من فساد الفيفا إلى عبث السياسة: العالم خلف المخبر الثامن

من فساد الفيفا إلى عبث السياسة: العالم خلف المخبر الثامن

بقلم: منجي الفرحاني

*مخرج وفنان تشكيلي

يبدو أنّ ميسي هذه المرة هي الوحيدة التي ربح فيها نصف النهائي دون مساعدة “الفيفا” (وهذه وحدها معجزة كروية تسترعي الانتباه)!

لكن بعيدا عن المستطيل الأخضر ومحاباة لجان التحكيم، يظلّ فساد الرياضة مجرد نزهة قصيرة مقارنة بعبث السياسة الدولية؛ تلك المنظومة القذرة والمليئة بالحروب الطاحنة والأحقاد التي لا تنتهي.

في الرياضة، قد يسرق الحَكَم ركلة جزاء أو يلغي هدفا شرعيا ويغضب الجمهور لساعات؛ تماما كما جرى في المونديال الأخير، المنهي أمس الأحد 19 جويلية، حين ذبح “فار” (VAR) الفيفا منتخب مصر بإلغاء هدف تاريخي بطريقة سريالية وتجريد الفراعنة من فوز مستحق، أو تلك الفضيحة الصارخة التي هزّت ربع النهائي أمام سويسرا حين تمّ طرد النجم السويسري إيمبولو ببطاقة صفراء ثانية لـ”التمثيل” بعد مراجعة لقطة لم يكن ليتدخّل فيها الفيديو أصلا إلّا لحماية مسيرة الأرجنتين نحو الذهب.

لقد تحوّل الملعب إلى مسرح تديره كواليس المال والتسويق ليبقى البطل المدلّل في الصورة.

ولكن إذا كان هذا العبث يسرق فوزا كرويا، فإنّ عبث السياسة يسرق أوطانا بأكملها، وتُباع فيه شعوب في سوق النخاسة الدولي تحت تصفيق المغفلين.

نظارة جاري “الأحول” ورؤية العالم المقلوب

قد يخرج عليّ البعض قائلا: “لقد مزجتَ السياسة بكرة القدم!”.

بالطبع أفعل ذلك، فالسياسة هي المحرك الفعلي لكل شيء. بل الأجدر بكم أن تحمدوا الله وتكونوا ممتنين لأنني لم أضع على عينيّ نظارة جاري “الأحول”!.

فلو أنني نظرتُ من خلال تلك النظارة إلى عالمنا المجنون هذا، لرأيتم حينها فقط عرضا سرياليا على أصوله.

إنها النظارة التي تأبى رؤية الواقع وتَقلب كل الحقائق رأسا على عقب: حيث يصبح الفساد الفاضح في الملعب فجأة “عدالة رياضية”، وتتحوّل سرقة أوطان الآخرين واحتلالها إلى “مهمة نيات حسنة”، ويُباع الطغيان الغاشم تحت مسمى “الحماية”.

بتلك النظارة، سترى الكرة تطير مباشرة لتستقرّ في شباك أجهزة المخابرات، لكنك ستهتف وتُهلّل للهدف كأنه نصر شريف!

وفي الوقت ذاته، ستنظر بعينك الأخرى إلى الشعارات الرنانة لـ”المقاومة والممانعة”، رافضا أن ترى أنّ جهاز البث في الحقيقة مضبوط بدقة متناهية على ترددات الموساد.

إنها نظارة العمى الاختياري والممنهج، ولحسن الحظ، لستُ من يرتديها.

طهران وسريالية المشهد: طبول الحرب وشعارات الرماد

لقد عدت من صخب المونديال، لأقرأ تفاصيل مشهد سريالي جرى في طهران؛ مشهد تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، حيث ظهر قتلة المسلمين وهم يتحاربون فيما بينهم، يتبادلون الأدوار خلف الستار، بينما يدفع الأبرياء ثمن شعاراتهم الزائفة.

لم يكن المشهد وداعا جنائزيا فحسب، بل كان فصلا من مسرحية “توزيع التركات” على جثث المظلومين في العواصم العربية التي دمّرها نفوذهم، خاصة مع عودة نُذر الحرب الطاحنة على إيران وتصاعد طبول المواجهة من جديد.

إنها الحرب التي تعود لتلتهم الأخضر واليابس، بينما يستمرّ النظام في بيع الوهم وتسويق التضحية بدماء الشعوب لحماية بقائه.

وهنا يطرح السؤال المنطقي والمشروع نفسه بكل قوة وجرأة: هل ذاقت إيران اليوم -وهي تواجه هذا الغزو والتهديد المباش- معنى التدخل السافر في شؤون الغير؟ ألم يذوقوا من الكأس ذاتها التي أذاقوها لعواصم عربية كثيرة عاثت فيها أذرعهم ومليشياتهم فسادا وتخريبا؟

إنه القانون الأزلي للكون؛ من استباح سيادة جيرانه وزعزع استقرارهم باسم “تصدير الثورة” والتبعية الطائفية، يجد نفسه اليوم يكتوي بالنار ذاتها عندما يتدخل الحلف الصهيو-أمريكي في شؤونه الداخلية، ويهدم معاقله فوق رأسه. إنها عدالة الأقدار التي تعيد سكب السم في كأس صانعه.

أكبر تجليات هذا القبح السياسي تجسّدت في الفضيحة التي فجرتها صحيفة “نيويورك تايمز”، لتكشف أنّ النظام الإيراني الطائفي -الذي طالما تاجر بالقدس وباع الوهم للأمة باسم القضية الفلسطينية- ليس سوى وجه واحد لعملة الجريمة والبراغماتية القذرة.

الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، صاحب شعار “إزالة “إسرائيل” من الخارطة” والخطابات النارية التي ألهبت حماس المغيّبين، تبيّن وفق التقارير الساخنة أنه كان مخترقا بالكامل؛ بل إنّ اللجنة المكلفة بمكافحة التجسّس “الإسرائيلي” في بلاده كان يرأسها عميلا للموساد!

فنزويلا: عندما تترادف زلازل السياسة والطبيعة

وإذا غادرنا جغرافيا الشرق الأوسط نحو أمريكا اللاتينية، سنجد فنزويلا المنكوبة تجسّد فصلا آخر من هذا العبث الدولي الهائل.

هناك، لم تكتفِ الأقدار بالزلزال السياسي العنيف الذي ضربهم به دونالد ترامب عبر ضربات عسكرية خاطفة انتهت بـ”اختطاف” رئيسهم نيكولاس مادورو وزوجته واقتيادهما وراء البحار؛ بل تآمرت الطبيعة مع السياسة لتعميق المأساة، ليضرب البلاد زلزال طبيعي حقيقي مدمّر زاد من أنين الشعب الفنزويلي وأهلك الآلاف من الأبرياء تحت الأنقاض.

بين غطرسة الهيمنة الأمريكية التي تستبيح سيادة الدول وتزيل الرؤساء بـ”بلطجة دولية”، وبين كوارث الطبيعة التي تنهال على رؤوس المستضعفين، يبقى المواطن البسيط هو الحطب الدائم الذي يُحرق في مواقد الطغاة وعبث القوى العظمى.

تحالف القتلة وتكامل الأدوار

أما الوجه الآخر لهذه العملة القبيحة، فيتمثل في معسكر المجرمين الآخرين: أمريكا و”إسرائيل”.

هؤلاء القتلة الذين ما فتئوا يشنّون الحروب الطاحنة ويمعنون في تقتيل المستضعفين في كل مكان، وخاصة في فلسطين الجريحة، حيث يتعرّض شعبها لأبشع أنواع التنكيل والإبادة تحت غطاء النفوذ والهيمنة الدولية.

يتصارع هؤلاء الطغاة في العلن لتقاسم الغنائم ولعب دور “الندّ بالندّ”، بينما تشترك خيوط مؤامراتهم خلف الكواليس لإبقاء المنطقة في دوامة من الدم، التبعية، والحروب الدورية التي لا تنتهي أبدا، بل يُعاد تدويرها كلما خمدت نيرانها.

خريطة الطريق خلف المخبر الثامن

هذا التناقض الصارخ بين الثورية المزعومة والطهورية الدينية من جهة، وبين الإجرام والعمالة السرية من جهة أخرى، ليس غريبا على جغرافيا يحرس زيفها ألف مخبر وعميل.

في عالمنا هذا الممتدّ من عواصم التبعية إلى دهاليز المؤامرات، لم نعد بحاجة لبوصلة لنعرف أين تقع قضايا الحق والعدل؛ إذ يلخص لنا الشاعر الساخر أحمد مطر تلك المتاهة في رائعته “أمير المخبرين”:

“تهتُ عنْ بيتِ صديقي

فسألتُ العابرين

قيلَ لي امشِ يَسارا

سترى خلفكَ بعضَ المخبرينْ

حِدْ لدى أولهمْ

سوفَ تُلاقي مُخبرا

يَعملُ في نصبِ كمينْ

اتَّجِهْ للمخبرِ البادي أمامَ المخبرِ الكامنِ

واحسبْ سبعة، ثم توقفْ

تجدِ البيتَ وراءَ المخبرِ الثامنِ

في أقصى اليمينْ”.

نعم! لقد تاهت الشعوب عن “بيت صديقها” وعن قضاياها الحقيقية، وفي كل منعطف سألت فيه عن الطريق، كان الجواب مخبرا يرتدي تارة بدلة عسكرية، وتارةً عباءة دينية ومقاومة زائفة، وتارةً شعارا ثوريا مفرغا من محتواه.

لقد تحوّلت العواصم إلى ثكنات من المخبرين الكامنين والبادين، يراقبون الكلمة، ويحصون الأنفاس، ويهندسون الخيانة تحت مسمى “الأمن القومي”.

نفاق الكبار وصناعة الأساطير المشروخة

وفي نهاية المطاف، يتجلّى نفاق العالم الذي نعيش فيه اليوم بأبشع صوره؛ عالمٌ تسيّره المصالح المشتركة والمسرحيات الهزلية.

إنّ هذا الثالوث القبيح -أمريكا، “إسرائيل”، وإيران- الذي يتبادل التهديدات في العلن ويرقص على حبال البراغماتية في الخفاء، ليس سوى شبكة معقدة من المصالح المتشابكة؛ حيث يحتاج كل طرف منهم إلى الآخر ليبقى مبرّرا لوجوده وسياسته القمعية أمام الشعوب.

إنه النفاق ذاته الذي تغلغل في مفاصل كل شيء، حتى أفسد متعتنا البسيطة.

وهنا نعود مرغمين إلى المستطيل الأخضر، لنرى كيف ينعكس نفاق السياسة على وجه الرياضة.

فموجة الكراهية العارمة التي باتت تلاحق ميسي والأرجنتين اليوم لم تأتِ من فراغ، بل هي ثمرة هذا الفساد الفاضح والمحاباة الفجّة التي مارستها “الفيفا” لصناعة بطلها وتتويجه قسرا برعاية لجان التحكيم والـ (VAR).

وقفة من كاتب السطور

لسنا هنا بصدد إنكار موهبة “ميسي” الاستثنائية التي لا يختلف فيها اثنان، فهي لوحة فنية بديعة في تاريخ الكرة؛ لكنها لوحة جرى تشويه إطارها بفرشاة الفساد والتدليل المؤسّساتي حتى بهت جمالها عند الملايين.

وشخصيا، لستُ من عشاق ميسي ولم أكن يوما كذلك؛ فذوقي الكروي انحاز دائما إلى زمن الفن النقيّ والعبقرية الفطرية الخالية من حسابات الشركات، زمن مارادونا، وزيدان، ورونالدينهو..

واليوم يتطلّع الشغف ذاته إلى سطوع اليافع الأسطورة لامين يامال بموهبته النقية والجامحة، علّه ينهي عهد “الكهل الأسطورة” الذي أفسدت آلة الفساد الرياضي بريق إرثه وسرقت بسببه متعة اللعبة العادلة.

وكأن لسان حال الجماهير المغدورة في الملاعب والمظلومة في أوطانها يقول متهكما بكلمات الشاعر الساخر أحمد مطر:

“حفِظَ اللهُ أميرَ المخبرينْ

فلقدْ أتخمَ بالأمنِ بلادَ المسلمينْ

أيها النّاسُ اطمئنوا

هذه أبوابكمْ محروسة في كلِّ حينْ

فادخلوها بسلامٍ آمنينْ”.

نعم، لقد أتخمتنا هذه المنظومة بالدجل والشعارات والأبطال المصنوعين خلف الكواليس؛ ليتّضح في النهاية أنّ الأبواب المحروسة بالبنادق والمخابرات، تماما كشاشات الـ(VAR) الموجّهة، لم تكن يوما لإحقاق الحقّ أو حماية الشعوب وتطلعاتها، بل كانت دائما درعا لحماية مصالح الطغاة والمجرمين وعملائهم، وضمان بقائهم في صدارة المشهد رغما عن إرادة الجميع.. حتى وإن تظاهرنا بغير ذلك شفقةً بقلوبكم، فاحمدوا الله أنني لم أضع على عينيّ نظارة جاري الأحول!

***

*منجي الفرحاني: مخرج سينمائي وفنان تشكيلي وكاتب تونسي الأصل، يقيم في هولندا، ويشتغل على تقاطع الصورة والسرد في أعماله بين السينما والكتابة والفن التشكيلي.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *