منظمة إرشاد المستهلك: أزمة اللحوم تحولت الى خلل هيكلي

قال رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك لطفي الرياحي، إن أزمة اللحوم الحمراء في تونس، أضحت تجسيدا واضحا لاختلال هيكلي يطال إحدى الدعائم الأساسية للأمن الغذائي الوطني”.

وفي تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، اعتبر لطفي الرياحي أن واقع السوق، يكشف عن مفارقة صارخة تتمثل في ارتفاع متواصل للأسعار النهائية، مقابل غياب رؤية دقيقة لكلفة الإنتاج وانعدام قاعدة بيانات رقمية موثوقة تمكن من تقييم حجم القطيع وتركيبته، وهو ما يحول دون بناء سياسات قائمة على معطيات صلبة ودقيقة.

وأضاف: “أزمة اللحوم الحمراء لم تعد حالة ظرفية يمكن امتصاصها بتدخلات محدودة، بل أضحت تجسيدا واضحا لاختلال هيكلي يطال إحدى الدعائم الأساسية للأمن الغذائي الوطني”.

واشار الرياحي إلى أن “ما نشهده ليس خللا عابرا في التوازنات بل أزمة بنيوية تضرب عمق المنظومة، وأن التفسير التقليدي القائم على فجوة العرض والطلب يزيد في مستوى تعقيد الوضع القائم حيث يغفل البعد الأعمق للأزمة والمتمثل في التآكل الممنهج للقدرة الإنتاجية نفسها”.

ولفت رئيس المنظمة، إلى أن القطيع الوطني يعرف مسارا انكماشيا متدرجا لا يمكن اختزاله في تأثيرات مناخية ظرفية أو في ارتفاع كلفة الأعلاف فحسب، بل يعكس اختلالا اقتصاديا وهيكليا يدفع الفلاح إلى سلوكيات اضطرارية تمس بجوهر إستدامة النشاط وعلى رأسها التفريط في الإناث المنتجة.

وأكد أن هذا الخيار يتعزز بشكل مفارق تحت ضغط ارتفاع الأسعار على مستوى البيع بالتفصيل، بما يحول الارتفاع السعري من حافز للإنتاج إلى عامل استنزاف للقاعدة الإنتاجية ويقوّض تبعا لذلك فرص إعادة التوازن والتعافي في المدى المنظور.

ويزداد هذا الوضع تعقيدا، بحسب الرياحي، في ظل غياب تحديد منهجي لكلفة الإنتاج حيث لم تعد الأعلاف، التي شهدت انخفاضا ملحوظا، سوى عنصر ضمن منظومة كلفة موسعة تشمل نقائص الحوكمة وضعف التأطير الفني وارتفاع كلفة الخدمات البيطرية.

ونبه إلى أن هذا الوضع يراكم أعباء تشغيلية تحد من قدرة الفلاح على تطوير قطيعه وتحسين مردوديته، وينعكس هذا الخلل مباشرة على ضعف تثمين المنتوج عند المصدر، مقابل تضخم في السعر النهائي، بما يؤكد عجز السوق عن تحقيق توازن فعلي.

كما بين المتحدث أن “الاختلال لا يقف عند حدود الإنتاج، بل يتفاقم على مستوى التوزيع، حيث تحولت السلسلة إلى مجال لتضخيم الأسعار بدل نقل القيمة وتعدد الوسطاء وفرض هوامش ربح غير مضبوطة، في غياب رقابة ناجعة وآليات شفافة لتأطير الأسعار، ما أدى إلى انحراف واضح في عمل السوق حيث يستنزف المستهلك دون أن يتحسن دخل المنتج في مشهد يعكس إختلالا في موازين القوة داخل المنظومة”، بحسب قوله.

وتابع: هذا المسار يتقاطع مع تدهور القدرة الشرائية للمواطن الذي لم يعد قادرا على مواكبة نسق الارتفاع، مما أدى إلى تعديل قسري في نمط الإستهلاك خاصة في ما يتعلق بالبروتين الحيواني، والحال أن اللحوم الحمراء ليست عنصرا كماليا، وهو ما يجعل من تحولها إلى عبئ مالي مؤشرا على خلل أعمق في ربط الإنتاج بحاجيات السوق الداخلية.

أما على مستوى السياسات العمومية، بين الرياحي، أن التعامل مع الأزمة ظل محكوما بمنطق التدخل الظرفي عبر اللجوء إلى التوريد أو إجراءات ظرفية لإحتواء الأسعار دون التأسيس لمعالجة جذرية، وهو توجه لا يفضي إلى الحل بل يرحل الإشكال ويضاعف كلفته على المدى المتوسط.

وشدّد على أنّ تجاوز هذا الوضع يقتضي إعادة توجيه السّياسات نحو دعم الإنتاج باعتباره نقطة الانطلاق من خلال حماية القطيع وتنميته وتحسين مردوديته بالتوازي مع دعم المسار الإصلاحي لمنظومة الأعلاف لتقليص التبعية وإعادة تنظيم مسالك التوزيع، بما يحدّ من تضخم الهوامش ويضمن شفافية الأسعار إلى جانب كبح ممارسات الإستفادة غير المشروعة من اختلالات السوق.

وأردف رئيس المنظمة بقوله: “إن جوهر الإشكال لا يكمن في تفسير ارتفاع الأسعار بل في فهم الأسباب التي جعلت الإنتاج ذاته يفقد مقومات الاستمرار إذ أن الاكتفاء بمعالجة النتائج يكرس إدارة ظرفية للأزمة بينما المطلوب هو تفكيك أسبابها العميقة، ومن هذا المنظور تتحول القضية إلى خيار سياسي واضح بين تبني إصلاح شامل يعيد التوازن للمنظومة أو مواصلة إدارة وضع هش تتفاقم كلفته الإقتصادية والاجتماعية مع مرور الوقت”.

اشترك في قائمتنا البريدية

أدخل بريدك الإلكتروني ليصلك كل جديد مباشرة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *