من المالوف الأندلسي إلى مدائح تتغنى بالنبي محمد…كيف ساهم اليهود في تطوير الموسيقى التونسية
tunigate post cover
ثقافة

من المالوف الأندلسي إلى مدائح تتغنى بالنبي محمد…كيف ساهم اليهود في تطوير الموسيقى التونسية

الشيخ العفريت وحبيبة مسيكة وليلى سفاز وآشير مزراحي... فنانون يهود كانوا من رواد الموسيقى التونسية المعاصرة بعضهم تغنى بمناقب النبي محمد والآخر اختص في المالوف الأندلسي…قصص خالدة لنوتات موسيقية
2021-11-24 18:04

وجدي بن مسعود 

“شفتك مرة متعدية تسلب العقول” و”العشاقة” و”أنا قلبي طاب من بابا”، عناوين تصنف ضمن عيون التراث الفني التونسي الذي يفخر به التونسيون، ويستدلون به على إسهاماتهم الفنية العريقة في تاريخ الموسيقى العربية الحديثة، وباعهم الطويل في هذا المجال منذ بداية القرن الماضي، بالتزامن مع النهضة الفنية التي عرفها المشرق العربي والتي كانت ملامحها بشكل خاص في مصر.

ما قد لا يعلمه الكثيرون، أن معظم هذه الأغنيات التي تعتبر أيقونات تراثية وتشتهر بها بشكل خاص بعض المناطق والجهات في تونس، هي من إبداعات اليهود التونسيين الذين كانت لهم بصمة استثنائية وتاريخية عميقة في تطوير الموسيقى التونسية، ونحت جانب كبير من ملامح هويتها المعاصرة منذ بداية القرن العشرين.

وليس من باب المبالغة القول، إن اليهود التونسيين يعتبرون من بين الآباء المؤسسين للأغنية التونسية، بفضل استفادتهم من التأثيرات المختلفة والألوان الموسيقية التي حملها ذلك العصر من المشرق والمغرب على حد سواء.

من “المطروز” الأندلسي إلى التراث الشعبي  

لم يكن اليهود التونسيون غرباء عن عوالم الفن والموسيقى بشكل عام بعكس بعض الأفكار المسبقة، وذلك على غرار اليهود الشرقيين  الذين احتلت الموسيقى مكانة أصيلة في موروثهم الثقافي والحضاري والتاريخي، الذي حملوه من الأندلس بعد أن غادروها صحبة المورسكيين  المسلمين خلال موجات الهجرة التي أعقبت سقوط غرناطة.

حمل اليهود معهم “المطروز” الأندلسي إلى مواطنهم الجديدة في المغرب العربي، وهو لون فني شديد القرب من الموشحات. كانت أشعاره تنظم بالعربية والعبرية في آن واحد، في مزيج شعري وموسيقي فريد يؤرخ للفسيفساء الثقافية والحضارية التي طبعت الفردوس العربي السليب في شبه زالجزيرة الإيبيرية.

وإلى جانب ذلك، اشتهرت الطقوس الدينية التوراتية والصلوات اليهودية بإيقاعاتها وأنغامها التي امتزجت عبر القرون بالطابع التونسي، فضلا عن تقاليد زيارات المقامات في الغريبة بجزيرة جربة وزيارة الحاخام يعقوب سلامة في ولاية نابل، التي اكتست على مدار ما يقرب عن قرنين من الزمن طابعا احتفاليا،زو كانت ترتفع خلالها الأدعية ممتزجة بالتهليلات والأغنيات العبرية.

ويشير بعض الباحثين المعاصرين إلى أن نمط حياة اليهود التونسيين وميلهم إلى الإقامة في أحياء خاصة بهم تسمى بالعامية التونسية “الحارة »،  هما أمران ساهما في خلق نمط من الأغنيات الشعبية الخاصة بهم يرددونها في أفراحهم ومناسباتهم العائلية، تتمازج فيها الكلمات العبرية بالمقامات الصوتية الموسيقية التونسية.

التحرر من الموانع الاجتماعية  

كان الفن التونسي إلى غاية بداية القرن العشرين يدور في فلك الموشحات الأندلسية والمالوف والموسيقى الصوفية، حتى إن محاولات التجديد في تلك الحقبة لم تخرج عن تقديم أعمال تدور في سياق المدائح الدينية وتهذيب هذا اللون التراثي، مثل أغنية “انزاد النبي وفرحنا بيه” التي لحنها شيخ الموسيقيين أحمد الوافي.

لعبت الطبيعة المحافظة للمجتمع التونسي التقليدي المحافظ الذي كان لا يستسيغ امتهان الغناء، فضلا عن رفضه وعدم تقبله غناء المرأة في الحفلات أو الأماكن العامة وتصنيفه من المحظورات الاجتماعية، دورا في إتاحة المجال أمام الفنانين اليهود الذين كانوا متحررين من هذه الموانع الثقافية رغم اندماجهم في البيئة التونسية قلبا وقالبا.

واكب الموسيقيون اليهود في تونس الحركة الفنية المتسارعة في المشرق العربي والتطورات الطارئة عليها، كما استفادوا واستلهموا منها، لتنطلق موجة جديدة من الفرق الموسيقية لعديد الملحنين والفنانين، الذين قدموا أعمالا باللهجة العامية التونسية بأشكال متنوعة من الطقطوقة إلى النوبة والأغنية، ما مكنهم من الحضور بقوة في الساحة الموسيقية منذ بداية العشرية الأولى للقرن الماضي  الذي بلغ ذروته في أواخر الثلاثينات.

لمعت في تلك السنوات عديد الأسماء الفنية على غرار سيمون أميال، وليلى سفاز ولويزة التونسية وآشير مزراحي وحبيبة درمون ورتيبة التونسية وهي ابنة ليلى سفاز.

ويمكن القول إن الشيخ العفريت وحبيبة مسيكة وراؤول جورنو، كانوا نجوم تلك الحقبة الذين تلألأت أسماؤهم في سماء الأغنية التونسية، وتجاوزت شهرتهم البعد المحلي بعد أن بلغت أصداؤهم المشرق العربي وأوروبا.  

واشتهر الشيخ العفريت واسمه الأصلي “إسرين إسرائيل روزيو”، بصوته القوي وقدرته على التنقل السلس بين الطبقات الموسيقية المختلفة، واطلاعه الواسع على المألوف التونسي الذي تعلمه على يد الفنان سيمون ليفي.

الشيخ العفريت هي التسمية التي اشتهر بها في الوسط الفني، والتي كانت في الأصل الشيخ “الإفريت” بالعبرية، ويقصد بها الشيخ العبري تمييزا لنفسه عن المغنين المسلمين.

بدأ الشيخ العفريت مسيرته في حفلات الزفاف والأعراس، قبل المشاركة في الحفلات العامة بعد أن ذاع صيته، ليسافر إلى أوروبا لتقديم عديد 

السهرات وتسجيل عشرات الإسطوانات، كما قدم عديد الحفلات في بلاط البايات.

تعاون العفريت مع عديد الملحنين من أمثال موريس عطون وغاسطون بصيري وموريسين يعيش، كما كان يكتب الكلمات بنفسه ويلحن بعض الأغنيات رغم عدم معرفته بالنوتة الموسيقية.

ورغم قصر حياته التي انتهت سنة 1939، إلا أن العفريت خلف تراثا فنيا شهيرا ما يزال حاضرا في الذاكرة إلى اليوم، نذكر على سبيل الذكر لا 

الحصر  أغنيات “الأيام كيف الريح في البريمة و”آش بيك غضبانة” و”أنا ما ذابيا” و”سيدي خويا لا يقلله”.حبيبة الأسطورة

أما حبيبة مسيكة فقد تحولت حياتها ومسيرتها الموسيقية إلى أسطورة، امتزجت بين سطورها الابتسامة بالمأساة التي أنهت حياتها القصيرة حرقا من 

قبل عشيقها إلياهو سيموتي، والتي ألهمت المخرجة التونسية سلمى بكار لتقديم سيرتها في فيلم “رقصة النار”.  

ولدت حبيبة مسيكة  أو مارغريت خوليو، في مدينة تستور شمال غربي تونس عام 1893 وهي من أصول أندلسية، تعلمت الغناء على يد خالتها الفنانة ليلى سفاز، التي اصطحبتها إلى العاصمة وقدمتها إلى الفنان والملحن المعروف حينذاك آشير مزراحي ليقدم إليها أولى أغنياتها “العشاقة”.

امتلأت أغنيات حبيبة مسيكة بجرعة كبيرة من الجرأة، على غرار “على سرير النوم دلعني”، و”أنا حبيتو” و”مازلت خضرة والربيع منور”.

ولم تقتصر شهرة حبيبة على الغناء فحسب، بل سرعان ما لفتت موهبتها انتباه الفنان المسرحي الكبير جورج أبيض الذي ضمها إلى فرقة الآداب التمثيلية، ومن ثم إلى فرقة المستقبل للمشاركة  في مسرحيات “الأحدب”، و”شمشون ودليلة” و”ماري تيدور”.

أعراس راؤول

أما الفنان راؤول جورنو المولود سنة 1911 والمتوفى سنة 2009، فقد اشتهر بلونه الفني المستوحى من التراث التونسي الاحتفالي، والمرتبط بالأعراس والمناسبات العائلية، و عرف بأغنية “تعليلة المطهر” التي تغنى في حفلات ختان الأطفال، و”تعليلة العرس” الشهيرة “يا ديني محلالي فرحو”، إلى جانب أغنيات أخرى مثل “يا مرحبا بأولاد سيدي”.

وخلال مسيرته الطويلة تعامل راؤول جورنو مع عديد الشعراء من بينهم الشاعر الكبير الراحل محمود بورقيبة، الذي تعامل بدوره مسرحيا مع حبيبة مسيكة، ما يؤكد دور الفنون في إثراء ثقافة التعدد الديني.

المالوف الأندلسي#
الموسيقى التونسية#
مدائح تتغنى بالنبي محمد#

عناوين أخرى