تونس رأي

من فلسطين إلى الصين.. أين ثوابت الدبلوماسية التونسية؟ 

عبدالسلام الزبيدي 
“احترام ثوابت الدبلوماسية التونسية”، عبارة تكرّرت على ألسن النُخب التونسية ذات التأثير في صناعة الرأي العام، ومن خلاله صناعة القرار السياسي في تونس، وذلك على مدى السنوات العشر التي تلت ثورة 17 ديسمبر 14 جانفي. ويمكن القول بكثير من الاطمئنان إنّ هذه “المقولة” ارتقت إلى مستوى المعيار الذي من خلاله نقيّم أداء وزارة الخارجية.
وقد غدت أكثر من ذلك، حيث تحوّلت إلى أشبه ما يكون بـ”المُقدَّس الدنيوي”. إنْ تمّ وضعه على مشرحة التساؤل، فإنّ سياط “التكفير المدني” تنهال من كلّ صوب، لينال من تجرَّأ على ما قرّره الأوائل “نصيبا مفروضا” من التشكيك في الكفاءة وسيْلا من الاعتراضات تجبره في أحيان كثيرة على التراجع والانحناء أمام العاصفة. ولن يعدَم المسؤول المتراجع والخاضع لهذا المقدّس الدنيوي وأصحابه التعلّات والمبرّرات وربّما الحجج.
في الثوابت الدستورية 
 والأوائل الذين سطّروا هذه الثوابت هم: الرئيسان الراحلان الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي ووزراء الخارجية الذين تداولوا على المنصب طوال نصف قرن من عمر الجمهورية الأولى. وليس المجال الآن النظر في مدى وجاهة تحويل السياسات العامة إلى ثوابت، ثم رفعها إلى مستوى الثوابت الجامعة التي لا ينبغي تجاوزها بل و”تجريم” من تُسوِّل له نفسه ذلك. وليس المجال كذلك التساؤل عن سبب اختفاء “سدنة المقدّس الدبلوماسي وحرّاسة”. فما نشهده منذ 25 جويلية 2021 أشبه ما يكون بجرف هذه “الثوابت” من الأساس، في ظلّ صمت شبه مطلق ومطبق. وسنكتفي بإشارات وتلميحات حول هذا التحوّل في سياسة الدولة التونسية تجاه القضية الفلسطينية. ويمكن سحب ملاحظات شبيهة حول العلاقات مع الصين، لكنّنا اخترنا النظر في أمّ القضايا على أمل العودة إلى المستجدّ الصيني قريبا.
إنّ ما نشهده اليوم من تغيير في المواقف الرسمية للدولة التونسية تجاه القضية الفلسطينية، ليس مجرّد تجاوز لما سمّيْتُه بالثوابت الدبلوماسية التونسية فقط، وإنّما كذلك عدم تناغم مع ما جاء به دستور 2022 الصادر في 22 أوت والمسمّى بدستور 25 جويلية.
نصّ دستور ما بعد 25 جويلية 2021 في توطئته على أنّنا “شعب.. نتمسّك بالشرعية الدولية وننتصر للحقوق المشروعة للشعوب التي من حقّها، وفق هذه الشرعية، أن تُقرّر مصيرها بنفسها وأوّلها حق الشعب الفلسطيني في أرضه السليبة وإقامة دولته عليها بعد تحريرها وعاصمتها القدس الشريف”. ولنحتفظ من هذه التوطئة الدستورية، أنّ تونس تتمسّك بالشرعية الدولية، وقوام هذه الشرعية القرارات الأممية ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية. ولسنا هنا في وارد التذكير بقرار التقسيم والقرار 242 والقرار 338 وما تولّد عنها من قرارات تصبّ في خانة الاعتراف ذاتها بدولتين منفصلتين. ولنحتفظ كذلك بأنّ هذه التوطئة تضمّنت تأكيدا أنّ الشعب الفلسطيني هو الذي يقرّر مصيره، وليس رأي هذا الرئيس أو ذاك مهما كانت نيّاته ومقاصده، وأنّ الشعب الذي يريد هو الشعب الفلسطيني وليس الشعب التونسي.
ولنتذكَّر أنّ من صاغ دستور 2022 في نسختيه المنشورتين بالرائد الرسمي سواء منها تلك المحترمة للآجال المضبوطة سلفا أو تلك الخارقة لها، هو رئيس الجمهورية قيس سعيّد. وهو ما يعني أنّ سعيّد يقرّ بمشروعية الشرعية الدولية وبحق الفلسطينيين دون غيرهم، في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم على أرضهم السليبة.
ومن التوطئة نمرّ إلى الفصل المائة من الدستور ذاته، ففيه تمّ تأكيد أنّ رئيس الجمهورية هو الذي “يضبط السياسة العامة للدولة ويُحدِّدُ اختياراتها ويُعلم بها مجلس نوّاب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم. وله أن يخاطبهما إمّا مباشرة أو بطريق بيان يُوجّه إليهما”. فالفصل الدستوري الذي خطّه سعيّد بيده، يفصل القول في هويّة صانع السياسات والتوجّهات. فرئيس الحكومة ووزير الخارجية هما بالوصف الدستوري مساعدان فقط، أمّا المجلسان فلا يشاركان في بلورة المواقف بالرغم من أنّهما سلطتان، عفوا وظيفتان” تشريعيّتان”. وكلّ ما منحهما الدستور الذي خطّه الرئيس بيديه هو إمّا أن يعلمهما أو يلقي أمامهما خطاب أو يرسل إليهما بيان.
بين النص الدستوري والفعل السياسي 
ومن الأطر الدستورية نمرّ إلى الممارسة السياسية التي يمكن من خلالها الوقوف على مدى التزام صانع السياسات الخارجية بما تضمّنه الدستور من ناحية، ومدى احترامه لما وصفناه بالمقدّس الدنيوي وسميناه الثوابت الدبلوماسية التونسية.
كانت مواقف رئيس الجمهورية قيس سعيّد من قرارات الشرعية الدولية واضحة ولا يلفّها أيّ لبس ولا تحتمل التأويل. فهو دائم النقد لهذه الشرعية المتآكلة والظالمة والمنحازة إلى القويّ على حساب الضعيف صاحب الحق. وإذا كانت القرارات الأممية (الشرعية الدولية) تنصّ على حلّ الدولتين، فإنّه ما فتئ يردّد سواء بحضرة أعضاء مجلس الأمن القومي (يومان بعد بدء طوفان الأقصى يوم 7 أكتوبر 2023)، أو أمام الفلسطينيين المصابين والقادمين من غزّة، أو على مسامع وزير الخارجية، أو في المحافل الدولية وآخرها المنتدى الصيني العربي، بأنّه ينبغي تحرير كلّ فلسطين وإقامة دولة فلسطينية على كامل الأرض السليبة.
 كما دعا في اجتماع مجلس الأمن القومي المشار إليه إلى ضرورة “مواصلة مسيرة النضال بالكلمة الأمينة المعبّرة عن الطلقة الشجاعة من أجل تحرير كامل الوطن المحتّل بالجماهير العربية المعبّأة والمنظّمة والمسلّحة، وبالحرب الثورية طويلة الأمد، أسلوبا حتى تحرير فلسطين كلّ فلسطين”. إنّها دعوة إلى الكفاح المسلّح لتحرير كلّ فلسطين، وهي دعوة متطابقة لما كان يدعو إليه عرب الأربعينات الرافضين قرار التقسيم، ومتناسقة مع ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية قبل أن تعلن عن القبول بإقامة دولة فلسطينية على أراضي الـ67، وهي صدى لكلّ الشعارات التي رفعتها قوى المقاومة والزعامات العربية خلال الخمسينات والستينات.
ولم يقف رئيس الجمهورية قيس سعيّد عند مستوى الأقوال ضمن الخطابات الرسمية أو ما تتناقله الفيديوهات المنشورة على الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية. فقد قرَن الفعل بالقول، ورفض التصويت بنعم (تونس تحفّظت) في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 26 أكتوبر 2023 على قرار الهدنة الإنسانية والعاجلة والدائمة في غزة لأسباب متعددة من بينها مساواة القرار بين الضحية والجلّاد. وشفع سعيّد هذا التوجّه بالتحفّظ الدائم على قرارات الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي القائلة بضرورة اعتماد حلّ الدولتين. كما رفضت تونس -وفق بلاغ صادر عن وزارة الخارجية- المشاركة في الدعوى لمقاضاة الكيان المحتلّ بتهمة الإبادة الجماعية، بتعلّة أنّ المشاركة تتضمّن اعترافا غير معلن بالكيان باعتباره دولةً.
ولم تتمكّن السلطة التشريعية في تونس والمنحدرة إلى مقام الوظيفة وفق الدستور الجديد، من المصادقة على مقترح تجريم التطبيع رغم شروع النواب في التصويت. فقد كشف رئيس مجلس النواب إبراهيم بودربالة الخميس 2 نوفمبر 2023، أنّ رئيس الجمهورية اتّصل به هاتفيّا ليبلغه بأنّ “مقترح القانون سيضرّ بالمصالح الخارجية لتونس، وأنّ الأمر يتعلّق بخانة الاعتداء على أمن تونس الخارجي، وأنّ المسألة أخذت طابعا انتخابيا”. واستشهد بودربالة بشهيدين هما نائبته سوسن المبروك والنائب الثاني أنور المرزوقي.
وبعد يوم واحد من هذا الذي حدث، توجّه رئيس الجمهورية قيس سعيّد بخطاب إلى الشعب قال فيه” إنّنا في حرب تحرير لا في حرب تجريم، وإنّه ليس في حاجة إلى شهادة أحد بأنّ الأمر يجب أن يتعلّق بالخيانة العظمي للشعب الفلسطيني”. ودعا إلى الاستئناس بالفصل 60 من المجلّة الجزائية. وإلى حدّ كتابة هذه الكلمات ظلت الجلسة البرلمانية معلّقة، فلم يصدر قانون تجريم التطبيع ولا وجود لمؤشرات عن مساهمة تونسية في حرب التحرير.
عجزنا عن التجربم وندعو إلى التحرير؟
يبدو أنّه لا معنى للحديث عن ثوابت الدبلوماسية التونسية اليوم، فنحن أمام موقف جديد لا صلة له من قريب أو بعيد بالاعتراف بقرارات الشرعية الدولية، ولا ذِكر فيه لاعتراف تونس بهذه الدولة الوليدة في إعلان الجزائر نوفمبر 1988، علما
أنّ بلادنا تحتضن سفارتها.
 أمّا مقولات خذ وطالب البورقيبية، وحكمة الزعيم في خطاب أريحا، فذاك سجلّ لغوي فقد صلاحيته منذ أن تغيّر ماسكو السلطة واختفى المدافعون عن الثوابت وعن البورقيبية وعن الحكمة.
لكن بين الخطاب الرسمي التونسي ونص الدستور بوْن شاسع وهوّة عميقة، من بينها عدم التناغم بين ما تنصّ عليه التوطئة وبين السياسة العامة التونسية تجاه القضية الفلسطينية. فقد غدت تونس داعمة لتحرير كلّ الأرض السليبة، رغم أنّ منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية وفصائل المقاومة باعتبارها تجسيدا لتطلّعات الشعب الفلسطيني باختلاف انتماءاته تريد دولة على أراضي الـ67 ولو مرحليّا.
 فهل الشعب الفلسطيني هو الذي يريد أم من كتب دستور 2021 باسم إرادة الشعب التونسي هو من يريد؟ فقد تكون الوجاهة معه، لأنّ الإنسانية تعيش تحوّلا جوهريا تتجاوز فيه الشعوب الدول والمنظمات.. لننتظر فقد نرى التحرير رغم عجزنا عن التجريم.