن.

وفيما كانت بريطانيا تتنكر لوعودها الاستقلالية للحلفاء العرب، كانت طاولة “سايكس بيكو” تقطع أوصال المشرق، لتُقدم فلسطين جائزة كبرى، وقربانا على مذبح المشروع الصهيوني.

في ذلك العام، لم تكن مجازر عصابات “الهاجاناه” و”شتيرن” والأرغون مجرد أعمال عنف عابرة، بل كانت أدوات تنفيذية لـ “مقصلة جغرافية” هدفت إلى محو الوجود العربي والفلسطيني المتجذر.

صرخات النساء والأطفال في “دير ياسين”، وقوافل المهجرين قسرا من يافا وحيفا والنقب والجليل ومئات القرى التي مُسحت عن الخريطة، شكلت المشهد الدرامي الأول للنكبة.

 مثل التهجير محصلة لتواطؤ دولي وغربي غير مسبوق، وعجز رسمي عربي تقاطع مع الانقسامات السياسية، ليتحول شعب بأكمله من أصحاب أرض إلى أرقام في سجلات مخيمات اللجوء الأممية.

 “سراب” السلام

طوال عقود من الصراع، جرت دماء كثيرة تحت جسور التاريخ والجغرافيا، إذ جاءت نكسة 1967 لتكرس احتلال ما تبقى من فلسطين التاريخية (الضفة الغربية وغزة والقدس)، إضافة إلى سيناء المصرية والجولان السوري.

عقب حرب أكتوبر 1973 دخلت القضية الفلسطينية في “متاهات” اتفاقيات السلام ومفاوضات “أوسلو” وما تلاها، والتي لم تكن في جوهرها سوى تكريس لواقع على الأرض يحول المطالبة بفلسطين التاريخية أو حدود جوان 1967، إلى ورقة تفاوضية قابلة للمساومة، في ظل تمدد سياسات الاستيطان وابتلاع الأراضي.

غزة..مقبرة السردية

بُني المشروع الصهيوني على فكرة “التشتيت”، ودفع الفلسطينيين نحو الأطراف وتذويبهم في دول الجوار، لكن قطاع غزة، تلك البقعة الجغرافية الضيقة والمحاصرة، شكلت صورة “التغريبة المعكوسة”.

طوال عقود من الاستيطان والاحتلال والحصار، صمد سكان القطاع الذي ينحدر الكثير منهم من لاجئي 1948، محولين الحياة داخل الشريط الساحلي الصغير إلى تجربة مقاومة شعبية فريدة، قوامها التمسك بالأرض، ورفض التهجير.

عاشت غزة تجربة النكبة كواقع يومي، ما جعل من حاضنتها الشعبية ووعيها النوعي مناخا لانبثاق حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، في خضم الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987.

أعادت غزة في معركة “الطوفان” صياغة مفهوم النكبة؛ مواجهة حرب إبادة غير مسبوقة في التاريخ، لكن مقاوميها حولوا أرضها إلى “ثقب أسود” ابتلع طوال أكثر من سنتين أسطورة التفوق “الإسرائيلي”.

 مشاهد الدمار التي تخيم على غزة اليوم، أعادت كتابة تاريخ نكبة 1948 بحبر جديد، حبرٌ يؤكد أن الخيمة التي نُصبت قبل 78 عاماً للبكاء، قد تحولت اليوم إلى خندق يقاوم مشاريع التطبيع وتصفية القضية الفلسطينية.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *