معركة رمادة: البطولات المنسية في ملحمة الجلاء
tunigate post cover
تونس

معركة رمادة: البطولات المنسية في ملحمة الجلاء

قصة بطولات مصباح الجربوع وعشرات الشهداء التونسيين التي حصرت الوجود العسكري لفرنسا في بنزرت .... رمادة الملحمة المنسية
2022-05-25 18:31

لطالما ارتبط الحديث عن الجلاء العسكري الفرنسي عن تونس بمعركة بنزرت، بما سجلته من بطولات باهرة للتونسيين في تحديهم للغطرسة الاستعمارية الفرنسية وآلاتها الحربية.

لكن التضحيات العزيزة التي سطرتها شوارع بنزرت، حجبت على مدار عقود طويلة ملاحم وطنية أخرى على درب الجلاء الكامل، وإنهاء وجود القوات الفرنسية التي سمحت لها بروتوكولات الاستقلال سنة 1956 بالتمركز بعدد من الثكنات العسكرية والمواقع الاستراتيجية بالجنوب التونسي، والمناطق الحدودية مع الجزائر.

بطولات منسية

 ويجمع المؤرخون على أن “معركة رمادة” التي تحيي تونس ذكرى أحداثها في الخامس والعشرين من ماي/أيار هي النموذج الأقرب والأصدق تعبيرا عن الظلم التاريخي والنسيان الذي غلف هذه الملاحم الكبرى، باستثناء بعض الجهود الأكاديمية التي عملت على توثيق أحداثها وحقائقها.

باتت هذه المعركة التي لم يهتم تاريخ الحركة الوطنية بتدوين تفاصيلها بشكل دقيق وإيلائها المكانة التي يستحقها شهداؤها وأبطالها، مرتبطة في الذهنية العامة للتونسيين بشخصية البطل المقاوم والشهيد مصباح الجربوع الذي يعتبر من أبرز قيادات حركة المقاومة المسلحة في تونس منذ سنة 1952.

ولعل من مظاهر الضيم الذي أحاط بملحمة رمادة، هو جهل السواد الأعظم من التونسيين بأحداثها وخلفياتها التاريخية ومكانتها في مسار النضالات الوطنية في سبيل الجلاء، وتكاد تقتصر المعلومات البسيطة المعروفة على المواجهة في حصار الحصن العسكري برمادة الذي كان يأوي ما يزيد عن 600 جندي من قوات الاحتلال، وهو ما يتطلب تسليط الضوء على خلفياتها وتسلسلها الزمني.

الوجود العسكري الفرنسي والسيادة الوطنية

سنة 1956 كان تعداد القوات الفرنسية الموجودة على التراب الوطني يقدر بـ 56 ألف جندي، والتي تمركزت بموجب اتفاقيات الاستقلال بعدة ثكنات ونقاط جغرافية وحيوية، وهي بوفيشة وبنزرت وصفاقس وقفصة ورمادة وقصر غيلان وبرج البوف وذهيبة ورمادة.

تحول الوجود العسكري الفرنسي إلى مصدر إحراج وضغوط سياسية داخلية وخارجية على الحكومة التونسية والرئيس الحبيب بورقيبة، خاصة بعد تكرار الاحتكاكات والمناوشات مع عناصر الحرس الوطني التونسي، والتي سرعان ما تحولت إلى اعتداءات على السيادة الوطنية.

زاد تفجر ثورة التحرير الجزائرية من خطورة التجاوزات التي ترتكبها قوات الاحتلال الفرنسية المتمركزة في تونس في محاولاتها للتصدي لعمليات التسلل عبر الحدود، وتهريب السلاح والدعم التي كان يؤمنه التونسيون للثوار الجزائريين، حتى بلغت ذروتها في العدوان الغاشم على ساقية سيدي يوسف بولاية الكاف سنة 1958.

التعبئة الشعبية

 أدت المجزرة الفرنسية وتتالي الاعتداءات على السيادة الوطنية، إلى اتخاذ الرئيس بورقيبة في فيفري/فبراير من السنة نفسها قرارا بمنع الجنود الفرنسيين من مغادرة ثكناتهم، كما وقع اتخاذ قرار بتنفيذ استراتيجية لتضييق الخناق على مواقع القوات الفرنسية، حتى وإن تطلب الأمر خوض معركة محدودة في المكان والتوقيت.

دعا الديوان السياسي للحزب الدستوري حينذاك إلى التعبئة الشعبية، وكانت القوات الفرنسية المتمركزة برمادة ضمن أهم المواقع المستهدفة بسياسة المحاصرة وتضييق الخناق عليها.

 انطلقت عملية تجنيد المتطوعين إلى جانب قدماء المقاومين في حركة المقاومة المسلحة المعروفين بتسمية “الفلاقة”، بقيادة كل من الشهيد مصباح الجربوع وساسي الأسود في مراكز معتمديات ولاية تطاوين، حيث خضعوا لتدريب سريع ووقع تزويدهم بالسلاح قبل أن تنطلق عملية انتشارهم لمحاصرة مجال انتشار القوات الفرنسية بالمنطقة وتطويقه.

تمركز المتطوعون وعناصر من الجيش والحرس الوطني في منطقتي “بئر عمير” و”واد دكوك” الواقعتين شمال رمادة، بينما وقع إرسال مجموعات أخرى إلى المناطق المتاخمة لها لتكوين حزام أمني على الطريق الرابطة بين رمادة وتطاوين وبرج البوف، ومحاصرة الطريق المؤدية إلى مقر قيادة القوات الفرنسية.

المواجهات وحصار الثكنة الفرنسية

بدأت المواجهات صبيحة 18 ماي/أيار 1958، عندما قاد العقيد الفرنسي “مولو” قوة لفك الحصار المسلط على جنوده بثكنة رمادة.

اتجهت القوة الاستعمارية المكونة من 30 سيارة مصفحة مزودة بالرشاشات وبقطع من المدفعية إلى مركز “بئر عمير” في محاولة لاختراق الحاجز الذي أقامه المتطوعون هناك لكنها جوبهت بمقاومة عنيفة.

أدت المقاومة والإخفاق الذي منيت به القوات الفرنسية خلال تلك المواجهة إلى تفجر المشاعر الوطنية وتعبئة شاملة للجبهة الداخلية، وظفها بورقيبة للضغط على فرنسا في المحافل الدولية والأمم المتحدة، بينما بدأت القوات الاستعمارية عمليات تصعيدية شاملة ردا على الهزيمة التي لحقت بها، بلغت ذروتها يومي 24 و25 ماي وسط قرية رمادة والمناطق المحيطة بالثكنة العسكرية الفرنسية، التي قام المتطوعون التونسيين بتطويقها وقصفها بالهاون.

بعد ساعات طويلة من القتال الضاري الذي سقط فيه عشرات الشهداء من بينهم المقاوم البطل مصباح الجربوع أبرق قائد الجيش الفرنسي العقيد “مولو” إلى قياداته ليلة 25 ماي/أيار 1958 مطلقا صيحة فزع من تقدم المقاومين التونسيين صوب الثكنة، “إذ أصبحوا على بعد 30 مترا من عرباتهم العسكرية”، وهو ما أجبر القيادة العسكرية الفرنسية بقابس على إعطاء تعليماتها بقصف المنطقة والجهات المحيطة بها بالطائرات العسكرية.

تسبب القصف الهمجي الفرنسي في سقوط مزيد من الشهداء وخسائر مادية كبيرة، وفتح الطريق أمام القوات الاستعمارية لاستعادة السيطرة وتنفيذ عمليات تمشيط واسعة، واعتقالات وإعدامات ميدانية ضد المقاومين الموجودين على الأرض، ما زاد من حجم الإدانة الدولية التي تعرضت لها باريس عقب المعركة خصوصا في المنتظم الأممي، وقاد ممثلو الدبلوماسية التونسية ضغوطا ناجحة ضد نفوذ فرنسا وحلفائها.

 انتهت معركة رمادة إلى انتصار سياسي كبير تمثل في انسحاب الجيوش الفرنسية من كل نقاطها في التراب التونسي، وحصر وجودها في منطقة بنزرت، تمهيدا للمعركة الحاسمة التي قدر لها أن تخط الفصل الأخير من معركة الجلاء بعد ذلك بسنوات قليلة. 

الجلاء العسكري#
الجيش الفرنسي#
الحبيب بورقيبة#
مصباح الجربوع#
معركة رمادة#

عناوين أخرى