معركة الجلاء ... يوم أسقطت بنزرت أوهام الاستعمار الفرنسي
tunigate post cover
تونس

معركة الجلاء ... يوم أسقطت بنزرت أوهام الاستعمار الفرنسي

بنزرت عروس الشمال التونسي وأرض الجلاء التي خلدت إحدى أشهر المعارك المصيرية مع الاستعمار الفرنسي لإجلائه نهائيا واستكمال السيادة الوطنية ... قصة معركة بنزرت التي تحدت غطرسة ديغول وآلته العسكرية
2021-10-14 18:55

مساء الخامس عشر من أكتوبر 1963، اتصل الوزير التونسي الأول الباهي الأدغم برئيس الجمهورية الحبيب بورقيبة من ميناء بنزرت ليزف له رسميا نبأ جلاء آخر جندي فرنسي عن البلاد، بعد سنتين عن معركة بنزرت الخالدة التي قوضت ما تبقى من الأسطورة الاستعمارية الفرنسية.

خلال شهر جويلية/يوليو 1961 نسجت شوارع عاصمة الشمال التونسي أروع ملاحم المقاومة الشعبية في مواجهة غطرسة الآلة الحربية الفرنسية التي لم تتمكن ضرباتها الغاشمة من إرهاب التونسيين.

عندما كتبت بنزرت التاريخ

يقال إن التاريخ يكتبه المنتصرون، لكن النصر العسكري الفرنسي الميداني في بنزرت على آلاف التونسيين العزل جاء ملطخا بالعار والإدانة الدولية، لينقلب سريعا إلى هزيمة ديبلوماسية غير مسبوقة للرئيس الفرنسي شارل ديغول الذي تحول في نظر المجتمع الدولي من أحد الأبطال التاريخيين لانتصاره على النازية في الحرب العالمية الثانية إلى متهم بارتكاب جريمة إبادة جماعية. 

تذهب بعض الروايات إلى أن الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة استدرج نظيره الفرنسي بدهاء سياسي قل نظيره إلى معركة بنزرت، رغم إداركه مسبقا عدم تكافؤ القوى واختلال الموازين بين القوات الفرنسية المدججة بأقوى العتاد والأسلحة، وبين جيش تونسي حديث النشأة والتكوين لا يتجاوز تسليحه بضع عربات ومدافع عتيقة وعشرات من البنادق والرشاشات.

كانت حسابات الرئيس التونسي وفق هذه الرواية ترتكز على تعبئة المقاومة الشعبية على شاكلة معركة بورسعيد إبان العدوان على مصر سنة 1956، فضلا عن خوض معركة سياسية وديبلوماسية دولية عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن الذي أدان العدوان الفرنسي، ووضع باريس أمام حتمية الاعتراف بالحقوق التونسية بالجلاء عن بنزرت.

الجدول الزمني لاتفاقيات الاستقلال

نصت اتفاقيات الاستقلال التي وقعها رئيس الحكومة التونسي الطاهر بن عمار سنة 1956، على احتفاظ باريس بعدد من القواعد والثكنات العسكرية بمدينة بنزرت لمدة 4 سنوات بهدف حماية مصالحها الحيوية في منطقة البحر المتوسط.

كانت قاعدة “سيدي أحمد” بالمدينة إحدى أهم القواعد العسكرية وأكبرها التي احتفظت بها فرنسا بموجب الاتفاق واتخذ منها الجيش الفرنسي مقرا له وجعلها مدرجا للطائرات الحربية.

و مع احتدام المواجهات بين القوات الاستعمارية وجبهة التحرير الجزائرية أضحت بنزرت وقاعدة سيدي أحمد بمثابة قاعدة خلفية استراتيجية للفرنسيين لتوفير الدعم الميداني والعملياتي بالجزائر.

لم تكن أهمية عاصمة الشمال التونسي تنحصر بفائدتها العسكرية وموقعها الجغرافي على المتوسط، بقدر ما كانت مجال مصالح اقتصادية واجتماعية وعسكرية شاملة لفرنسا، وهو ما جعل إمكانية التخلي عن المدينة خسارة موجعة لم يكن يقدر ديغول ولا آلاف الفرنسيين المستقرين بها على تحمل تبعاتها.

يؤكد مسار الأحداث التي أحاطت بمعركة بنزرت إلى جانب ما ينقله بعض المؤرخين الفرنسيين المعاصرين، رواية مماطلة القيادة الفرنسية في تسليم السيادة على بنزرت إلى التونسيين، ومباشرة عمليات توسيعهم لنطاق مشاريعهم العسكرية والمدنية لقضم أجزاء إضافية من المدينة.

مع نهاية سنة 1960 التي يفترض أن يقع خلالها استكمال الانسحاب العسكري من بنزرت، بدا واضحا أن فرنسا تخطط لأمر مغاير ولن تلتزم بالجدول الزمني للجلاء، خاصة مع المشاريع التوسعية الخدماتية والترفيهية التي قامت بإنشائها لخدمة جاليتها وهو ما يكشف بوضوح أن بقاء الفرنسيين في المدينة سيطول لسنوات عديدة.

كانت الساحة التونسية منذ جريمة قرية ساقية سيدي يوسف على الحدود الجزائرية التونسية سنة 1958، تفور مطالبة بانهاء الوجود الفرنسي في بنزرت الذي كشر عن أنيابه للانتقام من المدنيين التونسيين نتيجة دعمهم للثوار في الجزائر.

شرارة المواجهة

يوم الثلاثين من جوان/يونيو 1961 تصدت عناصر الحرس الوطني التونسي لأشغال توسعة قاعدة “سيدي أحمد”، بما يشكل اعتداء صارخا على حدود السيادة التونسية لمد النفوذ الفرنسي بالقوة ،ما دفع الرئيس  الراحل بورقيبة بالتوجه نحو تعبئة الشارع استعدادا لخوض معركة شعبية ووطنية واسعة لاستعادة المدينة.

وفي الرابع من جويلية/يوليو، دعا الديوان السياسي إلى إعلان الحرب لاستعادة المدينة والدفاع عن السيادة الوطنية وبدأ معها تدفق آلاف المتطوعين الذين طوقوا الثكنات الفرنسية.

لم تكن كرامة شارل ديغول لتتحمل التصعيد التونسي خاصة مع اندلاع المواجهات صبيحة يوم 19 جويلية /يوليو التي أسفرت عن تدمير سبع طائرات فرنسية واقتحام إحدى المواقع، ما دفعه إلى توجيه أوامر صارمة للقائد العسكري موريس أميان بالقول “اضربوا بسرعة وبعنف” وهو قرار كلفه ثمنا باهظا في ما بعد.

كان لأصداء المواجهات في شوارع بنزرت بين سكانها والفرنسيين المدعومين بالطيران الحربي، ولمشاهد الدمار والدم وقع كبير على صعيد الوطن العربي والعالم، تكلل بتدخل سريع لمجلس الأمن الذي أقر وقف إطلاق النار، قبل أن يصدر قرارات حاسمة لصالح الحكومة التونسية في أوت/أغسطس من السنة نفسها، أجبرت بمقتضاها باريس على التفاوض مع تونس بشأن إعادة جدولة انسحابها من بنزرت. قرار بدأ تنفيذه في شهر سبتمبر/أيلول 1963.

دفعت عروس الشمال مهر حريتها وسيادة تونس ثمنا عزيزا غاليا محفورا بالدم والتضحيات، لكنها سجلت يوما في سجل البطولات يوم أجلت آخر الغزاة عن أرضها معلنة استكمال السيادة الوطنية.

15 أكتوبر#
الجلاء الفرنسي#
الحبيب بورقيبة#
شارل ديغول#
معركة بنزرت#

عناوين أخرى