من طرابلس إلى الخرطوم: قصة انقلاب عسكري ضد النميري أجهضه القذافي
tunigate post cover
عرب

من طرابلس إلى الخرطوم: قصة انقلاب عسكري ضد النميري أجهضه القذافي

تحويل وجهة طائرة من الخرطوم إلى طرابلس حسم مصير الرئيس جعفر النميري ... قصة الانقلاب الذي أفشله القذافي في السودان
2021-10-26 11:32

قد يستغرب البعض استحضار العقيد الليبي الراحل معمر القذافي عند الحديث عن تاريخ الانقلابات في السودان، فالزعيم الليبي الذي اشتهر بإدمانه التدخل في شؤون دول الجوار لم تكن المسافة بين طرابلس والخرطوم لتثنيه عن مشاريعه.

المثير أن العقيد معمر القذافي الذي وصل إلى السلطة في ليبيا من خلال انقلاب عسكري على الملك إدريس السنوسي لعب دورا حاسما في إنقاذ حياة  الرئيس السوداني الراحل جعفر النميري ونظام حكمه بعدما أجهض انقلابا عسكريا محققا في الخرطوم.

لعلها المفارقات التاريخية والإقليمية التي كانت بمثابة خيط رفيع جامع للظروف التي مهدت للانقلاب في البلدين وفي العام ذاته 1969 الأمر الذي قاد كلا من النميري والقذافي إلى سدة الحكم.

ولدت حركة النميري العسكرية من رحم هزيمة جوان/يونيو 1967 وكذلك الأمر بالنسبة إلى الضابط الشاب بالجيش الليبي الذي تأثر بالدعوات الوحدوية في خضم موجة المد القومي العربي ما جعل من التجربة المصرية ملهمة للقائدين الشابين في تخطيط الحركات الثورية وتشكيل ملامح السلطة الجديدة في بلديهما.

أطلق القذافي على انقلابه تسمية “ثورة الفاتح من سبتمبر” فيما عرفت حركة النميري التي سبقت الزعيم الليبي ببضعة أشهر بثورة مايو/أيار. وشكل القائدان الجديدان مجلسا عسكريا للحكم تحت تسمية مجلس قيادة الثورة.

أسهم الظرف الإقليمي الذي أعقب هزيمة العام 1969 والتقارب الكبير بين النظامين الجديدين في طرابلس والخرطوم مع القاهرة ضمن سياق التكامل العربي، في تعميق اهتمام العقيد الليبي الراحل بالشأن السوداني والتدخل في مجرياته بشكل مباشر انطلاقا من قناعته بأن استقرار السودان هو جزء حيوي من الأمن القومي العربي.

فضلا عن ذلك لعبت العلاقة الشخصية الوثيقة التي جمعت في السنوات الأولى بين النميري والقذافي دورا مؤثرا في ترسيخ هذه القناعة لدى العقيد الليبي ما مهد لتدخله الحاسم لإسقاط مخطط الانقلاب في الخرطوم.

مع حلول سنة 1971 بدأ بعض المعارضين للنميري من داخل المؤسسة العسكرية وعدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة السابقين الذين وقع إقصاؤهم، في التخطيط لحركة انقلابية للإطاحة به من سدة الحكم واسترداد الثورة حسب تعبيرهم.

خطط للعملية كل من هاشم العطا، وفاروق حمد الله وبابكر النور الذين تم إقصاؤهم من مجلس قيادة الثورة على خلفية انتمائهم الشيوعي. وسعوا إلى السيطرة على العاصمة الخرطوم ومقر الإذاعة والتلفزيون عبر وحدات عسكرية موالية لهم.

انطلق تنفيذ العملية في 19 جويلية/يوليو 1971، التي نجحت في السيطرة على العاصمة السودانية وأهم مرافقها الحيوية، وكادت أن تنتهي بالإطاحة بالنميري، خاصة بعد تلاوة البيان الأول الذي أعلن فيه الضابط هاشم العطا “استرداد الثورة المسروقة”،

عندما كاد الأمر أن يحسم في العاصمة السودانية كان الزعيم الليبي يتابع لحظة بلحظة مختلف المستجدات محاولا عبر السفارة الليبية في السودان وعناصر الاستخبارات تأمين اتصال بصديقه النميري للتنسيق معه بشأن التطورات.

استمرت الحركة الانقلابية على النميري ثلاثة أيام  حاول خلالها الموالون لهاشم العطا وبابكر النور إنهاء المقاومة التي أبدتها الأجهزة الأمنية وأغلب وحدات الجيش السوادني التي تمسكت بحماية الرئيس الشرعي.

تنقل بعض الروايات أن القذافي عمل طوال تلك الأيام على دراسة عدد من الخيارات للتدخل، كان من بينها إرسال طائرة لإجلاء النميري من السودان عندما تلقى معلومات استخبارية عن استعداد اثنين من قادة العملية الانقلابية للعودة من بريطانيا إلى السودان.

بعيد السيطرة على الخرطوم عقد المقدم بابكر النور الذي عين رئيسا لمجلس قيادة الثورة الجديد، والرائد فاروق عثمان حمد الله ندوة صحفية في العاصمة البريطانية لندن للحديث عن المستقبل السياسي للسودان قبل أن يستقلا طائرة الخطوط الجوية البريطانية نحو الخرطوم لتسلم السلطة.

اتخذ القذافي أحد أكثر قراراته التاريخية إثارة للجدل عندما طلب من القوات الجوية بالتنسيق مع المخابرات الليبية اعتراض الطائرة البريطانية في أجواء ليبيا أو البحر المتوسط إن تطلب الأمر.

يوم 22 جويلية/يوليو 1971 عبرت طائرة الركاب البريطانية الأجواء الليبية في طريقها إلى السودان عبر مالطا، وهناك اعترضتها مقاتلة ليبية أجبرتها على الهبوط في مطار بنغازي، لتقوم قوة خاصة بالقبض على المقدم بابكر النور والرائد فاروق عثمان حمد الله.

في الأثناء كانت القوات الموالية لجعفر النميري تسترد السيطرة على الوضع بعد ثلاثة أيام من المواجهات وهو ما مثل ضربة مزدوجة بين طرابلس والخرطوم أتاحت للرئيس السوداني استرداد أنفاسه بعد فشل الانقلاب وسقوط قياداته.

نقلت طائرة عسكرية ليبية الضابطين الانقلابيين إلى السودان وسلما إلى جعفر النميري وكان مصيرهما الإعدام إلى جانب هاشم العطا وهو ما أتاح له البقاء في الحكم 14 سنة أخرى بفضل تدخل القذافي. 

السودان#
انقلاب عسكري#
جعفر النميري#
ليبيا#
معمر القذافي#

عناوين أخرى