تونس رأي سياسة

مناورات “الأسد الإفريقي”.. أيُّ تناغم بين سياسات سعيّد للخارجية والدفاع؟ 

لماذا لم يسحب قيّس سعيّد طريقة تعامله مع صندوق النقد ومحكمة العدل الدولية والجمعية العامة للأمم المتّحدة على الحلف الأطلسي مناوراته؟ 
عبدالسلام الزبيدي 
فَصَل رئيس الجمهورية قيس سعيّد القوْل في الجهة المسؤولة عن ضبط السياسات في تونس. فبعد أن كانت موزّعة حسب دستور جانفي 2014 بين رئيسيْ الجمهورية والحكومة ومجلس نواب الشعب، خطَّ سعيّد بيده الفصل المئة من دستور 2021 معلنا أنّ “رئيس الجمهورية يضبط السياسة العامة للدولة ويُحدِّدُ اختياراتها الأساسية”، مستأثرًا لنفسه بما كان موزّعا بين “القبائل”.
وبذلك أنهى كلّ ضروب التملّص من المسؤولية، وأوقف ما يمكن وصفه بمناورات أو محاولات توزيع الخسائر بين القصور الثلاثة (قرطاج والقصبة وباردو) وما وراءها من أحزاب ومجموعات ضغط. فغُنْم السياسات وغُرْمها إمّا في جراب رئيس الجمهورية وحده أو على عاتقه لا شريك له. فهو واضع السياسات، وصاحب القرار، والرئيس الفعلي للحكومة، يُعيِّن الوزراء وكبار الموظّفين ويُقيلهم بمقتضى دستور لا يمنح المسمّى رئيس حكومة مجازا إلّا صلاحية “إمكانية الاقتراح” وليس وجوبها.
تلك مقدّمة لا بدّ منها لسحب أيّ تبرير مفترض حول تحميل هذه الجهة أو تلك مسؤولية عدم تناغم السياسات وتضاربها، وأكثر من ذلك تناقضها واحتواءها مفارقات لا يمكن القبول بها إلّا إذا افترضنا صحّة ما قاله المعرّي ذات يوم “هذا كلام له خبيئٌ، معناه ليسَتْ لنا عقول”.
*الخارجية والدفاع: “خطّان متوازيان” 
يضبط رئيس الجمهورية في الوقت نفسه السياسة الخارجية للدولة دون حاجة إلى الرجوع إلى من سواه، كما يحدّد السياسات ذات الصلة بالدفاع وبالأمن القومي يساعده في ذلك مجلس الأمن القومي بصلاحيات استشارية فقط. فهو المخوّل الوحيد بضبط السياسات، وله أن يستشير أعضاء هذا المجلس أو أن يُعلم مجلسيْ النواب والأقاليم.
لكنّ المتابع للشأن التونسي وسياساته المعلنة من خلال البلاغات والتصريحات المضمّنة على المواقع الرسمية لرئاستيْ الجمهورية والحكومة وللوزارات، يقف على أنّ بعض المواقف ذات العلاقة بالملفات الخارجية من ناحية ومسائل الدفاع أشبه ما يكون بالخطّين المتوازيين اللذين لا يمكن لهما أن يلتقيا.
فمن ناحية ينتقد رئيس الجمهورية كلّ أشكال الظلم الذي يميّز النظام العالمي بقيادة الغرب وذروته الولايات المتّحدة الأمريكية، ويدعو إلى إرساء ما يمكن وصفه بالمنطومة الإنسانية الجديدة في علاقة بحوكمة الأمم المتحدّة وكيفية اتّخاذ القرارات الدولية وتوزيع الثروات وإنهاء كلّ أشكال الاستعمار الحديث، ويدافع عن مقولة تحرير كلّ فلسطين التاريخية، ويُندِّدُ بالمستعمر الصهيوني وداعميه. ومن ناحية أخرى تُفتح البلاد أمام صانعي هذا الظلم العالمي، بل تشارك تونس في تدريبات عسكرية مع الولايات المتّحدة الأمريكية وفي إطار وضع الشريك المميّز أو الحليف الرئيسي خارج الناتو ( حلف شمال الأطلسي). ولسنا في حاجة إلى التذكير بمن يقف وراء هذا الاختلال في التوزان الدولي، ومن يذكّي بتصويته في مجلس الأمن الدولي عدوان الصهاينة، ومن يزوّد الاحتلال الإسرائيلي بالصواريخ والقنابل والمعلومات والأموال.
إنّ المسألة لا تتعلّق بالتدريبات أو التمرينات العسكرية المسماة “الأسد الإفريقي” التي انطلقت في تونس وتتواصل إلى يوم 10 ماي الجاري في ذاتها، سواء كانت في إطار استمرارية الدولة والتزاماتها وتعهّداتها السابقة أو استجابة لحاجيات الدفاع الوطني وغيرها من مبرّرات يمكن تفهّمها في إطار منظومة ” حماية الأمن القومي/القُطْري”، وإنّما جوهر المعضلة يتمثّل في عدم تناغم السياسات المُصرَّح بها والمتّبعة في مجال الشؤون الخارجية وبين فتح الأبواب أمام القوات الحليفة نفسها للصهاينة والشركاء قولا وفعلا في ارتكاب الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني في غزّة.
*من صندوق النقد إلى الأسد الإفريقي 
لقد صدع رئيس الجمهورية في أكثر من مناسبة بأنّه يرفض سياسات صندوق النقد الدولي وإملاءاته، وأنّه لا يقبل بأن تُفْرض على تونس “إرادة الخارج”. وتنفيذا لهذا الخيار رفض أن توقّع تونس على أيّ اتّفاق مفترض مع الصندوق لا يُراعي هذه الضوابط. وفي ذلك تناغم بين السياسات بغضّ النظر عن الوجاهة أو الواقعية أو الكلفة أو البدائل.
لكنّ هذا التناغم يغيب كلّيا عند فتح ملف السياسات الخارجية في علاقة بالوضع الدولي وبداعمي الكيان الصهيوني من جهة، وعند النظر من جهة أخرى في كيفية إدارة ملف استقبالات مسؤولي حلف الشمال الأطلسي على غرار رئيس اللجنة العسكرية للمنظمة الفريق أوّل بالبحرية Rob Bauer الذي التقاه وزير الدفاع يوم 15 أفريل الفارط وتأكيد الطرفين تعزيز الشراكة، أو تنظيم جزء من مناورات الأسد الإفريقي بتونس بمشاركة 1000 عسكري من الولايات المتّحدة وتونس وأكثر من 8000 جندي متعدّد الجنسيات من 27 دولة ووحدات من حلف شمال الأطلسي.
والأسد الإفريقي هو أكبر تدريب سنوي مشترك للقيادة الأمريكية في إفريقيا ويستضيفه المغرب وغانا والسنغال وتونس. ويستخدم هذا التمرين المشترك الشامل والمتعدد العناصر والمتعدد الجنسيات مجموعة كاملة من قدرات المهام بهدف تعزيز إمكانية التشغيل البيني بين المشاركين وبناء الاستعداد للاستجابة للأزمات والطوارئ في إفريقيا وحول العالم. وتحظى تونس بوضع الحليف الرئيسي من خارج الحلف منذ سنة 2015، وهي منزلة تتيح لها جملة من الامتيازات على مستوى التدريب والتعاون والتسليح، غير أنّها تضعها ضمن تصنيف سياسي/ عسكري لا نرى أنّه يتّسق مع خطاب صانع السياسات الخارجية والدفاعية في تونس. ويذكر أنّ للكيان الصهيوني منزلةً أعلى بدرجة في الحلف، وهي شريك إستراتيجي من خارج الناتو.
 لقد سبق أن ذكرنا بأنّ موقف رئيس الجمهورية من آليات عمل صندوق النقد بل من فلسفته وأهدافه جعله يتّخذ موقفا سلبيا منه، بل اعتذرت (رفضت) تونس عن استقبال وفد رسمي منه نهاية العام الماضي كانت مبرمجة في إطار المراجعة الدورية، كما احتفظت بصوتها في الجمعية العامة للأمم المتّحدة احتجاحا على مساواة الجلاّد (إسرائيل) بالضحيّة ( فلسطين/ غزّة)، وأعلنت الخارجية التونسية رفض مشاركة جنوب إفريقيا في دعواها ضد الكيان الصهيوني أمام محكمة العدل الدولية لأنّ تونس لا تعترف بهذا الكيان.
والتناغم في السياسات يستدعي منطقيّا (للأسف يوجد طلاق بين الواقع والمنطق) أن يكون لتونس موقف مغاير من مناورات الأسد الإفريقي للمنطلقات نفسها. فمن المفترض أن يكون للقائد الأعلى للقوات المسلّحة، رئيس الجمهورية قيس سعيّد حسب الفصل الرابع والتسعين من الدستور، موقف يوحِّد به بين سياسات الشؤون الخارجية وسياسات الدفاع والأمن القومي…
وبين ما يجب أن يكون وما هو كائن مسافة كشْفها رهين الوقوف على توازانات أخرى ذات صلة بصنع القرار في هذا المجال بالذات. ونحن على يقين بأنّ تقريب هذه المسافة والوقوف على السبب الحقيقي لهذا التباين في السياسات، من شأنه أن يكشف عمّن يضبط الإستراتيجية الاتّصالية لرئيس الجمهورية، وفي الحدّ الأدنى: من يساهم في ضبطها وتنفيذها.